إرادة الكتابة

أمل السعيدية
يقال إن الفرق بين الكاتب وغيره، أن الأول يجلسُ أخيراً ليكتب، متغلباً على كل ما سبق عملية الجلوس هذه. وإذا كنت تفكر في تلك الأشياء التي قد تؤخرك عن الكتابة، فإن بلقيس الكركي في كتابها “إرادة الكتابة” تفعل ذلك باقتدار. وإن كان هذا اختزالاً وتبسيطاً ساذجاً للكتاب والمناطق التي وصل إليها في تقدمه كل صفحة. هنالك عالمان تدور فيهما كل الحكاية، وكلاهما محكومان من قبل “الصورة” عالم الارتجال، وعالم التأليف، أما العالم الأول فهو الواقع الذي نخطئ فيه، أو نظهر فيه ناقصين، ومشوهين، وعالم التأليف، ذلك المكان الذي يكون من الممكن أن نصحح فيه كل الأخطاء وأن نستبدلها، وأن نختار فيه الصورة التي نرغب فيها، لا الصورة التي جُبلنا عليها.
تصرعنا آلهة كثيرة قبل الكتابة، منها آلهة الإلهاء، التي تروم لتأخيرنا عن الصورة التي سنؤلفها والتي ربما لن تكون نسخة مصححة كما نحب عن واقعنا، بل أن نكتشف أننا مشوهون بالدرجة نفسها، لكن التشوه في عالم التأليف أكثر إيلامًا، إذ إنها صورة مجمدة عما نحن عليه، يمكن أن يتم تداولها بكثرة، وعرضها للعالم، لتكون نصباً تذكاريًا لكوننا خاسرين، وفاشلين ولا جدوى من وجودنا. الكتابة هي ضرب من الشقاء في هذه الحالة، شقاء يدخلنا في ثنائيات لا حصر لها، فنهرب من الكتابة راغبين في أن نرتجل، ولكننا نعود إليها في لحظة ما، لأن علينا أن نفعل وإلا فمالذي يعنيه أن نعيش! والواقع هذا الواقع لا يكفينا، ونريدُ وفرة أرض العجائب. “الأدب والحياة، حنين متبادل، متواتر” تصرعك هذه الفكرة أيضاً، يقولون لك، إنك محاط بالكتب، لا تعيش الحياة، ولا تجربها بما يكفي، وأنك بالضرورة لن تصبح كاتباً ما لم تعرف العالم بحق، فتذهب للعالم هذا الذي ينبغي أن تتعلم فيه، وتعيش، لكنك تفاجأ بأسئلة من قبيل: مالذي عليّ فعله الآن؟ كيف أعيش الحياة بحق؟ هل هذا يعني كل الأشياء التي لم أجربها وأكتشفها بعد؟ وتضحك من بساطة الفكرة، وتعود مذعناً للكتاب التالي تسأله طاقة، وحرارة، تستمد منها وقوفك اليومي. بالنسبة لي، أكره الحكماء، أكره زوربا الذي كان أيقونة لفترة طويلة لهذا الصراع المختلق، بين الأدب والحياة، ولا أعرف لما ينتقص الإنسان باستمرار من قدرته على التخييل أمام حسية التجربة المباشرة.
على الرغم من أن التجارب المباشرة هذه يسيرها الخيال، فحتى الجسد في تجربته الحسية المباشرة هو تكريس للصور الذهنية عما ينبغي أن يكون عليه! إنه “نموذج المحاكاة” والرجل المثقف مع زوربا، المتهم بأنه يعيش في الكتب لا في العالم، لو كان خائفاً من هذا العالم، مستفهماً، فما الذي يجعل عدم الأمان هذا ناقصاً؟ ما هي الحياة؟ ولماذا ينبغي أن تكون وجهاً واحداً مشوقاً، لا مسترخياً في بِرك آسنة من الخوف، والكآبة، والتخلي؟ وتقتبس بلقيس الكركي من فرويد مقولته “الحياة كلها ظاهرة فنية” وتكتب بدورها: “لقد جعلت الأفكار من جسدك الطيني عصاة: تتكئ عليها فقط ولا مآرب لك فيها سوى الكتابة. لم يكن يلينها شيء سوى الخيال، الذي كالموسيقى الهندية التي تحرك الأفعى، لكن ضمن حدود لا تتركها تفلت منها”.