مرفأ قراءة: «كاسبار» لهاندكه.. اللغة المستبدة !

إيهاب الملاح –

– 1 – أحب قبل أن أحدثك عزيزي القارئ عن هذه المسرحية المدهشة لأديب نوبل غريب الأطوار؛ النمساوي بتر هاندكه (مواليد العام 1942)، أن أتوقف قليلا عند فترة باذخة زاهرة في تاريخنا الثقافي المعاصر؛ وهي فترة الخمسينيات والستينيات التي شهد فيها المسرح المصري والعربي حركةً ونشاطًا غير مسبوقين على كل الأصعدة؛ تأليفا وترجمة، إنشاء فرق وتمثيلا، تدريبا وتدريسا، وإنشاء معاهد عالية له في كل التخصصات.. إلخ. وبغض النظر عن تقييماتنا لتلك الفترة سياسيا، وانعكاساتها على الحياة والمجتمع، فإن من أبرز ما شهدته آنذاك على مستوى مصر والعالم العربي هو تلك الحركة النشطة في التأليف المسرحي والترجمة؛ كان من آثارها الزاهية نقل (روائع المسرح العالمي) والتقديم بين يديها بدراسات ومقدمات فاخرة ورصينة هي بذاتها إبداعات نقدية قيمة. وتعددت سلاسل الكتب والروايات والمسرحيات التي كانت تصدرها المؤسسات الصحفية المصرية، ثم ما لبثت دور النشر المملوكة للدولة أن أصدرت بدورها مجموعة من السلاسل كان من أبرزها سلسلة «روائع المسرح العالمي» التي ترجمت إلى العربية عددًا من أهم المسرحيات العالمية، وسلسلة «أعلام العرب» التي ترجمت لسير عشرات من أعلام العرب في كل المجالات، وكل البلاد، وكل العصور، وهو دور لعبته باقتدار دور النشر الحكومية أيضا في عدد من الأقطار العربية الأخرى، كان من أبرزها دول الخليج العربي، وعلى الأخص الكويت، وفي سوريا والعراق وليبيا ودول أخرى. – 2 – وإلى هذه السلاسل يعود الفضل في ترسيخ عادة القراءة وتنمية الذائقة لدى أجيال مثقفة من العرب، كان من بينها الجيل الأشهر في أدبنا المعاصر، جيل الستينيات في مصر والعالم العربي الذي كان يقتني أعداد هذه السلاسل بانتظام، وبصرف النظر عن مدى حظ كاتبها من الشهرة، ثقة منه بأن هيئات تحريرها سوف تحسن الاختيار، ولأنها في مجموعها تشكل ما يشبه دائرة معارف تتناول كل الجوانب التي تشبع حاجته الثقافية، والأهم من هذا وذاك أنها كانت في مجملها كتباً قيمة بقروش زهيدة! هذا هو السياق الثقافي العام، الذي ظهرت فيه وللمرة الأولى مسرحية الأديب النمساوي بيتر هاندكه، وترجمها إلى العربية عن الألمانية وقدم بين يديها الأستاذ القدير الدكتور مصطفى ماهر. وبعد ما يقرب من نصف القرن على ترجمتها هذه أعادت هيئة قصور الثقافة المصرية نشرها ضمن برنامج ممتاز لإعادة طبع سلسلة (روائع المسرح العالمي)، التي استمرت من العام 1959 إلى العام 1966. وجاءت فكرة إعادة طبع هذه السلسلة المؤسسة للثقافة المسرحية، بمبادرة ذكية من الكاتب والناقد جرجس شكري، أمين عام النشر بالهيئة، وقد شاهدنا مدى الإقبال على هذه الكتب في معرض الكتاب الأخير قبل لعنة الكورونا (كشف الله غمتها وأزاح هذا البلاء والوباء)، ومدى شغف الشباب بالذات باقتنائها، بعد صدورها بأسعار زهيدة. – 3 – أما مسرحية “كاسبار”، فتكاد تكون أهم مسرحية طليعية كتبها هاندكه (الشاب آنذاك) وعرضت على المسارح الألمانية في العام 1967، وترجمها إلى العربية د مصطفي ماهر، وقد استمدت عنوانها من اسم بطلها “كاسبار”؛ وهي شخصية لها أصل واقعي حقيقي، يقول عنها مترجم المسرحية د.مصطفى فهمي: “واسم كاسبار الذي تدور حوله القطعة مستقى من وقائع جرت في مطلع القرن التاسع عشر، حيث ظهر في عام 1828 صبي اسمه كاسبار هاوزر، بدا كما لو كان متأخرا عقليا، جاء لأحد العسكريين في مدينة نورمبرج، يحمل معه ورقة مكتوب فيها أنه ظل في سجن معزولا عن العالم لسنوات طويلة، وأنه ابن جندي، ويريد أن يكون جنديا، وكان كل ما يعرفه كاسبار بضع كلمات قليلة، مما أثار اهتمامًا بحالته على مستويات كثيرة، فبدأت عملية تعليمه اللغة من جديد. ووجد هاندكه في هذه القصة الغريبة وسيلة لتقديم مسرحية طليعية محكمة، ليصور من خلالها تأثير اللغة الطاغي على الإنسان؛ فاللغة هي التي تخلق لدى الإنسان الوعي بالذات، والوعي بالأشياء والناس والدنيا، ولكنها في الوقت ذاته، يمكن أن تفسد على الإنسان جوهره الحق، وتفرض عليه قوالب معينة تستبد بفكره ومسلكه؛ ويظهر هذا الاستبداد في كل المجالات السياسية والاجتماعية التي يلمح لها “هاندكه”، دون أن يفصح عن وجهة نظر معينة. – 4 – يتقاطع مفهوم هاندكه في تفكيكه للغة، هنا، مع كتّاب مسرح العبث، ولكن هؤلاء كانوا يركزون على فوضى اللغة في مسرحياتهم، ليؤكدوا على فشل اللغة في تحقيق التواصل، وشكلية هذا التواصل الإنساني، الذي يمكن اعتباره وسيلة هروبية من العبث الذي نشعر به في حياتنا وتصرفاتنا، بينما بدت فوضى اللغة في «كاسبار» هاوزر لهاندكه ترجمةً لما هو أخطر: مؤسسات وأصوات مختلفة تغسل العقول والألسنة، وتصب معرفة جاهزة في العقول، من خلال قوالب لغوية صماء؛ أو محاولة لتكفين العقل، وتحويل اللغة إلى صنم، للسيطرة على الإنسان، وتحويله إلى ظاهرة صوتية ولغوية بلا تفكير. يقول الناقد محمود عبد الشكور في قراءته الممتازة للمسرحية “إنه معنى خطير حقًّا، يواكبه شكل مسرحي صادم، هاندكه حشد على المسرح أشياء واقعية، ولكنه طلب أن توضع بطريقة غير طبيعية، لكي تبدو كإكسسوار مسرحي، واستخدم الأصوات بطريقة بناءة ، سواء كأصوات بشرية، أو كمؤثرات صوتية، لا شيء يحدث تقريبًا سوى محاولة تلقين كاسبار البائس جملًا ومفرداتٍ مختلفة، ويتم ذلك من خلال فريق من الملقنين”. لقد خرج الشاب البائس على المجتمع من عزلته بجملةٍ واحدة متعثرة؛ هي: “أود أن أصبح مثلما كان إنسان آخر مرة”! وبعد التلقين أصابه التشوش التام، وتحول بعد فترة إلى ببغاء يحفظ ما يجب أن يفعل، في شكل جملٍ متكررة: “ينبغي على كل إنسان أن يغسل قبل الأكل يديه”؛ “ينبغي على كل إنسان أن يفرغ في السجن جيبه”؛ “ينبغي على كل إنسان أن يكنس أمام بيته”؛ … وهكذا! لم يعِ كاسبار هاوزر حرفا مما يحفظ ولم يفهم أي شيء، بينما جاء عارفًا بما يريد التعبير عنه، ولكن لم تكن تسعفه الكلمات ولا المفردات، وهكذا أوصل الملقنون “كاسبار” إلى أن يقول في نهاية المسرحية: “أنا أكون فقط ماعز وقرود”، بل إن هذه الطريقة في التلقين قد ملأت المسرح بأكثر من كاسبار، يرتدون قناعًا مثل كاسبار الأصلي، وينشرون الفوضى والضجيج. – 5 – في فترة الاستراحة القصيرة في المسرحية، طلب هاندكه تشغيل أصوات وتسجيلات عالية ومتنافرة، حافلة بكلمات وجمل مجتزأة، فلا تنقل معنى، ولا تترك في ذهن المستمع إلا الإزعاج، فكأن تجربة فوضى اللغة قد صارت عقابا، ومصدرا للتعذيب، سواء بالنسبة إلى كاسبار المسكين، أو بالنسبة لجمهور العرض. اللغة إذن هي وعاء الفكر الحر، ولا يجب أن تستخدم كقيد أو كعقاب، وكاسبار المعزول الذي كانت لديه جملة واحدة متعثرة، أفضل من كاسبار الببغاء، الذي لا يعرف معنى ما حفظه بالتكرار، كاسبار يستحق التعاطف، والملقنون يستحقون السخرية، ونحن نصبح مثل “كاسبار” لو امتثلنا لمقولات جاهزة نرددها دون فهم أو اقتناع. ألهمت المسرحية الطليعية المذهلة صناع السينما بمعالجة سينمائية متميزة وخاصة؛ بعنوان “كاسبار هاوزر”؛ ظهرت فيه الشخصية الرئيسية مثل طفل كبير مندهش، وكأنه الإنسان وقد ولد من جديد في غربة وجودية شاملة. مسرحية «كاسبار» من أخطر وأبدع ما ظهر من مسرحيات طليعية في أوروبا في النصف الثاني من القرن العشرين؛ وسيكون كاتبها غريب الأطوار بفائض موهبته وغزارة ثقافته الإبداعية ومهاراته الكتابية أحد المتوجين بنوبل في الآداب في العامين الأخيرين… (وللحديث بقية عن أوجه هاندكه الإبداعية).