مقالات الطائي في “الاتحاد” لا تنتمي إلى قلم الثائر المستنهض ولكن للخطاب الاحتفائي

كتابات عُمانية مُبكرة
في صحيفة “الاتحاد ” الإماراتية مقالات الأستاذ عبدالله الطائي أنموذجا
الدكتور محسن بن حمود الكندي

مارَسَ الأديبُ العُماني الرائد الأستاذ عبدالله بن محمد الطائي(1924- 1973) جذوته الثقافية في صحيفة “الاتحاد” الإماراتية من منطلق وظيفي رسمي بصفته نائبا لرئيس دائرة الإعلام والسياحة بحكومة أبوظبي بعد اختمار تجربته الصحفية الواسعة والممتدة في رحاب الدول الخليجية التي عاش فيها عبر عقود ثلاثة كتابة وتحريرا وتأليفا وإذاعة، وشملت مجلات وصحف خليجية وعربية عديدة أمثال: “الخميلة” و”الميزان” و”صوت البحرين” و”هنا البحرين”، والأخيرة أسَّسها وترأس تحريرها، وأصدرها من دائرة العلاقات العامة بحكومة البحرين، وكذلك مجلة الكويت الصادرة عن وزارة الإرشاد والأنباء التي عمل فيها إبان قدومه الأول إلى دولة الكويت، إضافة إلى مجلات “البيان” و”العربي” و”كاظمة”. كما توّج بثَّ مقالاته عبر أثير الإذاعات، ومنصات المنتديات الثقافية المختلفة التي عمل فيها وشارك في تنشيطها ولاسيّما إذاعة الباكستان العربية والنوادي الثقافية في البحرين على نحو ما استعرضنا في حياته في كتابنا عبدالله الطائي حياة ووثائق. يجدر بالذكر أن تجربة الاغتراب ولّدت في نفسية الطائي جملة من المكابدات والمشاق، فقد عاش مغتربا في العراق طالبا في مدارسها خلال الفترة (1935 – 1942) ثم في الباكستان مدرسّا بكلية الإسلامية بكراتشي ومذيعا في إذاعتها العربية ( 1948- 1950) ثم في البحرين مدرسّا بمدرسة الهداية الخليفية وموظفا في المعتمدية البريطانية ( 1950 – 1959 )، وفي الكويت موظفا بوزارة الأنباء والإرشاد ( 1959 – 1968) وأخيرا في بالإمارات ( 1968 – 1970 ) فبلده عُمان وزيرا للإعلام والشؤون الاجتماعية والعمل (1970 – 1973) وفي كل هذه الدول أسهم في تأسيس الصحافة وتنشيط الحراك العلمي وكان له دور في بث الوعي وتجديد الأدب شعرا ونثرا بما بث فيه من روح جديدة طالت أغلب أجناسه ويكفي أن ريادته شملت القصة والرواية والمسرح بالإضافة إلى الشعر الذي حول قوالبه إلى شعر التفعيلة بعدما كانت الأبحر الخليلية والقوافي مسيطرة على خطابه. وفي هذه المراحل جميعها يبرز الأستاذ الطائي كاتبا ماهرا وأديبا مجددا ومؤرخا دقيقا ومبدعا متنوع المشارب والاتجاهات؛ فقد كتب الشعر، وله فيه ثلاثة دواوين هي: “حادي القافلة” المخطوط، و”الفجر الزاحف” الصادر سنة 1966″ و “وداعا أيها الليل الطويل” 1974، والرواية وله فيها “ملائكة الجبل الأخضر” 1962″ و”الشراع الكبير” 1981 وقاصًّا وله ثماني قصص هي: “جامع دوار الحسين” و”مأساة صبحية”، و”أسف”، و”خيانات”، و”اختفاء امرأة”، و”عائلة عبدالبديع”، و”المغلغل” وباحثا وله في ذلك أربعة كتب هي: “الأدب المعاصر في الخليج العربي” الصادر سنة 1974، ودراسات عن الخليج العربي، 1972، وشعراء معاصرون 1988، ومواقف 1990 م وتاريخ عُمان السياسي 2006 م، ومؤلفا مسرحيًّا ألف مسرحيتي “جابر عثرات الكرام” و”بشرى لعبد المطلب” مثلتا في المسرح المدرسي للمدرسة السعيدية سنة 1948، وقد عنينا بكلِّ هذا الإنتاج تأصيلا ونقدا في أطروحتنا الأكاديمية “عبدالله الطائي حياته وأدبه التي قدَّمناها في جامعة السلطان قابوس في 14ديسمبر 1994م، وفي كتابينا “عبدالله الطائي حياة ووثائق” و”عبدالله الطائي وريادة الكتابة العُمانية الحديثة” الصادرين في عامي 2004، و2009م عن رابطة الأدباء بدولة الكويت ودار الجنادرية بالأردن. وتكادُ تُجْمِعُ محصلتنا البحثية ونتائجُ دراستنا الواردة في هذين الكتابين وما وجدناه من مقالاتٍ عن هذا الكاتب الأديب الشاعر الصحفي الرائد – أنه سَخَّر قلمه لخدمة وطنه، وأنه رائدٌ لفنونٍ أدبيةٍ لم تُطرق من قبل على مستوى الأدب العُماني كفني المسرحية والقصة القصيرة والرواية، وكتابة القصيدة المجددة لقوالبها الفنية والموضوعية. وإذا ما عُدْنا إلى كتابة الطائي للمقالة الثقافية، فإننا سنجد أنه طرق هذا النمط من واقع تجربته الصحفية المخضرمة الممتدة في الدول التي ذكرناها، وقد أحصينا مجمل مقالاته فوجدناها(281) مقالة تتوزعُ بين مقالة اجتماعية، وأخرى تاريخية، وثالثة أدبية، وفيها تتجلَّى ثقافة بلده عُمان والتعريف بها وأخرجها من حيز التقوقع الجغرافي إلى مناخات بعيدة تشمل أبعادا زمانية وتظلل أمكنة ومساحات واسعة عبَر خلالها أقطارا، وتآلف فيها مع ثقافات، واختلف فيها مع أفكار ومعطيات، وأسفرت محاولاته تلك عن كسر ذلك الحاجز المخيم على أدب وطنه عُمان، وكان في ذلك رائدا لم يسبقه فيه أحدٌ من بني وطنه، في ذلك الزمن المفصلي الفارق، ويمكن الوقوف على نموذج مما كتبه ونشره ممثلا في صحيفة “الاتحاد” الصادرة في إمارة أبوظبي بتاريخ 9 شعبان 1389 هـ الموافق 20 ( أكتوبر ) 1969م، فقد نشر قرابة تسعة مقالات موسَّعة نتناولها تفصيلا على النحو الآتي: 1-    المقال الأول عنوانه “تحية له ومرحبا بهم”: وهو مقالٌ ثقافيٌّ افتتاحيٌّ منشورٌ في عمود رئيس من أعمدة العدد الأول من أعداد الصحيفة الصادر بتاريخ 20 اكتوبر 1969 فيما سمّي بـ “وقفة الأسبوع”، ويبدأه بالاحتفاء بالقيادة السياسية ممثلة في شخص الشيخ زايد بن سلطان وزملائه حكام الإمارات الأخرى، ثم يتناول دوره الحضاري في صناعة فكرة “الاتحاد” وفي ذلك يقول:”للرجل الإنسان تحية.. وللرجل الذي علمنا أن نكون رجالاً… وللإنسان الذي وسَّع مداركنا وجعلنا ننطلق من مكاننا الصغير إلى آفاق العالم الكبير.. وهو الأب الذي أخذ بيد الكبير موجها ومنميًّا، ورَفَق بالصغير مهذبا وبانيا. إلى أن يقول:”تشهدٌ أبو ظبي لقاءات رائعة مجيدة.. تهدف إلى تحقيق الاتحاد، وتنبثق في منطلق واحد هو أشد أواصر الأخوة بين إماراتنا العربية في ساحلنا وخليجنا..”. 2-    المقال الثاني عنوانه: “مرحبا بك يا رمضان”، وهو مقالٌ أدبيٌّ افتتاحي نُشر في عمود رئيس من أعمدة العدد الرابع من أعداد الصحيفة الصادر بتاريخ 13 نوفمبر 1969م، ص 4، ويدور موضوعه حول شهر رمضان وقدسيته ومكانته الروحية لدى المسلمين، وقد كتبه الطائي بأسلوب أدبي بليغ، مما جاء فيه: “أقبل الشهر الكريم بأنواره، وأقبل بتقاليده ومشاهده، أقبل بنور يحمل النفس مشرقة والقلوب صافية، والنفوس خاشعة، أقبل بصيامه الذي يدرج بالنفوس إلى قمة الطاعة وبصلاته التي يزداد فيها الخشوع وتتضاعف الخشية، أقبل بطاعته التي تتهاوى بين حدود المعصية وتتألق الفضيلة، وتمحي السيئات وتزداد الحسنات.. فيا رمضان مرحبا بك مطهرا للنفوس، ورابطا جديدا لوعد العبد، وتأكيدا لجزاء الخالق وفقنا الله لصيامه…”. 3-    المقال الثالث عنوانه “خواطر قبل العيد”، وهو مقالٌ أدبيٌّ نُشر في الصفحة الثالثة من العدد الثامن الصادر بتاريخ 9 ديسمبر1969م، وقد تضمن لوازم وسياقات تعبيرية تتعلق بنعمة الصوم، وتحية للعيد، ومساجلة بين ابن وأبيه ليلة العيد وغير ذلك من العبارات الإنشائية التعبيرية التي لا تقدم فكرة بقدر ما تحتفي بمناسبة وفق رؤية فكرية يقدم فيها مدحا وإطراء للشيخ زايد بن سلطان حاكم الإمارات يقول في أحد مقاطع هذا المقال الذي جاء على هيئة حوار بين ابن وأبيه: سألته: ماذا تتمنَّى في العيد؟ قال: إن يسدد الله خطوات زايد بن سلطان في نهضة هذه البلاد. وقلت في نفسي، ما أشعر به أنا في مثل هذا اليوم، أنه أبو الجميع”. 4-    المقال الرابع عنوانه: “انطباعات زائر للبحرين”، مقالٌ أدبيٌّ نُشر في الصفحة الرابعة من صفحات العدد الثاني عشر الصادر 15 يناير 1970م، وفيه حنين إلى دولة البحرين التي قَضى فيها عشر سنواتٍ من عمره يعدّها من أزهى أيامه، والمقال يفيض حنينا ويمتلئ تذكّرا، وفيه عاطفة متقدة جيّاشة مليئة بالحبّ تجاه البحرين أرضا وشعبا، يقول: “يكاد قلمي أن يندفع عن حبي للبحرين، يكادُ أن يستهل هذه الوقفة ليكتب عن الذات، ويكاد أن يجعل علاقة هذه الذات بذلك القطر العربي الكريم معلما من معالم هذه الوقفة، أكاد أتصوره لوحة بلد سياحي، أو مضيافا لزائر يقطع الطريق بين المطار والفندق، ولكني سأوقف قلمي عن أن يتخذني معلما في الحديث عن البحرين وأنا أزورها من جديد فلعله يسعد بمعرفة، وطن عربي بدأ نهضته منذ ما يقارب نصف قرن وما زال يسير في طريقه نحو الأحسن. إلى أن يقول: “هذه هي البحرين كما رأيتها نضوج في النهضة وحصاد في السير، ودأب في العمل، وفي خلال ذلك كلِّه وجدت لكل جانب من تكامل المجتمع أسرة، فالتعليم أسرة، وللأدب أسرة، وللصحافة أسرة، وللفن أسرة، ومن هذه الجهود وبمثل هذا التضامن ينبغي تحقيق النجاح”. ويُبدي الطائيُّ في وصفه للبحرين ـ التي كتب عنها بعد عشر سنوات من مغادرته ـ إياها إعجابا متناهيا يفوق الحد للروابط الثقافية والعملية التي جمعته بأدبائها ومفكريها، وقادّة حراك نهضتها، فحياته بها من أكثر الحيوات توهجا وعطاءً، وقد تناولنا ذلك مفصلاً في كتابنا “عبدالله الطائي حياة ووثائق” ص 31. 5-    المقال الخامس عنوانه: “الحج عبادة، والعبادة تهذيب” مقالٌ نُشر في الصفحة السادسة من العدد السادس عشر الصادر بتاريخ 14 فبراير 1970م، وفيه يقول الطائي محتفيًّا بمناسبة دينية يكثر فيها من الدعاء والتبتل وبيان أهمية الحج وقيمته الروحية لدى المسلمين، يقول فيه “الحج عباده، ومن هاتين العبارتين تنبثق معان كبيرة تقوم عليها حقائق الحياة، ويبني فيها الفرد، وتشاد الأوطان، ويسعد الإنسان.. الحج عبادة ففيه تقوى الروابط بين العبد وربه، وفيه يشعر الفرد أنه قادم من أقاصي المسافات تاركا بيته وأهله وبلاده، متجها إلى بيت الله مهطعا بالدعاء، مليئا بالرجاء…”. 6-    المقال السادس عبارة عن حوار صحفي أجري مع الأستاذ عبدالله الطائي نائب رئيس دائرة الإعلام بحكومة أبوظبي بمناسبة زيارته إلى لبنان” نُشر في الصفحة الخامسة من صفحات العدد السابع عشر من أعداد الصحيفة الصادر بتاريخ 7 مايو 1970م، ص 4، وفيه معلومات توثيقية وصور تذكارية مع فخامة الرئيس اللبناني شارل الحلو ونقيب الصحفيين اللبنانيين الأستاذ رياض طه. 7-    المقال السابع عبارة عن تحقيق صحفي كتبه الطائي، ونُشر في الصفحة الرابعة من صفحات العدد الثامن والعشرين من أعداد الصحيفة الصادر بتاريخ 14 مايو 1970م، وفيه مقتطفات من مواضيع مختلفة اتخذت عناوين متنوعة من بينها “يوم المولد النبوي” و”يوم النكبة هو يوم ضياع الإنسان” و”أنقل لكم صورة من مجالس زايد” و”حقوق الإنسان في منطقة الخليج العربي وعُمان”. وهذه المواضيع غير مترابطة لا يجمعها جامع غير فكرة صحفية واحدة تتصل ببعث المشهد المحيط ومحاولة توثيقة. 8-    المقال الثامن عنوانه:” الذكرى الرابعة للجلوس “نُشر في صفحة كاملة من أعداد الصحيفة الصادر بتاريخ 6 أغسطس 1970م، ص 3، وفيه تحقيق رسمي وكلمة موسّعة عنوانها “مسؤولية عربية يحملها زايد وساعد سليم للاتحاد”، ولا يوجد في هذه الكلمة شيء ذو بال غير سرد للمنجزات وإطراء للحكومة والمسؤولين، وهو ما ينسجم مع وظيفة الطائي القيادية في حقل الإعلام. 9-    المقال التاسع كلمة احتفائية: نُشرت في العدد التاسع والثلاثين من أعداد الصحيفة الصادر بتاريخ 13 أغسطس 1970م، ص 3، كلمة رسمية للأستاذ عبدالله الطائي في الحفل الفني الساهر الذي أقامته الدائرة الإعلام. ومما يجدرُ ذكره أن الأستاذ عبدالله الطائي نشر هذه المقالات من منطلق وظيفي رسمي بحت، فقد كان يشغل وظيفة نائب رئيس دائرة الإعلام بحكومة أبو ظبي التي كان يرأسها الأستاذ أحمد بن حامد، وأوكلت إليه مهام إعداد وإصدار هذه الصحيفة، وغيرها من الملفات الإعلامية والسياسية الداخلية منها والخارجية، إلى أن أصبح مستشارا إعلاميًّا بالديوان الأميري قريب الصلة من الشيخ زايد بن سلطان. كما يلاحظُ في مقالات الطائي المنشورة في صحيفة “الاتحاد” أنها تشيء بسماتٍ مختلفة نوعا ما عمّا ألفناه في فكر الطائي المتقد، وماذا كان يكتبه في صحف البحرين والكويت وقبلهما في صحف بغداد والقاهرة ودمشق، فهي مقالاتٌ تقليدية خاوية من روح الإثارة والتجديد، ولا تحملُ أية إضافة موضوعية نوعية مميزة، وأغلبُ موضوعها مديحٌ وإطراءٌ سياسي وخطاب رسمي مستهلك، وربما يعود ذلك إلى أن الطائي خفف من وهجه الصحفي النهضوي الثائر ومال إلى تناول الموضوعات التقليدية التي تخدم وظيفته وتحقق مهامه فيها وهي لا تخلق أسئلة، ولا تثير الأفكار المغايرة، بل لا ترنو إلى مخاطبة الرأي العام بخطابٍ إخباري معقد، وهو في هذه المرحلة التي ألقت بظلها عليه ألفَ الدعة والسكون بعد حياة المغتربات والتنقلات، فلم تَعُد تعكسُ مقالاته شخصيته الثائرة المعهودة بل بدا وديعا هادئا لا يقدّم إلا المنسجم مع شروط وظيفته وبقائه المحقق لمطلب إقامته في أبوظبي بعد عناء السنين والمغتربات وتلك أسباب نقبلها منه ونتفهمها بناء على ما عرفنا من مسارات حياته من عنت ومشقة ومكابدة؛ لهذا كثر إطراؤه للشيخ زايد ولنهضة إمارة أبوظبي وما تحقق فيها من منجزات على كافة الأصعدة ولا يخفى من هذا الأمر أن الطائي سئم خطاب الثورة والاستنهاض وركن إلى ظروف المهادنة، وربما كانت الظروف التي وجدها في أبوظبي أملت عليها شروطها، فأراد استثمارها والاستفادة منها، ولكنه يظل الأديب النقي الذي لم يشطح بفكره إلى معطيات معينة تناقض فكره التقدمي الكبير ورؤيته الإصلاحية الخلاقة بل كان الرجل النزيه المثقف المبدع الرزين المعتد بعمانيته حتى النخاع، فرحم الله الأستاذ عبدالله الطائي رائد الإعلام الأول في الخليج.