المرايا وأبعاد الصورة الذهبية الأولى للسلطان قابوس في ذهنية طفلٍ عُماني

الدكتور محسن بن حمود الكندي –

لم تزل ذكرى الدهشة الأولى لرجل المرحلة السياسية الساطع في وطننا العماني – المغفور له بإذن الله- السلطان قابوس بن سعيد – ماثلة تتراءى في ذهنية ووجدان طفل عماني مخضرم عاش في ظل مرحلتين فارقتين، وفي بقعة تتموضع في أعماق الريف بعيدا عن ضجيج المدينة وألقها… لم تزل صورة ذلك القائد الباني المهيب تلقي بظلالها على عقل ذلك الطفل الغض ذي الخمسة أعوام من أول يوم رأى صورته الذهبية وهي تضي مرآة البيت القديم المعلقة في حجرة أمه الطينية وقد جلبها أبوه من بندر مسقط في إحدى رحلاته التجارية وهو يؤمّن البضائع لمتجره الصغير الذي يعتاش منه ويقتات.
ظل خبر تولي جلالته مقاليد الحكم في البلاد منقوشا في ذاكرته لم يبارح مخيلته رغم مضي نصف قرن عليه…كان المشهد بلوريا في أوله يلوح بالأفق حاملا تباشير العهد الجديد يتراءى بتألق وعنفوان مع كل حضور كارزمي مميز للمغفور له السلطان قابوس الذي تربع على كرسي الحكم شامخا طيلة خمسين سنة؛ فلم يزد الطفل كلما كبر إلا إعجابا به وولاء لحكمه، فالرجل لا تنصفه العبارات، ولا تعدله الكلمات، بل لا ترسم تفاصيل عهده الصور واللوحات، ويكفي القول عنه: إنه رجل المرحلة التاريخية العمانية الذهبية بامتياز ؛وعد فأوفى، وبدد الظلام فأنار، ونشر الحق فعدل، وغامر بنفسه وشعبه فنجح، وارتقى بوطنه وشعبه إلى آفاق المعالي والخلود فحقق،رجل كابد المشاق، وأزاح المصاعب، وعلا بالوطن فوق هامات الثريا والنجوم، بنى الأرواح وأحياها، وأسعد القلوب والنفوس فأرواها بعد ظمأ، وكانت حصيلته من كل ذلك وطنا جديدا وشعبا محبا استعاد تاريخه برقي ونهضة وحياة سعيدة وبناء دولة عصرية منقطعة النظير شاع ذكرها في الأقاصي والأبعاد، فغدت عمان في عهده درة من درر الدهر وخريدة من خرائد العصر، وقد تغنّى بها الشعراء، وصدح بها وبه الفنانون، فأصبحت كالعروس تتباهى بحليها في أحسن منظر، وقد سادها العدل والتسامح والوسطية والحكمة، وسداد الرأي، والمشورة… إليها يحج الناس من كل مكان طلبا للأمن والأمان، والراحة والسلام، وعلى ترابها نقشت أرجل الماجدين الأعزاء من الرجال الذين يملأون الكون عزة وفخارا.
ما تحويه تلك الصورة الذهبية الأولى المنقوشة في ذهنية ذلك الطفل من أبعاد ثلاثية تجعله لا يبارح نسيانها، تحضر في ذهنه كل لحظة فما يفتأ يذكر أبعادها، خاصة تلك التي يقف فيها جلالته في بهاء وسطوع ولمعان مشرقا وضّاء مشرئبا إلى الأفق البعيد تملأ محياه سمات الصدق والجد والأمل واستشراف المستقبل، فكان شعاره حب العمل وروح التغيير، والتوق إلى مواكبة الحياة بأجد جديدها، وأكثر منها العمل المثمر البناء المفيد البعيد عن الضجيج والترهات، فتضفي على عقلية الطفل وعواطفه أحاسيس مكتومة طيلة فترة حكم جلالته لم يستطع البوح بها؛ أوالإفصاح عنها؛ لأنها محملة بمشاهد الطفولة وظلال الشباب الجميل وألق المرحلة ووهجها، مشاهد انبثقت من قواعد الطاعة والولاء والعمل والدعوة إلى العلم ولو تحت ظلال الشجر كما كان يردد. ومع ذلك ظلت الصورة تنضح بمشاهد الدهشة الأولى لا تكدر صفوها غبار الأيام التي مرت سريعا منذ أن سمع ذلك الطفل باسم المغفور له يتردد في أرجاء وطنه وعبر أثير الإذاعات الوارد صوتها في ذلك الوقت الصامت، فقد كان الطفل قد رافق أباه إلى ولايته المجاورة لرؤية ما يسمى تجوزا احتفال المباركة والبيعة على سنن القبائل، فقد غامر به أبوه وأخذه وسط تلك الحشود المحتشدة ببراءة أمام حصن كبير لا يتذكر منه سوى أنه حصن شامخ يرفرف على سطحه علم أحمر قان، وتحت ظلاله يتجمع أناس وقورون معممون (متخنجرون) ذوو عمائم ولحى يحملون عصيهم في أيديهم، يتباهون بالقبيلة والزعامة والوجاهة، وقد احتشدوا تحته وتربعوا تحت ظلاله في جلسة وقورة ولسان حالهم يقول: إن عهدا جديدا أطل على عمان سيكون له ما بعده، وإن ظلاما دامسا ولى ولم يعد بغير رجعة، فلا حسرة عليه ولا ندامة.
كان الطفل يحملق في تلك الوجوه وأبوه منشغلا بأحاديث جانبية تدور أغلبها حول مصير الوطن وماذا حدث فيه وماذا سيحدث؟ وكيف ستسير الأمور في العهد الجديد؟
انفض الجمع بعد ساعات قليلة وتسارع الناس إلى قراهم ونجوعهم طافقين بنشر الخبر السعيد: ان ثمة تحولا سيعم كل شيء، وأن الظلام سيتبدد، وأن النور أشرق لا محالة، والحياة في طريقها إلى التغيير، وعندما وصل إلى قريته بدأت اللقاءات الجانبية والأحاديث تملأ أمكنة القرية وضواحيها وأزقتها و(سبلتها) العامة، وكلها مؤشرات تشي بالحدث الكبير المأمول في الأحلام والمتحقق في الأماني حتى تأكدت لهم الحقيقة الكبرى أنهم على مقتبل العهد الجديد وعليهم الانخراط في التنمية والعلم، فشرعت النهضة في تنفيذ ما عاهدت به وكانت البداية تترى ببناء المدرسة النظامية والمستشفى وشق الطريق ومشروع تنمية المجتمعات، وإنشاء دوائر ومديريات وجامعات وبعثات وأسفار إلى الأقاصي والأباعد وغيرها … كان الطفل شاهدها الأول الذي بدت اليوم في عينيه كأنها شريط سينمائي يتذكر تفاصيله ويبكي على فراق المؤسس بدمع قانية وقلب مكسور .
بعد أيام من تلك الأحاديث- التي طغت على كل لسان في القرية وملأت كل وجدان- قدمت سيارات (البيدفورد) حاملة بضائع ومؤنا وركابا وفدوا من أقطار العالي والمغتربات، كان الطفل كعادته يتسلق إحداها لينال هديته المعتادة، فكانت المفاجأة أن الهدية هذه المرة هي صور ورقية وأخرى زجاجية منقوشة على مرايا مصنعة في الصين بلد المنشأ الأيديولوجي لمثل هذه الصناعات، فكانت هذه المرايا هي الصورة الأولى لرؤية القائد المظفر عن قرب خاصة أنه كان يمتطي فرسه حاملا سيفه متقلدا أوسمة ونياشين، وقد بدا في أكمل حلة وأبهى منظر، قام الطفل بتوزيع تلك الصور على أترابه وزملائه في مدرسة القرآن التي كان يتعلم فيها، أهدى معلمته أولها، وألصق الثانية على جدار المدرسة الطيني، وكانت علامة فارقة دالة على الدعوة المبكرة للتعليم الحديث… كان الطفل محظوظا بين أقرانه، وبين أمهاته وهن يتلون أخباره وصنيع عهد مباركات داعيات متبتلات بأن يحفظ الله باني النهضة ويوفقه ويسدد خطاه.
توالى مشهد التجلي لهذه الصورة البهية، في أعياد النهضة الثلاثة الأولى فبدا جلالته في كل أبعادها ملهما قاد عمان وأنقذها وبدد الظلام وأزاحه، وأحدث فيها تغييرا لم تعهده البلاد من قبل، عهد بدا فيه الطفل يكبر ويكبر ويرتقي مع كل إنجاز، ويلاحظ التغيير بأم عينيه مما دفعه إلى السير في سلم الحياة بانسيابية وتدفق وعنفوان ولسان حاله «العلم أولا» والبحث والخدمة المجتمعية ثانيا، كان يردد وصية أبيه اعمل يا بني دون أن ترتقب جزاء ولا شكورا، كانت خطواته إلى مدرسته الابتدائية فالإعدادية فالثانوية فالجامعية وما بعدها تسير بلا عوائق، فظفر كأبناء جيله بمحاسن عهده التي لا يحصيها العد، ولا يحيط بمكامنها الفرد، إنها هبة الله وعطاؤه لهذا الوطن العريق .
وفي العاشر من يناير من العام الماضي دمعت عينا الطفل – الذي غدا كهلا – وهو يرقب المسجى والشريط التذكاري يمر أمام عينيه ليقول في نفسه «مات السلطان الباني» رحمه الله وبقيت الصورة معلقة في مكانها.
باتت تلك الصورة تتراءى في مخيلة الطفل/ الكهل لا تبارح مخيلته يتذكرها ويتذكر احتفاءه وأقرانه بها منذ أن نزل من سيارة «البيدفور» ولم تزده إلا وفاء، وعندما انتقل جلالته إلى جوار ربه داهمت تلك الصورة ذات الأبعاد الثلاثية مخيلته وتداعت معها ذكريات العهد القديم والبيت الطيني وأمه وأبيه وأسرته الصغيرة وحياته البريئة ورفاقه وأترابه، وكم تأوه لفقده وبكى كمثل بكائه في يوم صرخته الأولى، ويوم موت أبيه، ويوم خروج روح أمه.. إنها الأقدار التي لا راد لها إلا الله.