يوم بكى العمانيون رحيل السلطان قابوس

ذكريات أليمة وحزن ثقيل –

عمان : ما كاد العمانيون يستبشرون بنبأ أن السلطان قابوس «في حال مستقر» الذي صدر عشية أول أيام السنة الجديدة 2020 ليكون الخبر السعيد الذي يبقى راسخا في ذاكرتهم من عام 2019 حتى صحوا فجر الحادي عشر من يناير على نبأ رحيله الفاجع. كان المشهد قاتما جدا ذلك النهار من يناير في جميع عمان رغم أمطار ذلك اليوم الغزيرة التي حملت في شدة انهمارها بعدا رمزيا، واجترت من السياق الفقهي بعدا يتعلق بالرحمة واللحظة التي تفتح فيها أبواب السماء ليقبل الدعاء، وكانت أكف العالم العربي والإسلامي جميعها ترتفع عاليا تدعو الله في عليائه أن يرحم السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور وأن يتقبله القبول الحسن على ما صنع في عمان ولها.

عاش العمانيون في ذلك اليوم الصعب من تاريخهم أوقاتا عصيبة وقاسية جدا لم يجربوها من قبل ولم يتصوروها رغم حتمية الموت وحقيقته التي لا جدال فيها؛ فلم يكن السلطان قابوس بالنسبة لهم مجرد سلطان يرحل فيعقبه سلطان آخر رغم أن الخلف سلطان عظيم من نسل عظماء. كان السلطان قابوس للعمانيين أبا حانيا ومؤسسا حقيقيا لنهضتهم الحديثة التي أعادت لعمان مكانتها التاريخية بعد سنوات من انزياحها نحو الهامش في قراءة سياق تقدم الأمم والشعوب. وينظر العمانيون للسلطان قابوس نظرة أوسع حتى من كونه «الأب» رغم مكانة الأب في جميع السياقات والحضارات، فهو الرمز بالمعنى الحضاري، والرمز بالمعنى الوجودي، والرمز بكل المعاني والقراءات الفكرية والفلسفية. الرمز الذي استطاع أن يخرج عمان عام 1970 من مساحات الركود ويقفز بها فوق جدران الانسدادات الحضارية التي رانت عليها عدة عقود قبل ذلك فتصبح دولة ذات مكانة كبيرة في سياقها العربي والإقليمي.
وإذا كان بيان نعي السلطان قابوس في ذلك الفجر الموحش الكئيب حاول تكثيف الدور الذي قام به السلطان قابوس في كلمات بليغة جدا بوصفه قد «أرسى دعائم نهضة شامخة خلال خمسين عاما وقاد مسيرة حكيمة مظفرة حافلة بالعطاء شملت عُمان من أقصاها إلى أقصاها، وطالت العالم العربي والإسلامي والدولي قاطبة، وأسفرت عن سياسة متزنة وقف لها العالم أجمع إجلالا واحتراما»، فإن الكلمات في بلاغتها ولو على بعد زمني من الحدث وتأثيره العاصف لا تستطيع أن تفي السلطان الراحل حقه، ولا تستطيع الكلمات تأبينه مهما توسلت بالمعاني. كان، طيب الله ثراه، شخصية استثنائية بين قادة العالم العربي والعالم أجمع، تجمعت في حكمته وسياسته وحنكته خبرة التاريخ العماني الطويل، ومزايا قادة عمان العظام إذا ما تناغمت مع نتاج سياسة العالم. واستطاع بكل ذلك أن يسير بعمان سيرا آمنا نحو المستقبل المشرق ويجعل منها واحة غناء وسط محيط ملتهب بالصراعات والتكتلات.
ورغم أن العمانيين شاهدوا نقلا مباشرا لجنازة السلطان قابوس إلى مثواه الأخير وأيقنوا بالرحيل والقدر المحتوم إلا أن الرجل لم يرحل من قلوبهم وبقي راسخا في وجدانهم يستعيدونه طوال هذا العام في مناسباتهم الدينية والوطنية، ويحضر بقوة في كل التفاصيل مهما كانت دقيقة وعابرة. وفي الحقيقة فإن السلطان قابوس من القادة الذين لا يمكن لذكراهم أن تنطوي لمجرد رحيلهم من الدنيا، فهو من طينة القادة العظام الذين أثروا في الأحداث وأسسوا المستقبل وعمروا أركانه، وهو أحد أهم دعاة السلام في القرنين الأخيرين الأمر الذي يبقيه خالدا في الذاكرة.
وإذا كان التاريخ العماني قد خلّد قادة عظاما ساهموا مساهمة أساسية في بناء عُمان عبر الزمان فإن الدور الذي قام به السلطان الراحل يجعله في طليعة القادة العمانيين الكبار الذين خلدهم التاريخ منذ الصلت بن مالك الخروصي ومرورا بقادة اليعاربة والإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي مؤسس الدولة البوسعيدية والسيد سعيد بن سلطان قائد الإمبراطورية العمانية العظيم. والمكانة التي احتلها السلطان قابوس سواء كانت مكانة محبة أو مكانة إنجاز فإنها كانت نابعة من عمق عمان، ومن تاريخها. فإن ما أحاط به في نشأته وفي تطور شخصيته ما كان ليصنع منه هذه الشخصية العظيمة لو نشأ في مكان غير عُمان، فقد كان، طيب الله ثراه، تجسيدا حقيقيا لعمان وعراقتها التاريخية، وكان في كل ما فعله معبرا عنها وعن الشخصية العمانية التي مثلها خير تمثيل.
تميز السلطان قابوس منذ اليوم الأول لوصوله عرش عُمان بقوة الإرادة، والطموح الذي لا حدود له، مع ذلك كان طموحه لبناء عُمان مدروسا بعناية؛ فمع التوق لبناء دولة عصرية تأخذ بأسباب العصر وأساليبه إلا أن كل ذلك لم ينسه أن لعُمان تاريخا طويلا لا يمكن القفز نحو المستقبل بدونه. فكان تاريخ عُمان هو المرآة التي نظر منها السلطان قابوس نحو المستقبل، وبذلك التاريخ حُصنت الشخصية العمانية واكتسبت اتزانها؛ فلا يشعر العماني بأي عقدة نقص اتجاه التاريخ وبالتالي اتجاه المستقبل.
وخلال خمسة عقود بنى السلطان الراحل في الداخل دولة عصرية وازنت بين الأصالة والمعاصرة، وكانت كل خطوة تخطوها الدولة للأمام لا بدّ أن تستقرئ مستقبلها عبر معطيات ماضيها وتاريخها؛ ولذلك نجحت عُمان في الداخل والخارج حيث بدت خارجيا دولة متصالحة مع نفسها ومع محيطها لا تتبنى أجندات سياسية تهدف إلى تدمير الآخرين تحت دعاوى حضارية أو توسعية وعرف السلطان الراحل بأنه رجل السلام ونصيره في العالم وتوافق العالم شعوبا وقادة في اعتبار العمانيين من أكثر الشعوب تسامحا وسلاما داخليا وخارجيا.. وما كان هذا الأمر ليكون لولا سياسة السلطان الحصيفة التي زرعت العدل بين العمانيين، وكذلك أرست فكرة المواطنة فجميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات ويفصل بينهم القانون.
واستطاع السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور بنجاح أن يدير السياسة العمانية الداخلية وسط كل المتغيرات السابقة وأن يعيد للمجتمع تماسكه بناء على المشتركات التاريخية.
اليوم بعد مضي عام تقريبا على ذلك الرحيل المحزن وذلك الفقد الأليم لا يمكن النظر إلى ميراث السلطان الراحل إلا بوصفه ركيزة أساسية من ركائز قوة عمان ومنعتها، وأرضية صلبة للسير نحو المستقبل بكثير من الاتزان.