الشاعر سيف الرحبي: تأثرت بالشعر الكلاسيكي.. وقراءتي للعالم الحديث بدأت من البوّابة القاهرية

خلال استضافته ببرنامج “كتاب مفتوح”
الرحبي يكشف أن الدكتورة عائشة الدرمكية ستتولى منصب مستشارة التحرير في مجلة نزوى

“عمان”: قال الشاعر والكاتب الكبير سيف الرحبي: “إن للشعر التقليدي أثرا عميقا وطويلا في الجو الشعري العماني. ولا شك أننا نجلّ هذا الشعر فهو يشكل المتن الأعظم من تاريخ الشعرية العربية حيث يمتد لقرون سحيقة منذ ما يسمى بالعصر الجاهلي حتى شوقي وحافظ والرصافي والجواهري، بينما الحداثة في الشعرية العربية المعاصرة لا يتجاوز عمرها القرن من الزمن”. جاء ذلك عندما حلّ الشاعر سيف الرحبي ضيفاً على برنامج “كتاب مفتوح” الذي يعده ويقدمه الشاعران عبد الرزاق الربيعي ووسام العاني برعاية مركز حدائق الفكر للثقافة والخدمات الكائن بولاية البريمي، وذلك في أمسية افتراضية بُثت عبر جميع مواقع التواصل الاجتماعي بالتعاون مع منصة الفنر العمانية. مضيفا: “عندما أتذكر البدايات أراها مرتبطة تماماً بعناصر البيئة والمكان في حقبة ما قبل السبعين من القرن الماضي، حيث بدأت عمان في السبعين تتماس مع حداثة العالم تقنية وثقافة، قبلها كانت عمان منكفئة على إرثها التقليدي وعناصرها المتوارثة بالمعنى الصارم للكلمة”. وواصل الشاعر، الذي يعد واحداً من أهم شعراء الحداثة في الوطن العربي، استذكار بداياته التي انطلقت من قرية سرور في ولاية سمائل عبر الشكل التقليدي للشعر العربي، ثم عرّج على رحلاته الممتدة بين مدن شتى وأثرها على نتاجه الأدبي، كما قدم شهادات بحق الكثير من المبدعين العمانيين والعرب. وتحدّث عن الطفولة، والبدايات المتأثرة بالبيئة العمانية وسماتها التقليدية المحافظة في الشعر العربي، وفي تعليق له على سؤال حول إحدى أوائل قصائده العمودية والفقهية التي كتبها وهو في الحادية عشر من عمره في شكل أسئلة فقهية موجهة إلى شيخه عبد الله بن أحمد الحسيني وجاء في مطلعها: يا بارقا بات يحيي الليل ساريه يبدي شماريخ كاللألا لساريه هيجت يا برق ذا وجد أخا شغف عاري الأشاجع مجرى القلب واهيه حيث قال: “تبدو لي هذه الذكريات غائرة في الزمن، كأنها من قرون ماضية حيث السيرورة الزمنية مرعبة وغامضة وعجيبة. وكأني أقرأ هذه القصيدة في كتب قديمة من ذلك الزمن الغابر والسحيق عن شخص اسمه سيف الرحبي. من الطريف أنني عندما عدت لعمان بعد فترة طويلة من الغياب وجدت هذه القصيدة مع قصائد أخرى ما زالت محفوظة مع بعض الأصدقاء مثل الأستاذ أحمد الفلاحي والدكتور محسن الكندي الأستاذ البارز في جامعة السلطان قابوس والذي كان له السبق في الكشف عن الإرث الثقافي والصحفي والأدبي في زنجبار وشرق أفريقيا. حيث كانا يعملان على مشروع للمحافظة على بعض الآثار الثقافية والأدبية المهملة. وكما هو معلوم فلقد نشأت في بيئة دينية وشعرية قبلية ومحافظة. في الستينيات القرن الماضي عندما كتبت تلك المحاولات كنت تلميذاً في المشايخ مع أقراني. كان الوالد رحمه الله هو من اقترح مجيء الشيخ حمود الصوافي الذي تعلمنا على يديه البدايات اللغوية والدينية والشعرية وهو الشيخ الجليل والعظيم على صعيد العلم الشاسع والعميق وعلى صعيد السلوك النقي والصافي. في تلك المرحلة أيضاً كنت أقلد الشعراء العمانيين بسبب تأثري بهم مثل (الستالي) حيث كنت معجبا به كثيراً وأرى أنه يستحق دراسة معمقة حتى أنني كنت أفكر بإعداد دراسة وأطروحة عن شعره فوجدت أنه قريب من المدرسة البرناسية التي تعلي من شأن الأسلوب والشكل. لكني لم أكن معجباً مثلاً بسليمان النبهاني رغم إبداعه الشعري ربما بسبب تقليده الواضح للشعراء الجاهليين وكنت أجد هذا التقليد غير مبرر. وصولاً إلى أبي مسلم البهلاني الذي كان حضوره واضحاً وحاسماً في الشعرية العمانية في تلك المرحلة. بعدها تأثرنا بالشيخ عبد الله الخليلي، وقد حضرت له الكثير من الجلسات الشعرية في سمائل، وكنت قريباً منه في الأيام الأخيرة عندما جاء إلى القاهرة. والمدهش أنه كان يناقش ويبرر الشعر الحداثي وقد سمعت هذا الكلام منه مباشرة. وهذا ما أريد أن أخبر به العمانيين تحديداً، رغم أن الحداثة لا تحتاج إلى مشروعية من أحد، لكنه كان يقول يجب ألا نتعصب ضد الشعر الحديث فإن من البيان لسحرا. كما تأثرنا أيضا بالشاعر أبي سرور الذي يمتلك منجزاً شعرياً رائعاً وبالأخ نبراس السليمي. أتذكر أيضاً أنني كتبت الكثير من الأسئلة الفقهية على شكل قصائد منظومة في تلك المرحلة. منها ما كتبته للشيخ الربيع بن المر في مسقط. حيث كنا معتادين على قضاء الصيف في سرور والشتاء في مطرح. وكان والدي رحمه الله يستأجر دكاناً في بيت طالب الزكواني أحد أشهر التجار في الستينيات”. . . نزعة كلاسيكية . . وعن سؤال حول الكيفية التي تخلص فيها سيف الرحبي من تأثير النزعة الكلاسيكية في الشعر العربي، أجاب قائلاً: “لم أشغل نفسي كثيراً بهذا السؤال. ولا أعتقد أنني بذلت جهداً كبيراً على صعيد التحول الداخلي للتخلص من هذا الأثر. فالمسألة تمت في سياق طبيعي وتاريخي كأي تحول عادي. فأنا كنت متأثراً بالشعر الكلاسيكي بسبب عوامل البيئة لكنني لما انتقلت إلى أماكن أخرى أطلعت على شعريات وبيئات أخرى وتأثرت بها لذا انفتحت على هذه الأنواع والأشكال الحديثة. هنا تتزاوج الفطرة مع المكتسب الثقافي ومع مكتسبات الوعي. ربما نكون في عمان وفي الجزيرة العربية تأخرنا في الولوج إلى الحداثة لظروف طبيعية بخلاف العواصم العربية المهمة الأخرى مثل القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق والرباط والجزائر التي سبقتنا على صعيد الإنجاز الثقافي الحداثي. حيث منذ القرن التاسع عشر تقرأ لديها توسلاً للحداثة وللتنوير بشكل وبآخر. الفرد المثقف الحر، مثل الشاعر، يكون طليعياً في العادة رافضاً للقطيعة الجماعية وللهيمنة الفكرية الأحادية. ربما كنا أحد هؤلاء الأفراد في عمان نفكر بمعنى فرديتنا خارج القطيع وهذه مسألة مهمة. أعتقد أن بيروت دُمّرت لأن فيها موطأ قدم للفرد العربي المبدع والحر فاتفق الجميع على تدميرها الذي أخذ فيما بعد مسارات متعددة ومخيفة”. . . أثر المكان . . وحول قيمة الترحال والتشظي بين المدن وأثرها على تجربة سيف الرحبي ونتاجه الأدبي انطلاقاً من ديوانه (جبال)، تحدث قائلاً: “ديوان (جبال) هو أول ديوان أكتبه في عمان فكل ما قبله كتب خارجها. لذا كتب الشاعر الكبير والمعلم سعدي يوسف مقالاً في كتابه “خطوات الكنغر” يصف فيه الديوان بأنه يؤسس لمرحلة جديدة من الخصائص الجمالية والمكانية في اللغة والشعر. نبهني هذا المقال إلى أثر المكان ليتحول لاحقاً إلى لمحة بارزة في أعمالي. وهذا يشمل كل الأماكن بما فيها المكان العماني الأكثر حسماً في نتاجي الأدبي. فالمكان بالنسبة لي هو مسرح التحولات الزمنية والبشرية. هذا الديوان هو فاصلة مهمة في سيرتي الشعرية المتواضعة، وأقول متواضعا لأن هناك الكثير من الأحلام تنتظر التحقيق، فلا نتواضع كثيراً ولا نتعالى كثيراً حيث يبقى هناك نقصان وغياب. قصيدة هذيان الجبال والسحرة، وربما مجمل الديوان، تشكل صدمة مع الطبيعة بعد رحلة وتغريبة طويلة في الزمن وفي الوعد. فجاء هذا الديوان ثمرة هذا اللقاء المدهش مع المكان من جديد. وممكن أن نسحبه من الشعر والوجدان إلى الثقافة والوعي، فالشعر في النهاية ليس هو الوعي الثقافي والفكري، فالوعي هو فطرة ومشاعر وهو الصدمة المباشرة يأتي بعدها الوعي الثقافي”. . . أبويّة شعرية . . وفي سؤال وجهه له الناقد العراقي الدكتور حاتم الصكر عن آبائه الشعريين في الحداثة، أجاب الشاعر سيف الرحبي قائلاً: “..ربما أحد هؤلاء الآباء هو يوسف الخال الشاعر الكبير وأحد رواد الحداثة ومؤسس مجلة شعر المفصلية في الحداثة العربية. فرغم تنقلي بين دمشق وبيروت إلا أنه لم يكن لي علاقة شخصية معه. تعرفت عليه عن قرب لاحقاً في باريس حين جاء لغرض العلاج. في حينها كان البعض يحذرني من التعرف عليه باعتباره كتائبي يميني وأنه ضد العروبة والشعر العربي. لكنني عندما تعرفت عليه وجدته على عكس ذلك تماماً. توطدت علاقتي به لاحقاً وصرت أزوره بشكل شبه يومي مع أصدقاء آخرين. حتى إنه تحدث عني كثيراً، وقد كنت أصدرت حينها ديوان (أجراس القطيعة) أتذكر عندما جاء الصديق حمزة عبود مع عائلته قادمين من الحرب اللبنانية إلى باريس وكان يتهم الخال بالطائفية رغم أنه لم يلتقِ به من قبل. أخذته إليه وأخبرناه أن حمزة يبحث عن عمل. لم يتردّد الخال بالاتصال بأحد أصدقائه واسمه ميشيل مرهج وكان يمتلك مركزاً ثقافياً في باريس ليطلب منه توظيف حمزة فوراً وبدون الدخول في إجراءات التعيين”. . . العودة إلى عمان . . وتابع: “كما أتذكر أنه سألني ذات مرة كم لي من السنوات لم أذهب إلى عمان فأجبته منذ زمن طويل ربما أكثر من ستة عشر عاماً، فأدرك أنه قد يكون لي مشكلة مع حكومة بلدي كما يحدث للكثير من العراقيين آنذاك. فقرّر وبدون علمي تكليف الأستاذ رياض نجيب الريس رحمه الله لاستكشاف وضعي أمنياً في عمان وكانت للريس آنذاك حظوة لدى جلالة السلطان قابوس، طيّب الله ثراه، بعد فترة اتصل بي يوسف الخال لينقل لي رسالة رياض الريس ألا شيء ضدي أمنياً وبإمكاني العودة في أي وقت إلى عمان. لذا فذكرياتي الشخصية مع يوسف الخال بهذا المنحى الإنساني والأخلاقي الرفيع. وأستطيع القول إنه أثر فيّ أخلاقياً وإبداعياً وجمالياً. وما زلت أحتفظ بهذه الذكريات والمشاعر عميقاً في قلبي وفي وجداني. والإشاعات دائماً، خاصة في الوسط الثقافي، مبنية على استقطابات أيديولوجية وسياسية أكثر منها مقاربة للصدق والحقيقة والضمير. أما فيما يخص دور يوسف الخال في الحداثة الشعرية فبالتأكيد هو دور مهم ورائد عبر تأسيس مجلة شعر التي أدارها لاحقاً أدونيس وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج. هذه المجلة التي استقطبت كبار شعراء الحداثة وعلى رأسهم السياب من العراق. كانت مجلة شعر مختبراً للتجريب الشعري في الحداثة العربية. فقصيدة النثر والتنظيرات الجديدة والتقاط نبض التيارات الغربية الطليعية كانت بارزة فيها أكثر من غيرها. وربما السجال الأدبي كان واضحاً بينها وبين مجلة الآداب آنذاك لكن مجلة شعر كانت الأقرب إلى الأحلام والطموحات الطليعية للتجريب والحداثة وللشكل المغامر في الشعر. لذا يجب ألا يظلم دور يوسف الخال وحقه إطلاقاً في سياق دراسة الحداثة وآثارها في الثقافة العربية، وهناك آخرين من جيل الخال أعتبرهم من آبائي الشعريين مثل أدونيس ومحمود درويش وسميح القاسم. بالإضافة إلى من تأثرت أو أثرت بهم من أبناء جيلي ممن يكبرونني أو يصغرونني سناً. فإن تأثروا بي فهذا يشرفني. نحن في النهاية أبناء قراءاتنا واحتكاكنا الأدبي والشخصي. ولا يوجد شيء يبتكر من البياض. أنا مثلاً تأثرت بسركون بولص وصلاح فائق وفاضل العزاوي. خصوصاً العزاوي. كذلك أيضاً من الأصدقاء بسام حجار رحمه الله وأمجد ناصر الذي كتب نصاً فيه معاني الغربة والمنفى بالمعنى الساحق والمتحقق إبداعياً بالمعنى الرفيع جداً. ديوانه أصول الغرباء الذي لم يحك عنه كثيراً، والذي كتبه بعدما خرج من قبرص، كنت أقرؤه بتفاعل عميق”. . . أسماء شعرية عمانية . . واسترسل متحدثا عن الأسماء العمانية قائلا: “ومن الأسماء العمانية تجدر الإشارة إلى زاهر الغافري، وإلى عيسى الطائي، الذي صار يكتب لاحقاً باسم سماء عيسى، وإلى عبد الله الريامي ومحمد الحارثي وأحمد الهاشمي وناصر العلوي وطالب المعمري وصالح العامري ومبارك العامري، الذي كتب الشعر والرواية وهو أحد مؤسسي الصحافة في عمان، وعلي المخمري ومن الجيل الذي تلاهم حسن المطروشي الشاعر المتميز في كتابته للمقطوعات النثرية، وآخرين كثيرين قد لا تسعفني الذاكرة بذكر أسمائهم. ومن الشاعرات فاطمة الشيدي وبدرية الوهيبي رغم أنها اختفت وكذلك عائشة السيفي في التفعيلة والنثر وأسماء أخرى كثيرة. وهذا يدل على وجود مجرى شعري حداثي حقيقي مهم جداً في عمان”. و قدّم التحية إلى متابعي الأمسية ومنهم الدكتورة عائشة الدرمكية التي كشف أنها ستتولى منصب مستشارة التحرير في مجلة نزوى، كما وجه التحية أيضاً إلى الدكتورة سعيدة بنت خاطر الفارسية وأشاد بدورها الرائد كأحد مؤسسي المشهد الثقافي العماني شعراً ونقداً ونشاطاً وجرأة. . . أبجديات الوعي . . ثم تطرق إلى رحلته إلى القاهرة وإقامته فيها لسنوات حيث تحدث عنها قائلاً: “القاهرة محطة مبكرة وأساسية في حياتي. اكتسبت منها الأبجديات الأولى للوعي الثقافي على صعيد الحداثة والشعر الجديد والوعي السياسي الجديد. عمان آنذاك كانت منكفئة على التقليد والقديم أكثر من أي شيء آخر حيث لا يخترقها من الحداثة شيء إلا لماماً. القاهرة كانت بوابة واسعة عظيمة للولوج في هذه الأجواء والثيمات والمواضيع والشخوص. كل هذا بالنسبة لي هو أفق جديد يتكوّن في القاهرة بإحساس مازال طازجاً وفطرياً يستقبل المعنى الجيد. القاهرة حينها كانت على قوتها الحقيقية لذا لعبت دوراً حاسماً في سياقي الوجداني والشعري والسياسي والفكري. وقراءتي للعالم الحديث بدأت من البوابة القاهرية. القاهرة عاصمة ثقافية عظيمة مراياها متعددة فعلى الصعيد السياسي هناك السجال الذي يدور حول اليسار بأوجهه المتعددة وحول القومية والماركسية والليبرالية واليمين. وكل هذه القصص التي تجسدها مرآة العصر الحديث كانت موجودة في القاهرة ولم تكن موجودة عندنا في عمان، لذا أفدت منها كثيراً وكوّنتني التكوين الأول الذي يؤدي إلى البحث وإلى الأفق. لذلك حنيني إلى القاهرة دائم ومستمر كالحنين إلى أيام الصبا والمراهقة والعاطفة التي ما زالت على فطرتها وسجيتها قبل أن يلوثها العالم بالكثير من الأدران والمشاكل والمآسي. القاهرة محطة أساسية وحاسمة بالنسبة لي”. . . الحنين الأعظم . . وعن سبب وجوده في مطرح قبل ساعات من الاستضافة، ذكر الشاعر سيف الرحبي أنّ ذلك يأتي في إطار الحنين إلى مكان لا مرئي وفالت وغائب ومفقود وهذا هو الحنين الأعظم الذي ينبثق من الشعر والأدب والخيال الإبداعي والجمالي. وهو حنين إلى لا متعين، إلى لا ممكن، إلى المستحيل. وأضاف أن أحد الفلاسفة الكبار يقول “إن الأدب الحقيقي ينبع من وطأة المستحيل”، وتذكر مطرح أيام طفولته قائلاً: “لم يكن الكورنيش الحالي موجوداً، بل كان ساحلاً رملياً مليئاً بالنوارس الصغيرة الحجم التي كنا نسميها طويريات. وهي تختلف عن النوارس الكبيرة الحجم في بحر العرب صوب صور وجعلان. هذه النوارس الصغيرة ما زالت تتجمع بكثافة مرعبة. والطريف أنني اليوم وقبل أن أذهب بساعتين كنت شاهدت فيلم (الطيور) لهيتشكوك، حيث تقوم فيه الطيور بمهاجمة الإنسان بمجاميع مرعبة. انتبهت هناك أن الغربان التي تعودنا أن نراها في طفولتنا بأسراب مهولة، خصوصاً في ساحل الباطنة، لم تعد موجودةً إلا بشكل قليل. ينافسها الآن الغراب الآسيوي وهو نوع مدمر رغم صغر حجمه ومعروف بعدوانيته حيث يسطو على بيوض الغربان الاعتيادية، معلمة الإنسان، ويدمرها قبل أن تفقس لتنقرض تدريجياً. جعلني هذا أتذكر عندما قنصت في طفولتي غراباً في أحد الأيام فهاجمني سرب مهول من الغربان، وانقضّ عليّ بشكل مخيف كأنها محاولة للافتراس. مما حدا بأقربائي إلى سحبي إلى داخل المنزل، وإغلاق الباب لكنها ظلّت تهاجم باب المنزل بشكل عنيف. وأعتقد أن هذا هو الحاصل الآن في المشهد الكوني بالكابوس المروع الذي تعيشه البشرية نتاج هذا الفيروس المجهري. ربما الإنسان اعتدى على الطبيعة أكثر من اللازم وانتهك حرماتها وها هي تنتقم بطرقها الخاصة أو بعبقريتها الخاصة”. وفي نهاية الأمسية تم الاتفاق مع الضيف على تكملة الحوار في جزء ثان يوم الخميس القادم.