تحقيق: تداعيات انفجار مرفأ بيروت تلقي بظلالها على مستقبل لبنان

بيروت-د ب أ: يبدأ وينتهي الفيلم الوثائقي الجديد للمخرجة اللبنانية كارول منصور، “بيروت السادسة وسبع دقائق”، بمشاهد دمار وزجاج متناثر في نواحي بيروت، حيث تعتبر مشاهدة الفيلم أشبه بانعكاس مروّع للحياة في لبنان في عام 2020. وتقول كارول منصور: “لم يكن هذا العام سوى كارثة… ولكنني أخشى أن يكون القادم أسوأ “. ويعكس اسم الفيلم التوقيت الذي شهد حدوث الانفجار الكارثي بمرفأ بيروت، في الرابع من أغسطس الماضي، والذي أسفر عن مقتل أكثر من 190 شخصا وتشريد المئات. ووقع الحادث نتيجة انفجار أطنان من مادة نترات الأمونيوم التي تم تخزينها بصورة غير آمنة في الميناء. ويتشارك مع ما تشعر به المخرجة اللبنانية، الكثير من اللبنانيين الذين فقد عدد كبير منهم الثقة في السلطة الحاكمة التي حكمت البلاد في ظل فساد مستشري منذ نهاية الحرب الأهلية التي استمرت لمدة 15 عاما في عام .1990 وتفتقر البلاد إلى الخدمات الأساسية الفعالة، التي تتضمن نقص الكهرباء والمياه. وقد أدى انتشار الفساد إلى حالة من الاستياء الشعبي والاحتجاجات الحاشدة في شوارع البلاد، وهو ما قوبل كثيرا بوحشية واعتقالات من جانب قوات الشرطة. من ناحية أخرى، قال المحلل المستقل سام هيلر لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، إن “لبنان يواجه هذا الخطر الذي يبدو وجوديا، لأن هناك ائتلافا من النخب السياسية والمالية، أفلس البلاد، ويرفض حتى الآن أن يعترف بهذه الخسائر الفادحة، وأن يقدم تنازلات صعبة قد تؤدي حقا إلى إنقاذ الدولة”. وأضاف أن “هذا هو السبب وراء انهيار لبنان داخليا”. وفي الوقت الحالي، تسببت إجراءات الإغلاق التي تتخذها الحكومة لمكافحة تفشي فيروس كورونا، في كبح جماح الاحتجاجات الغاضبة التي شوهدت في الشوارع بعد وقوع الانفجار مباشرة. إلا أن الغضب مستمر. وتعد الطبقة الحاكمة مسؤولة عن سوء الإدارة التي أدت إلى تراجع احتياطيات النقد الأجنبي، وانخفاض قيمة العملة المحلية، وتطبيق ضوابط غير رسمية على رأس المال في المصارف البنكية. وقد ارتفع معدل التضخم والبطالة، بينما فقدت الليرة اللبنانية 80 بالمئة من قيمتها. كما حدث ذلك في عام شهد عجز لبنان عن سداد مبلغ 30 مليار دولار من سندات اليورو في شهر مارس الماضي. من جانبها، ترى الأمم المتحدة في تقديراتها أن عدد سكان لبنان الذين يعيشون تحت خط الفقر، قد تضاعف إلى أكثر من 55 بالمئة. وفي الوقت نفسه، زاد عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع ثلاثة أضعاف في عام 2020، ليصل إلى 23 بالمئة. من جانبه، حذر الخبير الاقتصادي نيكولا شيخاني، من أن احتياطيات لبنان من النقد الأجنبي قد وصلت إلى “خط أحمر”، وهو وضع سيدفع البنك المركزي إلى رفع الدعم عن مواد أساسية مثل الخبز والوقود والأدوية. ومع ذلك، قال شيخاني إن الاحتياطي الحالي من الدولار في البنك المركزي، سوف يسمح بالدعم الكامل لمثل هذه المواد لمدة شهرين فقط. وأوضح أن رفع الدعم سوف يؤدي إلى زيادة الأسعار بصورة أكبر، وقد يؤدي إلى حدوث تضخم مفرط بالحجم الذي شهدته دول أخرى تضررت من الأزمات في أماكن أخرى في العالم. وفي ظل ذلك، فإن الانفجار قد دفع الكثيرين إلى التخلي عن آمال التغيير نحو الأفضل. ويرى الكثير من اللبنانيين أن الانفجار جاء نتيجة لأعوام من الفساد وسوء الإدارة. وفي أعقاب الانفجار، تدفق المتظاهرون إلى الشوارع، في تحدٍ لقرارات الإغلاق المفروضة لمكافحة تفشي فيروس كورونا، حيث طالبوا في نهاية الامر باستقالة حكومة رئيس الوزراء حسان دياب. وبالنسبة للمحتجين، فإن هذا ليس كافيا، حيث أنهم يريدون محاكمة من يقفون وراء تخزين نترات الأمونيوم في الميناء. ومن جانبه، قال مكرم رباح، وهو محلل سياسي ومحاضر في التاريخ بالجامعة الأمريكية في بيروت، لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ): “لقد كان هذا العام هو الأسوأ في تاريخ لبنان، لمجرد أن النظام بأكمله قد انهار”. وأوضح: “لقد وصلنا إلى هذه الحالة لأننا سمحنا لسياسيينا بسلب النظام وسوء استغلاله”. ويرى رباح أنه يجب على اللبنانيين أن يواصلوا الضغط حتى تترك الطبقة السياسية بأكملها – التي حكمت البلاد خلال العقود الثلاثة الماضية – السلطة. وقال إن النظام السياسي اللبناني، الذي يوزع السلطات بين الطوائف الدينية في البلاد، ترك البلاد منقسمة وغارقة في الفساد. كما سمح للقوى الأجنبية مثل إيران، التي تدعم حزب الله، بالتأثير في صنع القرار في لبنان.