تطوير الأنظمة ورفع مستوى الرعاية الصحية والاهتمام بالابتكارات والبحوث

توجه استراتيجي لتحقيق نظام صحي رائد بمعايير عالمية ضمن رؤية 2040 –

كتبت – مُزنة بنت خميس الفهدية –

تأتي رؤية عمان 2040 كخارطة طريق للسلطنة نحو تحقيق مزيد من التقدم والازدهار، ومن خلال المسيرة التي مرت بها في إعداد هذه الرؤية بمشاركة مجتمعية تلبي طموحاته وآماله فقد تم اعتماد اثنتي عشرة أولوية للعمل بها خلال السنوات القادمة، ومن بين تلك الأولويات أولوية الصحة، ويأتي ذلك تجسيدًا للاهتمام البالغ الذي توليه الحكومة بهذا القطاع تحت القيادة الحكيمة والمتجددة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله -، وقد تبنت الرؤية لهذا القطاع توجها استراتيجيا تمثل في «نظام صحي رائد بمعايير عالمية»، ومن أجل تحقيق هذا التوجه الاستراتيجي، تم تحديد خمسة أهداف استراتيجية لأولوية الصحة، وأول هذه الأهداف هو «مجتمع يتمتع بصحة مستدامة تترسخ فيه ثقافة (الصحة مسؤولية الجميع) ومصان من الأخطار ومهددات الصحة»،

وأما الهدف الاستراتيجي الثاني فهو «أنظمة وخدمات طبية تقنية ورعاية صحية وقائية وعلاجية ذات جودة عالية بجميع مستوياتها» والهدف الثالث «كوادر وقدرات وطنيـَّة مؤهلة ورائدة في البحث العلمي والابتكار الصحي»،
أما بالنسبة للهدف الرابع فهو «نظام صحي يتسم باللامركزية والجودة والشفافيــة والعدالة والمساءلة»، وأخير فإن الهدف الخامس هو «مصادر تمويل متنوعة ومستدامة للنظام الصحي».

تحقيق الأهداف

وأوضحت وزارة الصحة أن الفاحص لهذه الأهداف يجد أنها لامست أبعادًا ومكونات أساسية للنظام الصحي فركزت على القوى العاملة الصحية ومصادر التمويل وتجويد الخدمات في إطار اللامركزية والشفافية والمساءلة، ويعتبر تحقيق هذه الأهداف مسؤولية جميع الشركاء ويأتي بتكاتف جميع مقدمي الخدمات الطبية سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، وهو الأمر الذي يعزز التكامل والتشارك والتعاون بين مختلف القطاعات، ولأن الأهداف الاستراتيجية لأولوية الصحة في رؤية عمان 2040 تتزامن مع تحديات جديدة وأخرى مستمرة ليس فقط على مستوى السلطنة، وإنما أيضا على مستوى بقية دول العالم، فإن لهذه التحديات صدى واسع على قطاع الرعاية الصحية في ضوء أهداف رؤية عمان 2040، وهذه تفاصيل بعض هذه التطورات بشكل إجمالي.

تأثيرات في مختلف المجالات

تابع الجميع التأثيرات الصحية والنفسية والمالية والاجتماعية وغيرها من التبعات التي نشأت عن جائحة «كوفيد-19» على مختلف جوانب الحياة، كما أدرك الجميع سواء في السلطنة أو في باقي الدول أن التعامل مع هذه المهددات الصحية لا يمكن أن يكون مسؤولية وزارة الصحة فقط ولا أن يكون على عاتق الجهات الحكومية وحسب، بل إن التجربة التي مرت بها السلطنة والنجاحات التي تحققت في احتواء الجائحة لم يكن ليحصل لولا تكاتف الجميع بدءًا من الفرد والمجتمع ومرورا بالقطاع الخاص وصولًا إلى المشاركة من جميع الجهات المدنية والعسكرية، وهذا اليقين بأن الجميع لديه مسؤولية مشتركة في تحسين المستوى الصحي في المجتمع يتوافق تماما مع الهدف الاستراتيجي الأول في أولوية الصحة في رؤية عمان 2040، وهو الأمر الذي يستوجب تعزيزه والاستمرار فيه ليس فقط عند التعامل مع الجوائح والمهددات الوبائية ولكن أيضا عند مجابهة الأمراض غير المعدية مثل أمراض السكري والسمنة وارتفاع ضغط الدم وغيرها من الأمراض المرتبطة بنمط الحياة العصرية، فكما أن احتواء الأمراض المعدية يستوجب تكاتف الجهود؛ فإن تكاتف الفرد والمجتمع في التعامل مع عوامل الخطر والمسببات للأمراض غير المعدية هو أمر أوجب وأولي، حيث إن عبء هذه الأمراض على الحكومات بشكل عام وعلى وزارات الصحة بشكل خاص ليس بالأمر الهين، وهو أمر يرهق كاهل الحكومات بشكل كبير، وبالتالي فإن المرحلة القادمة وتماشيا مع الأهداف الاستراتيجية تستلزم أن يتحمل كل شخص ومؤسسة مسؤوليته لرفع المستوى الصحي للمجتمع ليكون مصانا من الأخطار ومهددات الصحة.

المنظور التخطيطي

وقد وضعت الوزارة التحديات ضمن المنظور التخطيطي، ولذلك فقد حددت مجموعة من النتائج الرامية لتحقيق الهدف الأول التي تسعى لتحقيقها خلال الخطة الخمسية العاشرة بالتعاون مع الشركاء وأصحاب العلاقة، ومن تلك النتائج خفض معدلات المراضة والوفيات الناجمة عن الأمراض المعدية وغير المعدية وذلك من خلال رفع التغطية بخدمات الكشف المبكر للوقاية من الأمراض وزيادة كفاء نظام الترصد الوبائي للكشف المبكر عن الأمراض والوبائيات والجائحات وتعزيز منظومة إدارة الطوارئ والأزمات التي تلم بالقطاع الصحي، وكذلك من خلال تعزيز السلوك الغذائي السليم وأنماط الحياة الصحية، وكل ذلك يتم بالتعاون مع كافة القطاعات ذات العلاقة من أجل جعل هدف الصحة في جميع السياسات.
رعاية صحية متكاملة

وبالرغم من كل التحديات التي تواجه قطاع الصحة في السلطنة ؛ إلا أنها ماضية قدمًا في تقديم رعاية صحية متكاملة وذات جودة عالية في جميع التخصصات، وفي مختلف المستويات من خلال الخدمات الصحية المقدمة على المستوى الثانوي أو الثالث، وهو ما أكد عليه الهدف الاستراتيجي الثاني لقطاع الصحة، وفي هذا الخصوص ومن أجل مواكبة الزيادة المطردة للمرضى كمًا ونوعًا مع ارتفاع سقف التوقعات والطموحات فإن القطاع الصحي بحاجة في المرحلة القادمة إلى رفع التغطية لخدمات الحد من مضاعفات الأمراض والإصابات، وتعزيز جودة الرعاية وسلامة مقدمي الخدمة والمرضى وتحسين تجربتهم في استخدام الخدمات الصحية، كما يتطلب أيضا رفع جودة وسلامة الأدوية المتداولة بالسلطنة وفق المعايير الدولية ورفع نسبة التصنيع المحلي للدواء وكذلك تطوير وإنشاء أنظمة صحية إلكترونية وتطوير قاعدة بيانات إلكترونية.

الكوادر البشرية

مما لا شك فيه أن العمود الفقري لأي خدمة صحية هم الكوادر البشرية، ولا يخفى أهمية تمكين هذه الكوادر علميًا وفنيًا وبحثيًا وتسخير الإمكانيات لهم من أجل تشجيع الابتكارات والبحوث الصحية، وقد تم تبني هذا التوجه في رؤية عمان 2040 من خلال الهدف الثالث للقطاع الصحي، وفي هذا السياق فإن وزارة الصحة ساعية بجهد في الخطة الخمسية العاشرة للتنمية الصحية لزيادة أعداد الكوادر البشرية الصحية كمًا ونوعًا بما يتناسب مع مستوى تقدم الرعاية الصحية وذلك عن طريق توفير فرص التدريب والتأهيل وتنمية قدراتهم الفنية والمهنية والإدارية، من خلال تعزيز سياسة جذب الكفاءات واستبقائها، كما أن الوزارة عازمة على تذليل الصعوبات وتوفير الإمكانيات لزيادة نسبة البحوث المنفذة التي تتوافق مع الأولويات الوطنية، وحيث إن سياسة التعمين هي سياسة وطنية، فإن تعزيز هذه السياسة في الفترة القادمة يصبح أمرًا ملحًا وحيويًا من أجل ضمان استمرارية تقديم الخدمة وفتح الباب أمام العمانيين لفرص التوظيف.

تأسيس نظام صحي

وقد أكد الهدف الاستراتيجي الرابع على أهمية تأسيس نظام صحي يتسم باللامركزية في تقديم الخدمات وبما يضمن الجودة والشفافية والعدالة والمساءلة، وحتى يتحقق هذا الهدف فلا بد في المرحلة القادمة من تحديث وتقوية المنظومة التشريعية والقوانين والسياسات والاستراتيجيات التي تنظم عمل القطاع الصحي في السلطنة خصوصا عند النظر إلى التوسع الكبير في تقديم الخدمات الصحية الحكومية والخاصة، وهو الأمر الذي يتطلب أيضا تأسيس نظام وطني لاعتماد المؤسسات الصحية للتأكد من اتباعها للمعايير والسياسات الخاصة بالسلطنة، كذلك فإن تطوير نظام المعلومات الإحصائية ونظام رصد ومتابعة وتقييم الاستراتيجيات والخطط الصحية تعتبر توجهات أساسية ومحورية من أجل تحقيق هذا الهدف المهم والضروري من أجل تطوير نظام شفاف وعادل للمحاسبة والمساءلة.

مصادر تمويل

كل هذه الأهداف الاستراتيجية الأربعة وما يصاحبها من تطورات مستقبلية بحاجة إلى مصادر تمويل تكون متنوعة وفي الوقت نفسه مستدامة من أجل ضمان استمرارية ومتانة النظام الصحي وضمان قابليته للتأقلم والتكيف مع التحديات المختلفة، وهذا ما تم تأكيده من خلال الهدف الاستراتيجي الخامس، فبدون وجود هذه المصادر سيضعف إمكانية تطوير الخدمات ومواكبة التطورات والمستجدات في الحقل الطبي، ومن أجل تنويع مصادر التمويل فإن من أولى الخطوات تأسيس نظام قوي وفعّال للحسابات الوطنية لاحتساب عبء المراضة وفعالية التدخلات الطبية، كذلك فإن تطبيق موازنة البرامج والأداء يعتبر توجها حكوميا سيساعد على كفاءة توزيع الموارد المالية والبشرية، كما سيساهم في تحديد وإعادة ترتيب الأولويات بحسب الإمكانيات المتاحة، كما أنه من المهم فتح الباب وتشجيع المبادرات الرامية للاستثمار في الصحة من أجل تقليل الاعتماد على الموازنة العامة للدولة.