السلطنة تعبر التحديات باتجاه طموحات المستقبل

2020 عام التغيرات الكبيرة والجسارة العظيمة –
بقيادة السلطان هيثم.. تبحر سفينة عمان بحنكة الربان إلى بر الأمان –   

عماد البليك –  

شكّل عام 2020 بداية لمرحلة جديدة في تاريخ السلطنة الحديث إثر رحيل السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور – طيب الله ثراه – مؤسس النهضة العمانية المعاصرة التي بدأت في عام 1970، ليقود حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – البلاد مع مطلع العام باتجاه تجديد النهضة العمانية الحديثة وترسيخ دعائمها إضافة وتحديثا في كافة مجالات الحياة الإنسانية.
كان رحيل السلطان قابوس حدثا حزينا ومؤثرا على الجميع، وصل صداه الجهات الأربع من المعمورة، بيد أن إرثه بقي نورا يستضاء به على مر العصور، وكانت وصيته بتزكية السلطان هيثم بن طارق لتولي مقاليد الحكم، أجمل هدية من «أعز الرجال وأنقاهم»، إلى العمانيين، لتخفف من حدة الألم الكبير على فراق قابوس المعظم.

مواجهة الجائحة وإعادة الهيكلة وتعبيد الطريق إلى الرؤية المستقبلية – 

عام يدونه التاريخ

تولى السلطان هيثم الحكم مع مطلع عام جديد سيدونه التاريخ البشري على أنه من أقسى الأعوام وأكثرها تحديا، فهو عام الجائحة التي ضربت الأرض دون حسبان، تهدد الكل بلا استثناء، حيث انعكست آثار الفيروس القاتل على مجمل قطاعات الإنتاج والاقتصاد وفي وقت وجيز انقلبت الحياة رأسا على عقب، وكان الكل بلا استثناء قد تأثر بشكل أو بآخر.
وإذا كانت المهمة ستبدو أكثر يسرا في ظل الإرث الكبير الذي خلفه السلطان الراحل، إلا أن تداعيات الوضع الصحي الذي انعكس على الاقتصاد العماني بالإضافة إلى استمرار تراجع أسعار النفط وغيرها من التحديات على الصعيدين المحلي والخارجي، في عالم باتت فيه الشعوب شبه معزولة مع حصار الإنسان أينما كان، كل ذلك جعل الظروف أكثر تعقيدا، ما يعني عظمة العبء والرسالة التي سيحملها السلطان هيثم – أعزه الله – لتبدأ المرحلة الثانية من النهضة العمانية أو النهضة المتجددة بثقل ينوء عنه كل امرئ لم يمرس نفسه على الجسارة والقدرة على ابتكار الحلول بأمل السير بالمجتمعات والحياة إلى مساحة أرحب من التحقق للمأمولات.
رغم ذلك، فقد كان العام 2020 الذي نودعه اليوم، لتدخل السلطنة غدا سنة جديدة نأمل أن تكون سنة خير وسعادة مع بدء تنفيذ الرؤية المستقبلية الطموحة «عُمان 2040» التي تستمر لعقدين من الآن، كان ذلك العام المنطوي بكل دروسه وعبره وألمه وأمله، مليئا بالإنجازات والمكتسبات وحافلا بالتأسيسات للمقبل من السنوات، تحدت فيه عُمان وسلطانها وشعبها الظروف وقاومت الأمواج المضطربة، حيث تبحر السفينة بحنكة ربانها إلى بر الأمان المرتجى، بأقل الخسائر وبأكبر النتائج الإيجابية الممكنة.

3 خطابات سامية

خلال عام 2020 ألقى جلالة السلطان هيثم بن طارق ثلاثة خطابات بالغة البيان، الأول جاء يوم تسلمه مقاليد الحكم عقب أداء قسم اليمين صبيحة الحادي عشر من يناير، بعد انتقال سلس للسلطة في السلطنة، حمل من الدروس والحكمة والحنكة العمانية في معالجة الاختبارات وتجاوز التحديات، وقد ركز جلالته في ذلك الخطاب التأسيسي على «ارتسام خطى السلطان الراحل»، مؤكدا على الثوابت العمانية والسياسة الخارجية القائمة على التعايش بين الشعوب والأمم.
وفي الخطاب الثاني الذي ألقاه جلالة السلطان هيثم في الثالث والعشرين من فبراير، ركز جلالته على أن السلطنة تقف اليوم «بإرادة صلبة، وعزيمة لا تلين على أعتاب مرحلة مهمة من مراحل التنمية والبناء في عمان»، مشيرا بالتحديد إلى الرؤية المستقبلية «عُمان 2040» ومساهمة المجتمع العماني في صياغتها محددا الطريق إلى المستقبل عماده «الرؤية الواضحة، والطموحات العظيمة لمستقبل أكثر ازدهاراً ونماء»، وأن ثمة تحديات تمليها الظروف الدولية الراهنة.
حفل خطاب 23 فبراير ببرنامج الحكم للفترة المقبلة على صعيد هيكلة الجهاز الإداري للدولة وتحديث منظومة التشريعات والقوانين وغيرها من التحديثات والإصلاحات الاقتصادية، التي هدفت بحسب النطق السامي إلى إعلاء قيمة العمل وتبسيط الإجراءات وحوكمة الأداء والنزاهة والمساءلة والمحاسبة، وإذ يأتي كل ذلك في إطار صنع الاستدامة الاقتصادية وتحقيق التوازن المالي للدولة.

أكثر من مسار

أوفى جلالته – أعزه الله- بالوعود التي أطلقها في الخطاب السامي، واستمر العمل بتسارع مدروس ونهج سديد في ظل تراث عماني في هذا الجانب، باتجاه العمل في أكثر من مسار، على صعيد مواجهة الجائحة التي حاصرت الكل، وفي الجهة الثانية النظر إلى البرنامج الإصلاحي وإعادة الهيكلة في كل القطاعات بهدف تعبيد الطريق وخلق الأجواء المناسبة للشروع في تنفيذ المشروع الطموح «عمان 2040» الذي كان جلالة السلطان مهندسه حيث ترأس اللجنة العليا للرؤية المستقبلية.
في الخطاب الثالث لجلالته خلال العام 2020 الذي ألقاه جلالته في يوم العيد الوطني المجيد ذكرى 18 نوفمبر، خلال مناسبة الاحتفال بمرور خمسين عاما على مسيرة النهضة العمانية الحديثة، فقد بدت الملامح جلية والتصورات أكثر اقترابا من الواقع خاصة بعد أن سبق ذلك إعلان الحكومة الجديدة وصدور حزمة من المراسيم التي تهدف لمواكبة التطلعات المأمولة في المرحلة المقبلة. وكان لوصف السلطان هيثم ليوم 18 نوفمبر بأنه «من أيام عمان الخالدة»، دلالة كبيرة في استحضار ذكرى المؤسس لهذه النهضة العظيمة.
تطرق جلالته في خطابه السامي إلى التطويرات التي شهدتها المرحلة السابقة في ظرف وجيز، من تطوير الجهاز الإداري للدولة، وإعادة تشكيل مجلس الوزراء، وجملة الخطط والبرامج التي تصب في تنفيذ المشاريع التنموية وتعزيز الأداء الحكومي ورفع الكفاءة، إلى تأكيد العديد من الأمور الهادفة لإرساء ركائز المستقبل العماني، مع إحقاق الحق وتطوير أدوات المساءلة والمحاسبة وصون الحقوق وترسيخ العدالة والنزاهة وغيرها من عناصر المنظومة التي أكد جلالته على أنها «ستحظى برعاية خاصة» من لدن جلالته. كما أكد جلالته على إرساء نظام الحماية الاجتماعية ضمان قيام الدولة بواجباتها الأساسية وتوفير الحماية والرعاية للمواطنين بتوفير الحياة الكريمة للجميع.
زخم من المتغيرات

إن الحديث عن زخم المتغيرات في عام 2020 يكشف من الجهة الثانية حجم ما تم إنجازه في هذه السنة الاستثنائية، وهنا لابد من التطرق إلى الجائحة التي تسبب فيها فيروس كورونا المستجد «كوفيد 19» وكيف أن السلطنة بقيادة جلالة السلطان هيثم استطاعت أن تتعاطى مع هذا الوضع الطارئ بحيث تخرج بـأقل الضرر، وفي الوقت نفسه يتم الاستفادة من هذا المشهد في تعزيز سبل المستقبل الأفضل لاسيما في كيفية توظيف دروس الأزمة في رسم التطلعات سواء على صعيد اختبار القدرات أو الإدارة عن بعد أو التعليم المدمج وغيرها من هذه المستجدات التي تحولت إلى خبرات لمختلف الأجيال من الصغار إلى الكبار، فالجائحة أثرت على الكل ووضعت بصمتها في أي موضع، ولا تزال إلى اليوم في نقطة حساسة تتطلب التكاتف والالتزام بالإجراءات التي وضعتها الجهات المختصة.
وقد صاغ جلالة السلطان المعظم عبارات موجزة في توضيح أثر هذه الجائحة وكيف يمكن للأمم أن تتعلم من مثل هذه الظروف، حيث أشار جلالته إلى أن الأزمات والتحديات والصعوبات «تمثل سانحة لأن تختبر الأمم جاهزيتها وتعزز قدراتها» وأكد في هذا الإطار بأن الأزمة فتحت المجال للطاقات الوطنية لتسهم بدورها في تقديم الحلول القائمة على الإبداع والابتكار وسرعت وتيرة التحول إلى العمل الرقمي وتوظيف التقنية في مجالات العمل الحكومي والخاص على نحو لم يكن ليجد الاستعداد اللازم والاستجابة المناسبة التي وجدها في هذه الظروف».
هكذا يمكن للظروف الطارئة والأزمات أن تتحول إلى دروس واختبارات تحقق الرؤية الاستشرافية وتساعد في تلمس الحلول المستقبلية، وفق المنظور السامي، ويمكن أن ننظر إلى ذلك بالاقتراب من العام الجديد والرؤية «عُمان 2040» التي سوف تشكل عناصر كالابتكار والإبداع والتقانة أولويات محورية فيها، ولكأنه من صدف القدر أن يلتقي هذا العام برغم جراحه بهذا الاختبار الإلهي، ليكون الدنو من معالجات المستقبل والآفاق المرتقبة.

موجهات ورؤى بعيدة

خلال عام كثيف النشاط، ظلت حكومة السلطنة تعمل جاهدة بكل السبل لتلافي الصعاب الراهنة والاستعداد للمشرق من جوانب الحياة، وكان جلالة السلطان يترأس اجتماعات مجلس الوزراء الموقر، ويسدي التوجيهات لحكومته ويوجه بالتصورات والحلول التي تتواكب مع المرحلة في ظلال هذا العام الاستثنائي بكل تأكيد، وفي الخامس عشر من ديسمبر حيث عقد آخر اجتماعات مجلس الوزراء لهذا العام، فقد أقر جلالته إطلاق الرؤية المستقبلية «عُمان 2040» لتصبح نافذة بدءا من الغد بإذن الله، مؤكدا ما سبق أن أشار إليه جلالته من أن هذه الرؤية «خلاصة جهد وطني وتوافق مجتمعي، وأن نجاحها
مسؤولية الجميع دون استثناء كل في موقعه».
وضع جلالة السلطان المفدى العديد من الموجهات التي تسيّر قاطرة التطور والسير إلى المستقبل في السنوات المقبلة، كان جلالته ينظر إلى حجم التحدي وفي الوقت ذاته يؤكد على القدرات والإمكانيات التي يمكن أن تفجرها المواهب والطاقات الوطنية، مفعما بثقة وأمل ومؤكدا جلالته – حفظه الله – على «ضرورة توجيه كافة الجهود والموارد لتحقيق أهداف وبرامج التوازن المالي وتطوير التشريعات المتعلقة بالاستثمار، وتبسيط وتسريع الخدمات الحكومية، وتنمية المناطق الاقتصادية والمشاريع الكبرى مع تنمية القدرات الوطنية وربط كل هذه الجهود بتشغيل المواطنين باعتباره أحد أهم الأولويات الوطنية».
أمام جملة التحديات يبقى التوجيه السامي مرشدا إلى اليقين بتحقيق «الطموحات العظيمة» – التي أشار لها جلالته في خطابه السامي في 23 فبراير – بتجاوز الراهن إلى الأكثر إشراقا، وهنا يجب الإشارة إلى عدد من النقاط المركزية التي تشكل موجهات العام المقبل 2021 والأعوام التي تليه في إطار الأهداف السامية والرؤى بعيدة المدى.
أولا: تأكيد جلالته على شراكة مجلسي الدولة والشورى في عملية التنمية، وأهمية الاستمرار في تأكيد هذه الشراكة، باعتبارها تعكس نبض المجتمع وروح الدولة الحديثة في التمثيل السياسي وصناعة القرار الوطني الذي يصب في المصلحة العليا.
ثانيا: أهمية العمل بالتسريع في تعزيز كفاءة وجاهزية عمان الرقمية، بالتحول إلى حكومة إلكترونية ذات كفاءة عالية، بما يختصر الكثير من الأمور التقليدية والروتينية، ويصب هذا في إطار الرؤية المنشودة للتطور كذلك يساعد في تعزيز وتهيئة بنية عصرية للاستثمارات بما يساعد فعليا في النقلة المطلوبة في اقتصاد السلطنة وتحقيق التنوع فيه، بما يلبي طموحات الجميع.
ثالثا: يبقى تحدي الفيروس قائما حتى لو أنه انتهى بعد وقت معين، إذ ان الآثار المتعددة الجوانب لهذا الأمر سوف تتطلب معالجات ناجعة على الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمعرفية الخ.. وتظل هنا المسؤولية التضافرية قائمة، وقد أكد جلالة السلطان بهذا الخصوص على «أهمية استمرارية وتركيز الجهود خلال المرحلة المقبلة على مرحلة التعافي المجتمعي والاقتصادي من تلك الجائحة».
رابعا: التأكيد السامي على نهج التواصل والتشاور بين الحكومة والشعب، هذا الإرث الذي رسخت له جولات السلطان الراحل – طيب الله ثراه – ويستمر اليوم بما يدعم هذا المسار المهم في المشاركة بصنع القرار، وفي هذا الإطار كان جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم قد التقى في الخامس عشر من سبتمبر الماضي، بعدد من شيوخ ولايات محافظة ظفار وذلك بقاعة الحصن بحي الشاطئ بولاية صلالة.
وهنا يكون المسار مفتوحا لكل المسؤولين بإجراءات لقاءات دورية مع المشايخ والأعيان والمواطنين في الولايات التابعة لهم للوقوف على احتياجات الولايات من الخدمات والمشاريع التنموية، والاستئناس بآرائهم بما يخدم الخطط والبرامج في تلك المحافظات.
خامسا: يأتي هنا محور السياسة الخارجية الثابت والراسخ في مفاصله المدركة، وحيث النهج العماني المستمر في «الحفاظ على ثوابت ومنطلقات السياسة الخارجية للسلطنة المرتكزة على حسن الجوار والصداقة والتعاون مع الجميع».. «نهج السلطنة الدائم هو الحياد وعدم التدخل في شؤون الآخرين».

الملفات المثقلة

إذ نطوي ملفات هذا العام بكل ما فيه من الأوراق المثقلة باختلاف الأطروحات والرؤى، يبقى النظر إلى ملف هذا العام بأنه عام التغيرات الكبيرة والجسارة العظيمة، وبه تدخل السلطنة أو هي دخلت فعليا المرحلة الثانية من نهضتها المباركة بإذن الله، بتسطير إلهي وقدرة صاغها الخالق بأن يكون لهذه البداية المتجددة اختبارها الكبير، بيد أن الأمم والشعوب والدول على مر العصور، تأخذ من تجربة الأيام وعصارات السنين والظروف القاسية والسهلة معا، لتمضي إلى ما تنشده وهي تجمع بين أصيل وجديد، ما بين ثابت ومتحول، فانٍ وخالد، باتجاه الأمل الذي ينشد المجد ويثب إلى العلياء.
ونسأل الله أن يكون عام 2021 عام العبور والانتصار على التحديات وتحقيق التطلعات.