هل يخلق «الاقتصاد الدائري» التوازن الذي يتطلع إليه العالم بين التطور الصناعي واستدامة الموارد ؟

قادر على توفير 100 ألف وظيفة خلال خمس سنوات حول العالم –

كتبت : رحمة الكلبانية –

ارتبط النمو الاقتصادي لسنوات طويلة باستنزاف الموارد البيئية والطبيعية، فقد أدى التطور الصناعي المتسارع منذ بدء الثورة الصناعية منذ القرن التاسع عشر إلى فورة في استخدام الطاقة والموارد الطبيعية حتى باتت تتجاوز القدرة الإنتاجية الأرضية، الأمر الذي يحتم على العالم الالتفات إلى مفهوم «الاقتصاد الدائري» وتطبيقه لخلق اقتصاد أكثر توافقًا مع البيئة وأقل استنزافًا لمواردها.
ويفتح هذا النوع من الاقتصاد الباب أمام توفير المزيد من الفرص الاستثمارية وفرص العمل. وقد أشار تقرير لمؤسسة الين مكارثر بأن الاقتصاد الدائري قادر على توفير 100 ألف وظيفة جديدة حول العالم خلال خمس السنوات، وأنه يمكن الشركات من خفض تكاليف مدخلاتها. ووفقًا لتقرير دولي أشارت إليه دراسة أجراها اتحاد الغرف العربية تحت عنوان «الاقتصاد الدائري: فرصة جديدة للتنمية المستدامة» فإن الاقتصاد الدائري يوفر حوالي 380 مليون دولار لأوروبا، ويمكن أن يخلق وفورات تصل إلى 700 مليار دولار للعالم إذا ما تم تبنيه وتنفيذه بشكل منهجي وصحيح.

وقد خطت السلطنة خطوات كبيرة لتعزيز هذا النوع من الاقتصاد والحفاظ على مواردها دائمة ومستدامة، وتعمل الشركة العمانية القابضة لخدمات البيئة «بيئة» على تطوير أنظمة متكاملة لجمع ونقل النفايات من مصادرها. الأمر الذي يساهم في توفير فرص استثمارية جاذبة، وقد ظهرت في الآونة الأخيرة مجموعة من الشركات المحلية الصغيرة والناشئة في مجال جمع ونقل وإعادة تدوير النفايات وإعادة تصنيعها.
والتقت «عمان» بمجموعة من أصحاب تلك المشاريع، وقد أكدوا جميعًا على الفوائد الاقتصادية المتنوعة التي يحملها قطاع إعادة التدوير ودوره في تعزيز الاقتصاد والمحافظة على الموارد البيئية.

أسمدة عضوية
من مخلفات الطعام

وتعد شركة «الخدمة» لإعادة التدوير من أبرز الشركات العمانية العاملة في قطاع الاقتصاد الدائري، وهي شركة متخصصة في نقل، وإعادة تدوير وإدارة النفايات الخطرة وغير الخطرة وتشمل الورق والبلاستيك والزيوت المستعملة والمعادن والملابس وغيرها، وتقوم من خلال مصانعها في كل من مسقط والدقم بفرز ومعالجة المواد، من ثم تسويقها وبيعها للمصانع المحلية أو تصديرها للخارج.
وحول أهمية هذا القطاع وانعكاساته الاقتصادية، قال محمود بن عبدالله العامري، الرئيس التنفيذي للشركة: هناك فرص استثمارية كبيرة وجلية يحملها قطاع إعادة تدوير المخلفات، وعند استغلاله بالطريقة الأمثل يمكن للسلطنة أن تحصل على غالبية الموارد التي تحتاجها أو تستوردها من الخارج. فعلى سبيل المثال تستورد عمان ما نسبته 80% من السماد العضوي من الخارج في حين يمكن إنتاج هذه الكميات محليًا من خلال إعادة تدوير مخلفات المواد الغذائية وهذا ما تعمل عليه شركتنا في الوقت الحالي، ونتأمل البدء به خلال منتصف العام الجاري.
وأشار العامري بأن الالتفات للاقتصاد الدائري من الممكن أن يجنب السلطنة استهلاك مواردها والمساهمة في الحفاظ عليها واستدامتها وتقليل المخاطر البيئية الناجمة عن النفايات، وحرقها بالإضافة إلى خلق فرص استثمارية ووظيفية، وقال: لقد مكنني هذا القطاع من الاستغناء عن وظيفتي في إحدى الشركات المرموقة، وأصبحت بفضل الفرص التي حظيت بها صاحب عملي الخاص وتمكنت من توظيف مجموعة من الشباب العمانيين الأكفاء.
ولتنظيم القطاع بالطريقة الأمثل، أوصى الرئيس التنفيذي لشركة الخدمة لإعادة التدوير بضرورة أن يتم سن قوانين تلزم الشركات والمؤسسات والأفراد بفرز المخلفات وتعزيز هذه الثقافة في المجتمع.

أبواب مصنعة من سعف النخيل

واتجه خالد بن محمد آل خليفين مؤسس العلامة التجارية «عمان بي في سي» إلى توظيف ودمج مخلفات الخشب وسعف النخيل ومخلفات البلاستيك في صناعة الأبواب وألواح الخشب والبلاستيك والأرضيات والحواجز، وهو أول مصنع من نوعه والوحيد في العالم حتى اليوم.
وحول هذا التوجه الفريد، قال خالد آل خليفين: بدأنا قبل 3 أعوام بدراسة إمكانية استغلال سعف النخيل في منتجات شركة التي كانت متخصصة في منتجات الألمنيوم، كونه موردا متاحا ومتوفرا ويعكس هويتنا، وقد وجدنا فيما بعد احتوائه على مادة تجعل منتجاتنا أكثر صلابة وقوة وأعتقد بإن أجدادنا كانوا قد أدركوا ذلك مبكرًا ووظفوا سعف النخيل في البناء وعند هندسة الأفلاج. وأضاف: إن إضافة سعف النخيل في مزيج الصناعة الخاص بنا أكسب منتجاتنا مميزات عديدة وجعلها مقاومة للطقس ومقاومة للمياه وأكسبها منظرا أكثر جاذبية.
وتتم عملية إعادة تدوير سعف النخيل بدءًا من الاتفاق مع المزارعين وأصحاب الحيازات الزراعية لتوفيرها مقابل مبالغ مادية وذلك بدلا من حرقها والتخلص منها، من ثم تتم تصفيتها وإزالة أية شوائب منها، وتفتيتها إلى جزئيات متناهية الصغر كالبودرة، وسحب الرطوبة منها، وإضافة الخليط مع مخلفات البلاستيك الأخرى لإنتاج المنتجات المختلفة.
وأكد خالد آل خليفين على أهمية الاقتصاد الدائري، والإمكانات الوفيرة التي يحملها لاقتصاد السلطنة والفرص الاستثمارية القيمة لرواد الأعمال. داعيًا إلى المزيد من التنظيم في القطاع كفرز النفايات وإرساء ضوابط لإدارتها بالشكل الذي يسهل للمصانع والمنشآت نقلها والاستفادة منها.

تدوير البطاريات لإنتاج الرصاص

ورأت الشركة العربية للرصاص، ومقرها منطقة الرسيل الصناعية فرصا واعدة في إعادة تدوير البطاريات لإنتاج مادة الرصاص وتزويد السوق العماني بها بدلا من استيرادها من الخارج، وللحد من تأثير هذا النوع من النفايات الضارة على البيئة. وذلك بطاقة إنتاجية تبلغ 5000 طن سنويا.
ووفقًا للدراسة التي أعدتها، تستورد السلطنة حوالي 5000 طن من الرصاص الممكن تأمينها محليا، من خلال إعادة تدوير بطاريات السيارات، حيث يبلغ عدد المركبات المسجلة في السلطنة حوالي 1400000 سيارة بالإضافة إلى المركبات الثقيلة والبطاريات المستخدمة في الطاقة البديلة. ويمتلك المصنع التابع للشركة القدرة على إعادة تدوير 7 آلاف طن من بطاريات خلال وردية واحدة، والتي يمكن من خلالها إنتاج 3500 طن من الرصاص.
وأشار طارق الوهيبي أحد العاملين بالشركة إلى أن السلطنة لديها من الموارد والبطاريات التالفة ما يمكنها من سد جميع النقص في مادة الرصاص التي عادة ما تستوردها وذلك من خلال تنظيم هذا القطاع بصورة أفضل ورصد المخالفين ممن يقومون بتصدير هذا النوع من النفايات الخطرة أو إعادة تدويرها بصورة غير قانونية.

النمو السكاني وقلة الموارد

وتأتي أهمية الإسراع في تطبيق هذا المفهوم للمحافظة على الموارد واستدامتها في ظل النمو المتسارع في أعداد السكان حول العالم، حيث قال باحثون من منظمة جلوبال فوت برينت الدولية لأبحاث البصمة البيئية إن البشرية في عام 2017 كانت قد استنفدت ميزانية الموارد المقدرة لعام كامل خلال أشهر وقبل حلول شهر أغسطس. ووفقًا لتقرير الأمم المتحدة الصادر في عام 2017، فإنه من المتوقع أن يصل عدد سكان العالم إلى 8.6 مليار بحلول عام 2030، و 9.8 مليار بحلول عام 2050 مما يزيد الضغط على الموارد الطبيعية ويهدد استمراريتها.
وقد ظهر مصطلح الاقتصاد الدائري للمرة الأولى في كتاب «من المهد إلى المهد» عام 1989 للباحث السويسري «والتر ستاهيل» وقال: إنه يمكن الاستفادة قدر الإمكان من المنتج عبر تدويره وإعادة إخراجه في أشكال واستعمالات جديدة لخدمة الاقتصاد والبيئة معًا.