«خيوط الزعفران» لزهير كريم.. شهادة على واقع الألم والمعاناة

عمّان- «العمانية»: يقدّم الكاتب العراقي زهير كريم في روايته «خيوط الزعفران» قصة واقعية كان شاهدًا على كثير من تفاصيلها، وأحاط بسيرة أبطالها الذين اختار لهم أسماء مستعارة، وقدّمهم في إطار فني ذي بنيان روائي مكتمل.
«يوسف» هو الاسم المستعار الذي اختاره المؤلف/الراوي لبطل روايته التي صدرت مؤخرًا عن «الآن ناشرون وموزعون»، وقد قابله في بغداد بعد عودته إليها من الخارج وإصابته في حادث إرهابي كاد يودي بحياته. ويتشكل متن الرواية من التفاصيل التي اطّلعَ عليها الراوي من بطله خلال لقائهما الأول وما تلاه من لقاءات.
يقول زهير كريم واصفًا تلك المرحلة التي انبثقت فكرة الرواية خلالها في ذهنه: «انغمسنا في أحاديث متشعِّبة، السّؤال عن الحادث، الوضع المضطرِب في البلاد، الحياة في أوروبّا، ثمّ انحرف الحوار بنا إلى منطقة الفنّ والأدب، ووصلنا في النّهاية إلى ما هو شخصيّ؛ سيرته بالضّبط، قال: (إنّ الفاجعة ولادة أخرى). لم أفهم مغزى جملته المكثَّفة، سألته؛ فتحدّث إليّ بإيجاز، لكنّني حدست أنّ جمرةً في هذه الحكاية التي تبدو طويلة ومتشعّبة، أحتاج إلى النّفخ فيها كي أنسج منها رواية».
ويضيف الكاتب موضحًا: إن مجمل لقاءاته بيوسف وصل إلى عشرة لقاءات استهلكت ثلاثين ساعة من الحوار المتواصل بينهما إلى أن اكتملت الرؤية في ذهنه: «وكما أنّ لكلّ روايّة ظلّاً وجسدًا، كان حديث اللقاءات العشرة هو ظلّ هذا النّصّ الذي لم ينفصل أبدًا عن جسده، والظّلّ -كما أعتقد- هو الحقيقة التي انطوت عليها القصّة التي سردها يوسف، بينما الجسد مزيجٌ من تلك الحقيقة والخيال الذي وظّفتُه لمعالجة الوقائع».
وتمتلئ الرواية بالأحداث ذات الصلة المباشرة بالواقع الذي يعيشه العراقيون منذ الاحتلال، فتتناول قضايا تتعلق بالطائفية التي نخرت جسد المجتمع العراقي وحرمت البطل من الزواج بحبيبة عمره، ويتطرق كذلك إلى قضايا الفساد، والتشدد الديني، والاغتراب الذي واجهه كثير من العراقيين إثر ما حل ببلادهم.
وتتخذ الرواية من زهرة الزعفران رمزًا للحياة التي هي نقيض لما يعانيه العراقيون من واقع يشاهدون الموت فيه كل يوم منذ احتُلّ بلدهم، فهذه الزهرة لا تموت بحسب الأسطورة التي جعلها زهير كريم إحدى عتبات الرواية: «تقول الأسطورة:(كروكوس) كان راعيًا شابًا يتمتّع بروح نبيلة، وقد وقع في حبّ حوريّة اسمها (سميكلاكس)، وقد تأثرت الآلهة بعمق حبه وهيامه، فحوّلته إلى زهرة لا تموت».
وامتد الفضاء المكاني من بغداد إلى سوريا والمغرب وبروكسل، فتتبع حياة «يوسف» خلال الاغتراب، ليلخّص حال آلاف العراقيين في ترحالهم خارج بلدهم، ولتشكّل عودته إلى بغداد صدمة بعد أن شهد الكمّ الهائل من التغيرات التي حلّت بالأماكن التي عاش فيها أيام حياته الأولى، فاكتشف كثيرًا من الزيف والخداع، وأيقن نسبية الأحكام التي نقيّم بها أحداث حياتنا، لا سيما ما تعلق منها بمقاييسنا للربح والخسارة.
يشار إلى أن زهير كريم وُلد في بغداد عام 1965، هاجر إلى الأردن عام 1993، ثم تنقّل بين مدن كثيرة حتى استقرت به الحال في بروكسل عام 2002. صدر له سابقًا في الرواية؛ «قلب اللقلق» و«غيوم شمالية شرقية» و«صائد الجثث». وصدر له في الفصة: «ماكنة كبيرة تدهس المارة» و«فرقة العازفين» و«رومانتيكا». بالإضافة إلى كتاب في أدب الرحلات بعنوان «أغاني الرمل والمانجو».