أين يتداخل وعينا مع وعي الأخطبوط؟

آيمي نازيكماتاتيل –
ترجمة: أحمد شافعي –

من أوائل ذكرياتي (وأحبها إليَّ) ذكرى من حصة العلوم بالمدرسة الابتدائية، حينما كلفت مجموعة منا نحن تلاميذ الصف الرابع بجلب مياه من البركة لفحصها تحت المجهر. اغترفنا فناجين من حقل مواجه للمدرسة ورجعنا بها إلى طاولاتنا الصغيرة حيث استعملنا قَطَّارة لتحويل مياه البركة إلى شرائح مجهرية. لم أزل أتذكر تأوهات الدهشة والذهول من زملائي حينما أخذت رؤية شرائحنا تصفو أخيرا وتتضح: وما بدا في البداية مجرد قطرات غائمة كان في واقع الأمر يغص بمئات الحيوانات الدقيقة.

بعد أن توقف الرذاذ والقهقهات، أرتنا هذه الكائنات كيف أننا جميعا جزء من نظام بيئي واحد، مهما يكن حجمنا. وبمثل تلك الروح المندهشة قرأت في نهم صفحات أحدث كتاب للبروفيسير والغواص بيتر جودفري سميث وعنوانه «الكائنات عديدة الخلايا: الحياة الحيوانية وميلاد العقل».
تصنَّف الحيوانات إما ككائنات وحيدة الخلية protozoan (كالأميبا) أو كائنات عديدة الخلايا metazoans. وبلغتنا البسيطة، يعد البشر تقنيا من الكائنات عديدة الخلايا لأن أجسامهم تتكون من خلايا عديدة تتشكل في العديد من الأنسجة والأعضاء، لكن أغلب العلماء يصفون بـ«عديد الخلايا» الحيوانات التي ليست بشرا كالأسماك والطيور والبرمائيات والزواحف وغيرها من الثدييات.
ما يجعل هذا الكتاب يتألق ويتلألأ هو استكشاف جودفري سميث للحياة البحرية (اعتمادا على معرفته الهائلة من خلال الغوص والتجربة الميدانية) لإلقاء الضوء على الطرق التي يعمل بها العقل الحيواني والأفكار والتجارب التي تعطيه شكله.
يحاول جودفري سميث ـ وهو أيضا مؤلف كتاب «عقول أخرى» ـ أن يجيب عن بعض الأسئلة شديدة الفتنة عما يربطنا بالحيوانات. وهو يفعل ذلك عبر نثر مشرق مشهدي يسعى ـ على حد تعبيره ـ «إلى التعامل مع ألغاز العقل والجسم من خلال استكشاف طبيعة الحياة، وتاريخ الحيوانات، والطرق المختلفة لوجود الحيوان من حولنا».
يمتلئ الكتاب بنوادر وبحوث مذهلة وتتناثر فيه رسوم إيضاحية فاتنة ومفيدة لفترات زمنية مختلفة مثل العصر الأردوفسي Ordovician (الذي شهد وصول النباتات إلى سطح الأرض) فيتسنى لنا أن نتخيل للحظة كيف كان شكل عينة السكان في تلك الحقبة. نكتشف هنالك الأورثوسيراس ـ ذات الأرجل الرأسية والقشور المستقيمة، وسمكة مدرعة، وزنبقة بحرية. والكتاب كله عبارة عن مزيج رائع لا يمنح القراء للحظة واحدة الإحساس بأن ثمة من يعلمهم، بل هو الإحساس بأنهم في حضرة صديق حكيم دائم الصبر في جولة عبر الزمن يجوبون فيها تجارب الحيوانات الإدراكية.
وانظروا على سبيل المثال إلى تمهل الكاتب أمام عثوره على جمبري مدرع خلال إحدى غطساته. ها هو جودفري سميث يصف ذلك: «ثمانية عشر طرفا ونتوءا … جسم مثل المطواة السويسرية».
برغم فقدانه مخلبا ووجوده محاطا بحيوانات أضخم مثل الرخويات وأسماك القرش ـ «في أرض الكائنات عديمة الأطراف، يصبح الجمبري ذو الذراع الواحدة هو الملك المتوج». ومع ذلك، عند مقارنته مع الأخطبوط «القادر على الإمساك بأي شيء تقريبا ومخادعته، بل القادر على مضاعفة طول أذرعه أو فلطحة نفسه كأنه فطيرة» تتجلى محدودية قدرات الكائن المفصلي.
وهناك أيضا المعرفة (الجديدة عليّ) بأن الدلافين التي نعرفها حاليا كانت في يوم من الأيام كائنات ثديية برية ثم رجعت إلى البحر، فهي قريبة قرابة بعيدة للغاية بأفراس النهر. ويصعب ألا تستمتع بقدرة السمك القوسي المذهلة على التعلم فهو يكتسب من خلال مجرد مشاهدة الأسماك القوسية الأخرى ـ القدرة على صيد الحشرات الطائرة عن طريق رشها بالماء إلى أن تثقل الفرائس وتسقط في الماء في وقت العشاء.
لدى جودفري سميث طريقة دقيقة وأنيقة لإثارة فضولنا بإشراكنا في أسئلته عن الإدراك الحيواني ومقدرة بعض الحيوانات ـ كالجرذان والحبّار ـ على «التداعي والانجراف والحلم». لكن لعل أكثر ما في هذا الكتاب إثارة هو تجارب الكاتب في الغوص في مواقع شهيرة تحمل الآن أسماء مغرية مشتقة من اسم الأخطبوط قبالة ساحل أستراليا حيث تعيش العديد من الأخطبوطات فتتطارد وتتقاتل وتتوالد.
هذه التجربة تدفعنا إلى النظر في احتمال أن يكون الأخطبوط ـ وهو الحيوان الذي يعد بالفعل من الأكثر تعقيدا في المملكة الحيوانية ـ كائنا عديد الأنفس. يلي ذلك تفسير مذهل، وهو تفسير يجعل أعتى محبي ذوات الأرجل الرأسية مثلي يكاد يفقد وعيه أمام الاحتمالات اللانهائية لإعادة التفكير في العقل باعتباره أقرب إلى مخبأ للوعي.
يعلن جودفري سميث أن «العالم أكثر امتلاء، وأكثر احتشادا بالتجريب مما يمكن أن يتوقع أكثر الناس»، وبعد قراءة هذا الكتاب، لا أملك ألا أشعر وكأن كائنات كاملة انتقلت إلى بؤرة التركيز مثلما حدث مع أول نظرة لي عبر المجهر قبل كل تلك السنوات. فهذا الكتاب يقدم نظرة ذكية غير عادية إلى الرابط الجوهري بين العقل الإنساني وعالم الحيوان.
** كاتبة المقال شاعرة وأستاذة اللغة الإنجليزية في جامعة المسيسيبي ومؤلفة كتاب «عالم العجائب: في مديح الحباحب وسمك القرش وعجائب أخرى».