«عمان 2040» ركيزة مهمة لصناعة المستقبل

خبراء يؤكدون ضرورة تفاعل الجميع مع الأهداف بمرونة عالية والاستجابة للمتغيرات –

استطلاع ـ شمسة الريامية –

أكد خبراء اقتصاديون أن رؤية عمان 2040 ركيزة مهمة للعمل الوطني من أجل صناعة مستقبل أفضل يتشكل وفق ومبادرات وأهداف محددة وواضحة، مشيرين إلى أن الرؤية تقوم على الإصلاح الاقتصادي الطموح والمبني على تنويع الاقتصاد الوطني والنهوض باقتصاد المعرفة وتفعيل الحوكمة والأداء المؤسسي.
وقالوا في استطلاع لـ«عمان»: إن الاستفادة من الجاهزية والاستثمارات وتوافر الموارد الطبيعية والإنسان المؤهل تستوجب تغيرات وتحولات نوعية ومسارات غير تقليدية وهذا ما سيتحقق من خلال رؤية عمان 2040.
ويرى الخبراء أهمية تعزيز التواصل المجتمعي على مختلف المستويات وبوتيرة متواصلة ومؤثرة وإيضاح الأدوار والمتغيرات من منطلق أن الرؤية تبلورت بإشراك الجميع، كما أن نجاحها سيتحقق أيضا بجهود الجميع.

قال صاحب السمو السيد الدكتور أدهم بن تركي آل سعيد أستاذ مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة السلطان قابوس: إن رؤية عمان ٢٠٤٠ تمثل طموحًا لمستقبل تنتقل فيه السلطنة لمصاف الدول المتقدمة من خلال تحقيق أولويات وطنية وركائز تعنى بالإنسان والاقتصاد والبيئة والحوكمة، وأهداف طويلة الأمد تُعد مقياسا لأداء الرؤية وتقييم التقدم المستقبلي.
وأضاف: إن الرؤية تشكلت خلال مراحل مختلفة من التطوير والتشاور والتشارك المجتمعي، ولذلك تمثل ركيزةً مهمةً للعمل الوطني نحو الهدف المنشود. ولذلك فإن مسؤولية التقدم بعمان في مسار الرؤية مسؤولية مجتمعية ضمن منظومة ممكنة من المؤسسات والتشريعات والحوكمة الرصينة. ولله الحمد بتوجيهات من المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة بدأت هذه المنظومة بالتشكل حسبما جاء في الرؤية، مما يعني أن اللبنات الأولى للمسار اصطفت.
وأوضح الدكتور أدهم آل سعيد أن الرؤية ليست خطة في حد ذاتها وأرقام يتم مقارنتها بين الحين والآخر، ومتابعة لتنفيذ مشاريع أو برامج، وإنما هي مسار نحو الهدف الأشمل للتقدم بعمان في مختلف المجالات لذلك لابد على المؤسسات والأفراد التعاطي مع مساراتها في مختلف المجالات كل حسب اختصاصه وقدراته في مساقات واضحة بما يتواءم مع الأهداف قصيرة الأمد بتلك طويلة الأمد، والعمل التدريجي بوتيرة متزنة ومرنة، مع الأخذ في الاعتبار التحديات الحالية والممكنات الضرورية للتحول المطلوب نحو مسارات الرؤية الاستراتيجية.
وأشار إلى أهمية الخطط الخمسية للانتقال بفكر التنمية من حزم من المشاريع والكُلف المالية إلى برامج مؤسسية وتشريعية للوصول لتمكين المطلوب، مؤكدًا على أهمية الأدوار التفاعلية بين المؤسسات الحكومية والمدنية والخاصة بمختلف اختصاصاتها في تفعيل المجالات الحيوية في الرؤية. كما يجب التعاطي مع المنظومة التفاعلية بمرونة عالية، حيث تستجيب للمتغيرات الآنية والتطورات المستقبلية باستباق وليس كردات فعل.
وأكد السيد أدهم على أهمية تعزيز التواصل المجتمعي على مختلف المستويات وبوتيرة متواصلة ومؤثرة مع الأخذ في الاعتبار المديين القصير والبعيد لمسارات الرؤية وإيضاح الأدوار والمتغيرات، وتفادي خلط الرسائل المرسلة للمجتمع بين أهداف تحتاج لتدرج للوصول إليها وتحديات آنية تتعامل معها المؤسسات والأفراد. ولذلك لابد من توحيد الرسائل المرسلة للمجتمع من خلال جهة واحدة تعطي المجتمع صورة واضحة ليس فقط للمخرجات وإنما للتطورات المؤثرة على المسارات المستقبلية.
وقال أيضًا: الرؤية هي إطار عام وشامل لكل ما تقوم به المؤسسات العامة والخاصة والمدنية.. لذا لا يمكن فصل الخطط والاستراتيجيات الجزئية لهذه المؤسسات من المنظور الكلي للرؤية، وبالتالي العمل المؤسسي والمجتمعي المشترك سيكون من أهم الممكنات لتحقيق التقدم الملموس نحو رؤية عمان ٢٠٤٠.

التنويع الاقتصادي

وأوضح الدكتور داود بن سليمان المحرزي، خبير في الاقتصاد السياسي والتشريعات الاقتصادية: إن اقتصاد السلطنة يعتمد في غالبيته على الأنشطة النفطية، ولذلك ارتكزت رؤية عُمان 2040 على الإصلاح الاقتصادي الطموح والمبني على تنويع اقتصاد السلطنة بعيدًا عن عائدات النفط. ذ اشتملت الرؤية على محاور أهمها الإنسان والمجتمع، والاقتصاد والتنمية، والحوكمة والأداء المؤسسي، إضافة إلى إتاحة المجال للقطاع الخاص للمشاركة في عملية التنمية والنمو الاقتصادي. موضحًا أن لكل محور من هذه المحاور مؤشري الأداء والمقياس لتحقيق أهداف عديدة مثل زيادة مساهمة القطاعات غير النفطية لتشكل 90% وهي الركيزة التي اعتمدت عليها رؤية 2040 مع تخفيض مساهمة القطاع النفطي بنسبة 8.4%.
وأكد المحرزي أن التنويع الاقتصادي يُعد من ضمن الحلول التي يجب العمل بها بشكل أسرع من خلال تحسين بيئة الأعمال، واستغلال الأمثل للموقع الجغرافي والسياسي، والموارد الطبيعية التي تزخر بها السلطنة، مما يساهم في تنويع القاعدة الإنتاجية للسلطنة.
وقال: إن من الضروري إيجاد كفاءات بشرية مؤهلة لتنفيذ أهداف وأولويات 2040، وإجراء التقييم والمراجعة الدورية للرؤية ومراقبة الأداء للوصول إلى الأهداف المرجوة منها. موضحًا أن التنويع الاقتصادي يعزز القدرة على توفير فرص العمل، والحد من تأثيرات التقلبات في أسعار النفط، ولذلك من المتوقع حسب أهداف رؤية 2040 أن تصل حصة القوى العاملة العُمانية من إجمالي الوظائف في القطاع الخاص 40%، إضافة إلى ذلك فإن مؤشر الحوكمة والأهداف المقترنة به سيضع السلطنة من ضمن أفضل 10 دول.
وأشار المحرزي إلى أن مؤشر التطوير الاقتصادي يساهم في رفع تصنيف السلطنة لتكون من ضمن أفضل 10 دول وفق مؤشر الأداء المحدد لرؤية 2040، كما من المتوقع ارتفاع مؤشر الابتكار لتكون ضمن أفضل 20 دولة في مؤشر الابتكار العالمي مع ارتفاع الاستثمارات الأجنبية إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي ، وانخفاض في نسبة عجز الحساب الجاري إلى الناتج المحلي الإجمالي وفق المؤشر ليصل إلى 1.5-%. مضيفًا: إن الرؤية ركزت على تخفيض الإنفاق العام إلى الناتج المحلي الإجمالي ليصل إلى 25% من 45.1% وبارتفاع في الإيرادات النفطية إلى الناتج المحلي الإجمالي ليصل 18% من 9.5%.
وقال: إن مؤشر سهولة ممارسة أنشطة الأعمال وفق الرؤية سيصل إلى 81.55% لتصبح السلطنة من أفضل 10 دول في هذا المؤشر، أما مؤشر الأداء في نسبة الاستثمار الخاص إلى الناتج المحلي الإجمالي من المتوقع أن يصل إلى 22% في عام 2040. في حين سيرتفع متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ليصل 90% ، وبمعدل نمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي من 3.6% ليصل 5%، إضافة إلى أن الرؤية 2040 ركزت على خفض عجز الموازنة بنسبة لا تتجاوز 3% من الناتج المحلي الإجمالي.

بوصلة طريق

وأوضح الدكتور يوسف بن حمد البلوشي، عضو فريق إعداد رؤية عمان 2040 أن انطلاقة رؤية عمان 2040 في ظروف استثنائية تستوجب تحقيق نقلات نوعية في مختلف مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية لتتقدم عمان بثقة للوصول إلى مصاف الدول المتقدمة. مشيرًا إلى أن إعداد وصياغة الرؤية تم بإتقان تام ومشاركة مجتمعية واسعة، وهذا لا يمثل إلا خطوة البداية في مسار طويل.
وقال: إن الرؤية تأتي في قمة هرم التخطيط التنموي، وهي تُعنى بالنتائج والأهداف والغايات الوطنية العامة التي ترغب السلطنة في تحقيقها. وكما هو معروف أن نهضة الأمم لم تعد تخضع للتطور التلقائي حسب الظروف، بل أصبحت تعتمد على رؤية واضحة وعلى التخطيط السليم لحشد الطاقات الوطنية وتوجيهها نحو الهدف المطلوب. لذلك فإن إطلاق الرؤية عمان 2040 باتت محطة مهمة لإحداث تغيرات ملموسة في المسارات التنموية للسلطنة، فهي تغطي فترات زمنية طويلة نسبيا تستحث التغيرات في النموذج التنموي القائم بما يتناسب مع طبيعة المرحلة القادمة وجاهزية الإطار التشريعي والبنية الأساسية وتوافر الموارد والمقومات، وبما يتماشى مع تطلعات أفراد المجتمع والمستجدات المحلية والإقليمية والعالمية.
وأضاف: إن الرؤية هي الصورة الذهنية التي نود أن نرى بها السلطنة في المستقبل، وهي تمثل بذلك بوصلة ودليل استرشاد وخريطة طريق لذلك المستقبل، حيث تتحدد الأدوار التي يتعين القيام بها من مختلف الفاعلين بالعملية التنموية لضمان الاستفادة من وصفة العبور التي توفرها الرؤية للانتقال من نموذج تنموي إلى آخر، من خلال المبادئ والقواعد التي تضعها للوصول للوجهة التي تريد.
وأشار البلوشي إلى أن خلق فرص عمل للأعداد المتزايدة من أبناء هذا الوطن، وتعظيم الاستفادة من الجاهزية والاستثمارات الضخمة في الحقبة المنصرمة وتوافر الموارد الطبيعية والمكانة الرفيعة بين الأمم والاستعداد لحقبة ما بعد النفط والثورات الصناعية المتعاقبة تستوجب تغيرات وتحولات ونقلات نوعية ومسارات غير تقليدية وهي عنوان الرؤية 2040.
وقال: إن كانت رؤية 2020 اختصت ببناء الإنسان العماني وتزويده بالعلم والمهارات ومقومات الدولة العصرية من مؤسسات وبنية أساسية تغطي مختلف الجوانب، فإن رؤية 2040 هي رؤية الإنتاج والتنافسية والإدارة المثلى لجني الثمار وتعظيم الاستفادة من المنجزات والموارد البشرية والطبيعية وتأمين الانتقال إلى طور أكثر استدامة للتنمية. ولقد أثبتت التجارب أن أفضل وسيلة للتعامل مع المستقبل وتغيراته المتسارعة على مختلف الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والتقنية هو صناعة المستقبل.
وأكد البلوشي أن صناعة المستقبل لن تتأتى لنا في عمان أو لغيرنا إلا بغرس قيم الإنتاج والادخار والاستثمار وريادة الأعمال، والنظر إلى التغيرات من حولنا في مختلف الجوانب الاقتصادية والجيوسياسية بمنظار أكثر عمقًا وذلك إيمانًا بأن صناعة المستقبل من خلال فهم تلك التغيرات وحسن استغلال فرصها.
وأوضح أن السلطنة تمتلك جميع العناصر اللازمة لتحقيق رؤية عمان 2040 بالرغم من التحديات التي قد تواجهها والعالم، فعمان ومنذ فجر التاريخ حضارة مشهودة، لها تاريخ عميق، ترسخ بإنجازات أجيالها في كافة مراحل التنمية. وأهم عناصر النجاح التي تستند عليها هو التسلح بالإيمان والرغبة بالنهوض للحفاظ على نعمة الرفاه والاستقرار الذي تنعم به. أما عناصر وصفة النجاح التي تنادي بها رؤية 2040 فهي تتمثل بالموارد البشرية والمؤسسات الراسخة، وما تزخر به السلطنة من موارد طبيعية وبنية أساسية ومكانة مرموقة بين الأمم تمكنها من الدخول في شراكات استراتيجية تجذب من خلالها رؤوس الأموال والتكنولوجيا والأسواق والعناصر التي تحتاجها لتحقيق الرؤية. فعلى صعيد الموارد البشرية تعد عمان دولة فتية معظم سكانها من الشباب المتسم بقدر مناسب من المعرفة يستطيع الوصول بعمان لمصاف الدول المتقدمة اقتصاديًا واجتماعيًا ومعرفيًا في إطار الممكن متى كان هذا الشباب مبدعًا بفكره ومعتزًا بهويته وملتزمًا بمواطنته وقيمه ويمتلك مهارات المستقبل.