عُـمـان فـي طـريـق المستـقـبــل

عـاصــم الـشــيـــدي –

لا تعرف الأمم الحقيقية والشعوب الحية معنى الاستسلام، ولا تقف عاجزة أمام التحديات المرحلية أو تلك التي يفرضها واقع سياسي أو اقتصادي، ولكنها تبحث عن منافذ أمل وضوء في طريقها نحو المستقبل والحياة. وعُمان أمة حقيقية جذورها ضاربة في عمق التاريخ وهذا جزء من قوتها ومصدر قوة مجتمعها العريق الذي استطاع أن يقهر كل التحديات على مر العصور وأن ينقش حضوره وتاريخه وتاريخ بلده على الصخر الصلد ليصبح شاهدًا على رسوخ شعب تُطاول أمجاده السماء.
وإذا كانت عُمان تواجه اليوم تحديات اقتصادية فرضتها المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة والعالم وكذلك فرضتها جائحة كورونا وما أحدثته من انهيار في أسعار النفط، إضافة إلى تراكمات لتحديات سابقة وربما أخطاء فإن هذا لا يجب أن يكون مانعًا نحو استمرار هذا البلد وهذه الأمة من المسير في طريق المستقبل لأنه خيارها الوحيد لتحافظ على خطها التاريخي ولتواكب طموحات إنسانها، فمثل عُمان لا تنطفئ رغبتها ورغبة شعبها في المسير نحو المعالي، فلا شيء يمنعها من المسير بشكل آمن وواثق في اتجاه المستقبل الذي تحلم به جموع الشباب الصاعدة خاصة أن إنسانها قادر، بالواقع وبالتجربة وبالتاريخ، على أن يخط طريقه ويرسخ وجوده في عالم الغد مثله مثل كل الشعوب العالمية الحية.

ولأن عُمان أمة لا تتلاشى ولا تستكين للتحديات فإنها تبدأ اليوم رحلة جديدة في اتجاه المستقبل عندما تبدأ على أرض الواقع التنفيذي «رؤية عمان 2040» التي هندسها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه -، ونستعير هنا وصف جلالته الدقيق للرؤية بالقول إنها «بوابة السلطنة لعبور التحديات، ومواكبة المتغيرات الإقليمية والعالمية واستثمار الفرص المتاحة وتوليد الجديد منها من أجل تعزيز التنافسية الاقتصادية والرفاه الاجتماعي وتحفيز النمو والثقة في العلاقات الاقتصادية والتنموية في كافة محافظات السلطنة»، والرؤية بهذا المعنى تحمل الكثير من الخير لهذا البلد وإنسانه.
وإذا كانت رؤية 2040 رؤية إصلاحية وطموحة فلا يخفى على أحد أن كل الحركات الإصلاحية على مر التاريخ واجهت تحديات، واحتاجت إلى تضحيات، وتضحيات جسيمة أحيانًا حتى يترسّخ حضورها وحتى يبدأ عطاؤها ويشعر الناس بمردودها الحقيقي الذي يحتاج إلى وقت وإلى صبر.
وخلال عام كامل منذ وصول السلطان هيثم بن طارق إلى عرش عُمان نستطيع رصد تفاصيل مشروع إصلاحي حقيقي يقوم على العدالة الاجتماعية والمحاسبة التي تتحقق مع اكتمال منظومة التشريعات والقوانين.
وفي سياق الحديث عن فكرة المحاسبة التي يتحدث الناس عنها فإن جلالة السلطان أكد عليها في خطابيه واعتبرها من ملامح المرحلة القادمة.
يقول جلالته في خطابه يوم 18 نوفمبر الماضي: «كما أن العمل مستمرٌ في مراجعة الجوانب التشريعية والرقابية وتطوير أدوات المساءلة والمحاسبة، لتكون ركيزة أساسية من ركائز عُمان المستقبل، مؤكدين على أهميتها الحاسمة في صون حقوق الوطن والمواطنين ودورها في ترسيخ العدالة والنـزاهة وستحْظى هذه المنظومة برعايتنا الخاصة بإذن الله تعالى».
ومع أن مثل هذا الحديث صحي إن كان يقوم على المنطق ويستند للقانون خاصة في مرحلة تتطلب الشفافية وتتطلب المصارحة، إلا أن المنطق أيضًا يقول إن كل هذا لا يمكن أن يتحقق بين ليلة وضحاها خاصة أن العام الماضي شهد تحديات كبرى تمثلت في جائحة كورونا التي أبطأت الحركة في الكثير من المشروعات، رغم أن المشروع الإصلاحي بقي مستمرًا وأعيدت هيكلة مؤسسات الدولة لتتناسب مع متطلبات المرحلة القادمة، وأعيد تشكيل مجلس الوزراء ودخلت له طاقات شابة ومتخصصة في إشارة واضحة إلى أن المرحلة القادمة تحتاج إلى الكفاءات أكثر من حاجتها إلى أي شيء آخر، وهي مرحلة خطيرة وحساسة وتحتاج إلى تركيز من الجميع وإلى تعاون كبير تتجلى فيه قوة المجتمع ومتانة الأمة العمانية.
إن تجربة التعامل مع جائحة كورونا بوصفها أخطر أزمة مرت على البشرية منذ قرن من الزمان كشفت قوة وحكمة القيادة العمانية التي أدارت الأزمة بكفاءة كبيرة، ولله الحمد والمنة، وهذا مبشر بالخير أن القيادة قادرة على التعامل مع المرحلة الصعبة التي يمر بها الاقتصاد العماني للخروج من عنق الزجاجة خلال سنوات خطة التوازن المالي التي بدأت عمليًا لنصل إلى العام الذي نحقق فيه التوازن المالي ويتراجع فيه العجز والدين العام «فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ».
وفي هذا العدد الخاص من «جريدة عمان» نفتح ملف رؤية «عمان 2040» من كل الزوايا المختلفة وخاصة الزوايا الاقتصادية التي هي الركيزة الأساسية للزوايا والمرتكزات الأخرى، في محاولة لسبر التفاصيل والوقوف مع الرؤى الشعبية التي أسهمت في صياغة الرؤية عبر السنوات الماضية.
ومن بين أهم ما يمكن الوقوف أمامه في هذا الملف هو رأي الشباب في الرؤية التي وجدوا فيها الكثير من طموحاتهم نحو المستقبل ورأوا أنها تمثلهم خير تمثيل، ورأي الشباب في هذه الرؤية مهم جدًا لأنهم هم أدواتها وهم غايتها، وينظرون لها باعتبارها مستقبلهم.
وإذا كان هذا الملف يأخذ أكثر صفحات الجريدة في عددها اليوم فإن هذا ليس كل شيء وإنما هذا بداية المشوار وإلا فإن الرؤية تحتاج إلى وقفات ووقفات، تستقرئ التفاصيل وتطرح الرؤى وتناقش التحديات وتراقب التنفيذ، وعُمان كلها يدا بيد نحو المستقبل رغم التحديات التي لن تقهر شعبًا يحب المجد والتقدم.