مقال: نهايات رحيمة

أمل السعيدي –

نبحث عن النهايات العادلة، مع أن الحياة لا تسير وفق هذا المنطق. والفن والأدب كانا ملاذ الإنسان على مر التاريخ، من أجل خلق هذا المنطق وإن كان مصطنعًا، المهم أننا في مكان ما، نحقق ما نريد، وننتزع من الحياة، مآلات أكثر جمالًا من تلك التي نصطدم بها في الواقع، فالأدب الإغريقي كما يشرح لنا أرسطو في “فن الشعر” وكما نجد عند هوميروس وآخرين، يوجد به مرتبة يصل إليها كل عمل فني، وهي المسؤولة عما أطلقوا عليه “التطهير” عندما يكون من حق القارئ أو المشاهد، أن يرتاحا من ثقل الحبكة ومن الآثام التي تعقدت في منتصفها. ومع مرور الوقت وجد الإنسان حسب تصوري أن هذا يجعل العمل الفني متوقعًا، مما يجعله غير مثير، ومبتذل. فبتنا نرى نهايات خارقة على نحو أقل. كنت اقرأ ذات يوم قصة كاثرين مانسفيلد، (بيت الدمى) عن فتاتين منبوذتين بسبب فقرهما، في مجتمع إنجليزي برجوازي، حتى أنه لا يتوقع منهما إلا أن يصبحا في المستقبل كما هي أمهما، خادمات في البيوت في أحسن الأحوال، تتعرض الفتاتان لمعاملة مهينة وسيئة، في المدرسة وفي المدينة التي تعيشان فيها، وعندما تقرران ذات مرة التمرد على وضعهن، عبر إلقاء نظرة على بيت دمى في بيت أسرة معروفة ومشهورة في المدينة نفسها، تتعرضان للذل، فتنسحبان. نُشرت القصة في أحد المواقع الإلكترونية، وعندما أنهيت القصة نظرتُ لخانة التعليقات في الأسفل: جاء تعليق قارئة: أين بقية القصة؟ مع أن القصة كاملة. وتعاطفتُ مع توقعاتها، مع آمالها التي غُدر بها في أن مصيرًا أكثر عدالةً تستحقه الفتاتان، وعواقب وخيمة ستلقي بظلالها على الظالمين. يتعامل الأدب والفن اليوم مع النهايات، بحساسية فائقة، فهو لا يريد أن يكون مدلسًا، ويشارك في حفلة التعمية الكونية على حالات القهر الإنساني من جهة، ولا يريد أن يكون متشائمًا في الوقت نفسه، يختار صناع الفن اليوم، خيار الترفيه، أو خيار المشاركة في تغيير الصورة الإنسانية ورصدها، وقلما نجدُ أعمالًا تستطيع الجمع بين الغايتين، وكأن الترفيه مرتبط بالضرورة بالهروب المستمر من أفكارنا ومآسينا، لشيء أكثر بساطة وخفة، لشيء غير عقلاني، وغير عادل، حتى وإن عنى ذلك تجاهل الأسئلة الأخلاقية التي تحضرُ خلل هذا كله. ثيو أنجلوبولس في فيلمه الرائع “منظر طبيعي في السديم” وبعد كل التعب والوحشة والألم التي واجهت أبطاله الصغار، يقرر أن يدخلهم في نهاية الفيلم في السديم، يتحدون بالضباب فلا نعرف ما الذي يحصل لهم بعد ذلك، إنه المستقبل المجهول، الذي يعطي كل الاحتمالات، إنها حياتنا جميعًا، التي لا تتجه لمكان معروف بالضرورة، بل يتهددها السراب، الذي وان قضينا عمرنا كله في الخوف منه، لن يفيدنا ذلك في شيء، ربما يجعل مستقبلنا ضبابيًا ونحن ضبابيين اليوم وغدًا. كثيرًا ما يتم الحكم على العمل الفني من نهايته، يبدو بعضها مخيبًا للآمال، لكننا ومع مرور الوقت، طورنا ميكانيزمات أخرى لاستشعار التجارب التي نتعرض لها عبر الفن، نصابُ بالغضب والخذلان أحيانًا؛ لأن النهاية غير واقعية، ونشعر أن صناع العمل، يتعاملون معنا بسذاجة، لا يحب الإنسان المعاصر أن يشعره أحد بسذاجته، على الأقل ليس بطريقة فجة لا مواربة فيها! أخيرًا علينا ألا ننسى، أن العالم هذا العالم، يحتمل النهايات غير الرحيمة وأن هذا هو ناموس الحياة ولا مفر!