الشعبوية .. كمصطلح لا أكثر

أحمد بن سالم الفلاحي –

تذهب المناقشة هنا في بيان مقاربة موضوعية شديدة التماس إلى حد كبير بين الـ«شعوبية» والـ«نخبوية» وهذه المقاربة تتكئ على حالة اجتماعية معايشة، لا تحتاج إلى كثير من التنظير، لأنها واقع تعيشه كل الأمم، قديمها وحديثها، ولكن مع ذلك تخضع في كل فترة إلى تقييم، قد يراد له خير، وقد يراد له باطل، ويبقى «المعنى في بطن الشاعر» -كما يقال- وكلا المصطلحين غير غائبين عن الذاكرة الجمعية، وإن عدت النخبوية مصطلحا حديثا، قياسا، بعمر ولادته في معجم المفردات اللغوية، وبقدر هذا التقارب بين المصطلحين، لأن أساسهما واحد، وهو المجتمع، إلا أن هناك من يهمه أن يكون هناك فرق موضوعي بين المفهومين كأسلوب حياة يعيشها الناس، ليظل هناك نزاع قائم بين الجانبين، وهو نزاع يذهب إلى كثير من الممارسات السلبية، التي لا تخدم المجتمع الإنساني ككل.
ثمة أسئلة جوهرية تطرح في مفهوم الـ«شعبوية» وهي أسئلة تندرج تحت فهم المفارقة الموضوعية بين القديم المتجدد، والحاضر المتأرجح بين مقوماته القديمة، ومعطياته الحديثة، ولأن «الحديث» يعد ظاهرة، فإن القديم يعد تأسيسًا لهذا الظاهرة، وهذه الظاهر سوف تتحول إلى تأسيس لما يطرأ عليها من تحديث في مراحل الزمن وحركة الحياة القادمة، ولذلك أتصور، أيضا، أن المسالة الشعوبية مرتبطة كثيرا بفهم الفرق الموضوعي ما بين القرية أو الريف والمدينة، فالفهم العام يصنف كل ما ينتمي إلى القرية أو الريف على أنه شعبوي، وكل ما ينتمي إلى المدينة على أنه ضمن مفهوم الـ«نخبوي» واستحسَن هذا التصنيف عند كل المجتمعات تقريبا، وخاصة، المجتمعات التي ضربت بعرض الحائط كل ما هو تقليدي، ونظرت إلى الفرد كمكون أساسي في المساهمة التنموية، أكثر ما نظرت إلى المجتمع كمكون قيمي، ودور هذه القيم في تعزيز السلوك الإيجابي في التنمية، وهذه، في حد ذاتها، أوجدت نوعا من الانفصام في الوعي حتى في استيعاب برامج التنمية، حيث ظلت النظرة الدونية مصاحبة لأي تقييم من كلا البيئتين، مع أن الفرد، في حقيقته الموضوعية، هو ابن زمنه، وليس ابن مكانه، صحيح أن الأمكنة ولادة ومؤسسة، وينسب إليها الكثير من الفضل في تأسيس القيم، على سبيل المثال، ولكن الزمن يوجد استحقاقات جديدة في كل مرة، ويتجاوز الزمن في تموضعاته الثابتة، وهذا أمر مسلّم له إلى حد كبير.
تطرح اليوم، وعلى نطاق واسع، بأن هناك ثقافة شعبية، وهناك ممارسات شعبية، وهناك فنونا شعبية، وهناك تقاليد شعبية، وهناك ملابس شعبية، وهناك بيوتا شعبية، وهناك وسائل مواصلات شعبية، وهناك أفكار -لا تزال- شعبية، وهناك مناطق شعبية، وهناك أدواتا شعبية، وهناك وسائل شعبية، وهناك علاجات شعبية، وهناك أدوية شعبية، وهناك مهرجانات شعبية، وهناك مفردات شعبية، وهناك ذائقة شعبية، وهناك مأكولات شعبية، وختام ذلك كله، أنه ينظر إلى كل هذا على أنه مصدره من «الأسفل»، وأن ما عدا ذلك فهو يتبوأ «الأعلى» حيث «ثقافة النخبة» والتي لولا هذه الـ«شعبية» لما تأسست في الأصل، فلماذا إذن هذا الانقلاب المعرفي الذي جعل عاليها سافلها؟ أليست هذه كلها نعوت تعكس تغريبا تتقصد كل ما هو شعبي؟.
تتوغل الـ«شعوبية» في كثير من المفاهيم، مثل مفاهيم الأديان، والمذاهب، الطبقات الاجتماعية، والمستويات المعرفية، وهذه من شأنها أن تحدث نوعا من الصراعات داخل المجتمعات، خاصة إذا لم يقف أمامها النظام السياسي بحزم، ومن خلال إيجاد حزمة من التشريعات المصانة بقوة التطبيق، لأن الناس، وبحكم الفطرة، يميلون كل الميل نحو مضانهم الاجتماعية التي توفر لهم شيئا من التميز، والقيادة، والريادة، والاستقواء على الآخر، فهذه فطرة مجبول عليها معظم البشر، ويأتي الانتصار للقديم، هو للإبقاء على هذا النوع من الصور المستهلكة، والتي لم يعد لها مكان اليوم في ظل المجتمعات الحديثة المشغولة بمواجهة الكثير مما يؤخر تقدم حياتها المعيشية، وتحققها في البيئة الاقتصادية على وجه الخصوص، حيث يرون في مثل هذه المناخات تراجعا عن مسيرتهم التنموية القائمة على مفهوم السوق، ولعل تفسير تنامي الأسر الـ«نووية» في المجتمعات، حتى في المجتمعات التقليدية، عائد إلى هذا الاشتغال على الذات، دون تضييع الجهد والعمر في البحث والتنازع، والاختلاف في الصور المعبرة عن ماض لم يبق منه إلا هذه الـ«شعبويات» التي «لا تسمن ولا تغني من جوع» وهذه أحد ملامح الدفاع عن الشعبوية.
يذهب البعد التأملي في المسألة الشعوبية أكثر إلى الاستسهال في معالجة الأمور، أو هكذا ينظر إليها، وفي قصر النظر في المسائل الجدية، وإلى أن الحوادث والأزمات مهما بلغت حساسيتها وأهميتها، ففي النهاية هي من الحوادث التي تسجلها الأزمان في كل وقت وحين، وبالتالي فلا تحتاج المسألة إلى كثير من التأزم المعنوي، ومن الاحتقان غير المبرر، ومن الاهتمام المبالغ فيه، وهذه مسألة خطيرة في التعامل مع الأحداث، والمواقف، لأن في ذلك عدم اكتراث للنتائج المتوخاة في الأحداث الجسام، وقد يؤدي ذلك إلى كثير من الضياع، الخسائر غير المحمودة، وغير المتوقعة أيضا، وهذا على عكس ما يدعو إليه الشاعر في قوله: «لا تترك الحزم في أمر تحاذره: فإن سلمت فليس في الحزم من بأس» وما جر الشعوب نحو الهزام والتراجع، والتغافل إلا هذه الحالة المهادنة في مقابلة الأحداث بحزم وشجاعة، فهل الشعوبية، بهذا المعنى، تفويض بعدم المبالاة؟.
تحرص الدول المدنية في كل التجارب السياسية على تبني عدة سياسات من شأنها أن تقف حاجزا منيعا من توغل الشعوبية بين أفراد المجتمع، ومن ذلك إشاعة، العدل والاعتدال، وتضع، لتطبيق ذلك، التشريعات، والنظم، والقوانين، التي من شأنها أن تجعل أفراد المجتمع سواسية أمام القوانين، وسواسية في أداء الواجبات، وسواسية في أخذ الحقوق، وسواسية في التقاضي، وسواسية في كل التعاملات الرسمية، لا فرق بين غني وفقير، وبين خفير وغفير، حيث تترك جل التمايزات الاجتماعية بين أحضان المجتمع، يكيف أبناؤه شأنهم بأنفسهم دون أن يتداخل ذلك مع السياسة العامة للدولة، وذلك حرصا على سلامة المجتمعات من مختلف الترهلات القاضية إلى ضياع الحقوق، والواجبات عند أبناء المجتمع.
عندما ينظر إلى المدن، حتى تلك المدن الكبرى المعقدة ديموغرافيا، وهياكلها بأبنيتها الضخمة، فإنه يندر أن لا نجد شيئا من توغل الثقافات الشعبية، وهي الثقافات المعبرة عن أصل، جل الأفراد الذين يقطنون هذه المدن المخيفة، وفي ذلك إشارة مهمة إلى المنابع التي أتت منها هذه الأقوام المليونية التي تسكن الأبراج الشاهقة في هذه المدن، وليس في ذلك من مضنة مخيفة أو معيبة، ولكن المعيب عندما يتبنى هؤلاء الـ«مدينيون» أنفسهم أصواتا تعزز النظرة الدونية لما هم دونهم، وتعزز من الفهم الشعوبي في ذاكرة أجيالهم الثقافية، سواء في المستوى الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو الثقافي -نكرانًا للأصل- ويكون هناك شيء من الإقصاء لهذا الامتداد الإنساني الذي بدأ مسيرته الاجتماعية من القرية أو الريف، أو من هذا الإنسان الذي بدأ مرحلته الثقافية من الكتاتيب، الخيام، أو من هذا الإنسان الذي بدأ استخدام أدوات تنقله من الجمال والخيول والحمير، أو من هذا الإنسان الذي ارتدى ملابسه الرثة والمترهلة، وهكذا تستمرئ النظرة في حداثيتها كل شيء كان منبعه ذلك الأمر المتواضع، حيث البدايات الأولى للنشأة.
تتحرر الفكرة أكثر من بعدها الاجتماعي المتموضع على تقليديته، وتذهب إلى حيث الفكر السياسي الحديث، والفكر الاقتصادي الحديث، والفكر الثقافي الحديث، وبالتالي تفتح، انعكاسا لذلك، الكثير من تبني ممارسات تصطدم مع الواقع، وهي ممارسات عايشتها الشعوب السابقة بكثير من المعاناة، وبكثير من الأزمات، وقد عمد المحتلون، على وجه الخصوص، في تبني السياسات الشعبوية، من باب فرق تسد، وهذا ما جعل المجتمعات الإنسانية تنقسم إلى طوائف، وأحزاب، وقبائل، وأسر، وطبقات، فكان في ذلك كله مداخل للمحتل أن يتربع على عرش الأزمنة والأمكنة ليطول في عمره، ويمتص خيرات البلدان التي حل فيها غازيا، لا مدافعا عن حق.