«سوق مسقط».. رؤية طموحة تواكب تطلعات مرحلة اقتصادية جديدة

قراءة في المرسوم السلطاني الخاص بتحويل السوق إلى شركة مساهمة مغلقة –
دور أوسع نطاقا لسوق رأس المال في الاقتصاد وتمكين القطاع الخاص كمحرك أساسي للنمو –

قراءة: أمل رجب –

بعد أكثر من ثلاثة عقود من تأسيسها، يأتي المرسوم السلطاني رقم (5/ 2021)، الذي صدر الأسبوع الماضي، ليدشن مرحلة جديدة من عمل سوق الأوراق المالية عبر إعادة هيكلة إدارتها لتتم من خلال شركة تؤول ملكيتها لجهاز الاستثمار العماني، وتتحول شركة سوق مسقط للأوراق المالية إلى شركة مُساهمة عُمانية مُقفلة باسم شركة «سوق مسقط»، ويخضع عملها لعدد من القوانين منها قانون سوق رأس المال وقانون الشركات التجارية وكذلك قانون التخصيص. ويساهم تحويل سوق الأوراق المالية إلى شركة في تحقيق العديد من الأهداف التي تدعم دورا أوسع نطاقا لسوق الأوراق المالية في الرؤية المستقبلية عمان 2040 وتعزيز النمو الاقتصادي وتشجيع جذب رؤوس الأموال، وفي صدارة هذه الأهداف دعم التوجه الحكومي نحو التخصيص وتمكين القطاع الخاص من القيام بدوره كمحرك أساسي للنمو الاقتصادي في مختلف القطاعات الرئيسية وتوفير فرص العمل الجديدة، كما يستهدف التحول إلى شركة أن تعمل إدارة السوق وفق أسس تجارية بما ينعكس إيجابا على كفاءة الإدارة وعلى جذب المستثمرين الجدد وزيادة عمق السوق من خلال إيجاد مناخ مواتٍ يشجع زيادة وتيرة عمليات الإدراج الجديدة والاكتتابات الأولية ودعم عمليات التخصيص المزمعة، وإيجاد المزيد من الأدوات المالية لخدمة المستثمرين ومساعدتهم في تحقيق عوائد مجزية على استثماراته فضلا عن المساهمة في رفد الخزانة العامة للدولة من خلال اتساع قاعدة الاستثمارات وزيادة حجم الرسوم والعمولات التي يتم دفعها مقابل الصفقات والخدمات التي تقدمها السوق للمستثمرين. ومن المتوقع أن يتزامن مع هذا التحول إلى متغيـرات مهمة فـي آليـات العمـل بما يواكـب توجهـات رؤيـة عمـان 2040 والخطط التنموية التي تركز على زيادة دور القطـاع الخــاص فــي عمليــة التنميــة والنمو الاقتصادي، إذ نص المرسوم السلطاني على أن تمارس شركة سوق مسقط كافة أنشطتها في إطار أحكام قانون سوق رأس المال، وتخضع في ذلك لرقابة وإشراف الهيئة العامة لسوق المال. ولشركة سوق مسقط إصدار كافة اللوائح والقرارات اللازمة لمُمارسة اختصاصاتها وتحقيق أغراضها، وتحديد الرسوم مقابل الخدمات التي تُقدمها، وذلك بعد موافقة الهيئة العامة لسوق المال، كما أشار المرسوم إلى أن الهيئة العامة لسوق المال تتولى تحديد السياسة العامة التي يجب على شركة سوق مسقط الالتزام بها، وتصدر اللوائح والقرارات المنظمة للتراخيص اللازم منحها للشركة لممارسة أنشطتها، والرسوم التي يتوجب عليها سدادها للهيئة. واتساقا مع عملها كشركة خاصة فقد تضمن المرسوم السلطاني تشكيل مجلس إدارة لشركة سوق مسقط وفقاً لنظامها الأساسي، وأن يكون لها رئيس تنفيذي يتم تعيينه بعد الحصول على موافقة الهيئة العامة لسوق المال كما يجب على الشركة الحصول على موافقة الهيئة أيضا على تعيين العاملين في الإدارة العليا للشركة، بينما يناط بجهاز الاستثمار العماني إعداد عقد تأسيس الشركة، ونظامها الأساسي، وإنهاء إجراءات تسجيلها وفقاً لأحكام قانون الشركات المشار إليه، وذلك قبل تاريخ العمل بهذا المرسوم والذي تم تحديده بتسعين يوما بعد نشر المرسوم في الجريدة الرسمية. الهيكلة الجديدة للسوق وبينما دخلت الرؤية المستقبلية عمان 2040 وخطتها التنفيذية الأولى الخطة العاشرة 2021-2025 حيز التنفيذ منذ بداية العام الجاري، تأتي الهيكلة الجديدة للسوق في إطار ما تشهده السلطنة من إعادة هيكلة شاملة للجهاز الإداري للدولة والجهد الحثيث لتشجيع الاستثمارات وتوفير كل الدعائم التي تضمن تحقيق أهداف الرؤية المستقبلية وهو ما يؤكد على دعم الحكومة العمانية واهتمامها بقطاع سوق رأس المال الذي يحمل طموحات كبيرة خلال الفترة المقبلة للقيام بدور متزايد في توفير التمويل اللازم لأنشطة وتوسعات الشركات والمؤسسات وتنشيط القطاع الخاص. من جانب آخر، يمهد تحويل السوق إلى شركة لمواكبتها للتطورات العالمية والإقليمية التي تشهدها أسواق المال العالمية حيث يتم إدارتها من قبل شركات خاصة تعمل على تطويرها بشكل متواصل وجذب المزيد من المستثمرين، وفي هذا النطاق تقدم القارة الأوروبية نماذج عمل فريدة من نوعها إذا تعد شركة يورونكست من أكبر شركات إدارة الأسواق في العالم وهي أكبر شركة لتشغيل الأسواق في أوروبا، وتدير أسواق كل من أمستردام وبروكسل ودبلن ولشبونة ولندن وباريس. وإقليميا، يسود التوجه نحو مواكبة التطورات العالمية وقد تم الإعلان نهاية العام الماضي عن إدراج شركة سوق الكويت للأوراق المالية ضمن قطاع الخدمات المالية بالسوق وكان قد تم تأسيسها كشركة مساهمة كويتية عامة في أبريل عام 2013، وفي ديسمبر 2019، اكتملت عملية الخصخصة من خلال الاكتتاب العام لحصة هيئة أسواق المال البالغة 50% من أسهم الشركة، وذلك للمواطنين، وبذلك أصبحت سوق الكويت هي أول سوق في منطقة دول مجلس التعاون مملوكة بالكامل للقطاع الخاص تدرج أسهمها في سوق بلادها، وتفتح مثل هذه التطورات العالمية والإقليمية الباب مستقبلا لإمكانية تحول شركة سوق مسقط إلى شركة مساهمة عامة تطرح أسهمها الاكتتاب العام. حركة المؤشر العام وخلال السنوات الماضية، وبشكل خاص منذ اندلاع أزمة تراجع أسعار النفط، واجهت سوق مسقط العديد من التحديات التي أثرت سلبا على حركة المؤشر العام للسوق وعلى نشاط التداولات وزادت التحديات مع دخول العالم في أزمة تفشي وباء كورونا المستجد والتي كان لها تبعاتها القاسية على كافة دول العالم، لكن على الرغم من هذه التحديات نجحت السوق في العديد من جوانب عملها اعتمادا على مكانتها ككيـان مؤسســي رائد يعمــل على خدمة الاقتصاد والمستثمرين ضمن إطــار تشــريعي واضح وأدوات رقابية تضمن تطبيق متطلبات الشفافية والحوكمة على المؤسسات والشركات المدرجة في السوق، وظلت عمليات الإفصاح عن المعلومات الجوهرية والتقارير الدورية من قبل الشركات والمؤسسات والبنوك المدرجة مصدرا من أهم مصادر المعلومات للمستثمرين والمهتمين والخبراء الساعين إلى رصد ومتابعة المستجدات والمتغيرات في بيئة عمل الشركات، وإداريا نجحت سوق مسقط بشكل متواصل في إنجاز تقدم مستمر في تبني وتطبيق أحــدث التطــورات التقنيــة سواء فيما يتعلق بنظام التداول الإلكتروني أو فــي مجــال العمليـات والرقابـة علـى التـداول وهو ما ضمن تسهيل عمليات التداول وحماية حقوق المستثمرين، كما سجلت سوق مسقط تجربة ناجحة للغاية في انسيابية عمليات التداول عند بداية تفشي الوباء وما تزامن معه من عمليات إغلاق عام أثرت على عمل بعض الأسواق العالمية، وفي إطار تنويع الأدوات المالية المتاحة للمستثمرين شهد سوق السندات والصكوك توسعا مستمرا عبر السنوات الماضية كما استفاد سوق مسقط من مبادرات برنامج التنويع الاقتصادي بعد السماح بإنشاء الصناديق العقارية. وخلال السنوات الماضية سجلت القيمــة الســوقية للشــركات المدرجة زيادة مطردة من 370 مليـون ريـال في بداية عمل السوق لتتجـاوز الــ 18 مليـار ريـال بنهايـة عـام 2019، ثم قفزت القيمة السوقية إلى أعلى مستوى شهده السوق على الإطلاق بنهاية عام 2020 بدعم من الإدراجات الجديدة للشركات المغلقة وكان الجانب الأكبر منها شركات حكومية، ويتجاوز عدد المستثمرين في السوق حاليا 419 ألف مستثمر منهم 368 ألفا من العمانيين، ويتوزع المستثمرون بين ٩٨ بالمائة من الأفراد و٢ بالمائة من المؤسسات والصناديق الاستثمارية، وقد انضم للسوق 187 مستثمرا جديدا منذ بداية هذا العام.