الإسهام العماني من أجل الاستقرار .. ضرورة ملحة

د. عبدالحميد الموافي –

في الوقت الذي يسرع فيه عام 2020 لينتقل إلى حظيرة التاريخ غير مأسوف عليه، لما حمله من فقد وآلام، ومن مشكلات وحروب ومواجهات، ومن أوبئة وتطورات، ما زالت الكثير من دول العالم تعمل جاهدة على الخروج من آثارها المباشرة وغير المباشرة، فإن العام الجديد الذي تتجمع تباشيره في الأفق، ويتسلل ضوؤه رويدا رويدا، وإن كان سيحمل بالضرورة أعباء ما حدث في العام المنسحب، إلا أنه يحمل آمالا وتطلعات ورغبات عديدة، متنوعة وواسعة النطاق من جانب الكثير من دول وشعوب المنطقة والعالم من حولها، بأن يكون عام 2021 أفضل وأقل ألمًا وضررًا، وأكثر تجاوبًا وإيجابية وحنوًا بالنسبة لشعوب المنطقة والعالم المتطلعة إلى تحقيق وترسيخ السلام والأمن والاستقرار وإتاحة حياة أفضل ولو نسبيًا لأبنائها في المجالات المختلفة، وهذه من الحقوق الأصيلة للدول والشعوب.
وفي ظل ما هو معروف من أن الأماني والأهداف لا تتحقق بفعل ذاتها، ولا تتحول إلى واقع لمجرد الرغبة فيها، فإن الأمور تحتاج بالضرورة إلى جهود إيجابية، نشطة ومنظمة وتعاونية إلى أقصى مدى ممكن، على كافة المستويات، داخليًا وخارجيًا، على مستوى الدولة الواحدة وعلى مستوى مجموعات الدول المعنية، خليجيًا وعربيًا وإقليميًا ودوليًا أيضًا، حتى يمكن الانتقال بالأماني من الحيز النظري إلى الواقع، ولتصبح هناك خطوات وإجراءات وسبل يتم السير فيها للعمل على تحقيق كل ما يمكن تحقيقه لصالح أبناء الدول والشعوب المختلفة اليوم وغدًا وبعد الغد.
وعادة ما يكون هناك أطراف محددة تقع على عاتقها، أو تحمل بشكل أكبر، مهمة وهاجسًا ومسؤولية السعي الحثيث لتحقيق ما تتطلع إليه دول وشعوب المنطقة.
وفي هذا الإطار فإنه من الطبيعي أن تتجه أنظار الكثيرين، داخل المنطقة وحولها وعلى امتداد العالم من حولها، إلى السلطنة من أجل الأمل في أن تقوم بدورها، وأن تواصل، كعادتها، مساعيها الحميدة وجهودها الخيرة ومحاولاتها الدؤوبة لتهيئة الأوضاع، خليجيًا وإقليميًا وعربيًا ودوليًا، لمرحلة أفضل من العلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف، ولصالح كل دول وشعوب المنطقة أيضا، خاصة خلال الفترة القادمة، وفي هذا الإطار فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
أولا: إنه من الأهمية بمكان التأكيد على أن تطلع واتجاه الكثير من الأطراف والأنظار إلى السلطنة، للقيام بدور وإسهام إيجابي لصالح علاقات أفضل بين دول وشعوب المنطقة، إنما يرتبط بالضرورة بما دأبت عليه السلطنة خلال العقود الماضية، بقيادة الراحل السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- من الإسهام الطيب والنشط والمسؤول أيضا في الجهود الطيبة لحل الكثير من المشكلات، ولتجاوز الكثير من الخلافات، وللتهيئة للتلاقي واستعادة الثقة بين أطراف مختلفة ومتصارعة، وحتى تهيئة الأجواء الضرورية لذلك باحتضانها على ارضها وبرعايتها.
والمؤكد أن ذلك كله لم يكن صدفة، ولا مجاملة لطرف أو لأطراف ما حيال السلطنة، ولا من السلطنة حيال طرف أو أطراف أخرى، بقدر ما كان ممارسة لدور، واستثمارًا إيجابيًا لعلاقات طيبة ولتقدير تمتعت وتتمتع به السلطنة، خليجيًا وعربيًا وإقليميًا ودوليًا كذلك، وهو ما نشأ وترعرع وترسخ على مدى سنوات وعقود عديدة ومتتابعة، وعبر الكثير من التجارب والمشكلات التي نجحت فيها السلطنة بفضل سياساتها وأساليبها الحكيمة والرزينة والمسؤولة والمترفعة دوما عن استغلال أو تجيير مساعيها الخيرة لخدمة مصلحة ذاتية لها، ولا حتى التباهي الإعلامي، بما تقوم به أو تبذله من جهود لصالح الآخرين، وممارسة الكتمان العماني لإتاحة الفرصة للأطراف المعنية للعمل والتجاوب والوصول إلى أكبر درجة من التوافق المشترك لتحقيق مصالحها، وبالطبع مصالح دول وشعوب المنطقة من حولها بالضرورة.
وإذا كانت إرادة الله تعالى قد اقتضت رحيل السلطان قابوس -طيب الله ثراه- في العاشر من يناير الماضي، فإنه مع الوضع في الاعتبار ما تمتع به جلالته من ثقة عميقة وواسعة النطاق، ومن تقدير ومكانة رفيعة على كل المستويات داخليًا وخليجيًا وعربيًا وإقليميًا ودوليًا، فإن جلالته قد أرسى نهجًا ونمطًا مميزًا على صعيد العلاقات والسياسة العمانية، كما أرسى تقاليد وأسسًا تمارسها وتتبعها الدولة العمانية بمؤسساتها وأجهزتها المختلفة، يضاف إلى ذلك أن جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- لم يكن فقط قريبا من السلطان الراحل، ولكنه كان شريكًا عمليًا أيضًا في وضع وبلورة وممارسة هذه السياسة وتلك الاختيارات التي تبناها السلطان الراحل، وذلك بحكم خبرات السلطان هيثم بن طارق في وزارة الخارجية العمانية وفي وزارة التراث والثقافة، قبل تولي جلالته مقاليد الأمور وبترشيح وتزكية من السلطان الراحل.
يضاف إلى ذلك أن جلالة السلطان هيثم بن طارق أكد على نحو واضح وحاسم اتباع الأسس والمبادئ التي اتبعها السلطان الراحل -طيب الله ثراه- على كافة المستويات، وخاصة على صعيد العلاقات على المستويات الخليجية والعربية والإقليمية والدولية، وفي خلال الاجتماع الأخير لمجلس الوزراء، الذي ترأسه جلالته في الرابع عشر من الشهر الجاري، أكد جلالته مرة أخرى على «استمرار الحفاظ على ثوابت ومنطلقات السياسة الخارجية للسلطنة المرتكزة على حسن الجوار والصداقة والتعاون مع الجميع»، كما أكد جلالته- أبقاه الله- على أن «نهج السلطنة الدائم هو الحياد وعدم التدخل في شؤون الآخرين».
ومما له دلالة عميقة في هذا المجال، على سبيل المثال لا الحصر، أن جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- أعزه الله- أشاد في الاجتماع ذاته «بالمبادرة التي أبداها الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت الراحل- طيب الله ثراه- وعلى جهد دولة الكويت الشقيقة الدؤوب في تقريب وجهات النظر بين بعض دول مجلس التعاون والتي كللت بالاتفاق على اتخاذ خطوات إيجابية لإيجاد مخرج لسوء الفهم وللعمل على لمّ الشمل الخليجي.. مؤكدا جلالته- أبقاه الله- على حرص السلطنة الدائم على مساندة كل الجهود التي تحقق التقارب بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية».
وتجدر الإشارة إلى أن الزيارة التي قام بها معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي وزير الخارجية قبل أيام إلى كل من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت ولقاء معاليه أيضا مع معالي الدكتور نايف الحجرف الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية تتسم بالكثير من الأهمية، خاصة في ضوء الظروف الراهنة وحاجة دول مجلس التعاون إلى إنجاح جهود التقارب فيما بينها وعلى نحو عملي ملموس.
ثانيا: إنه من الأهمية بمكان الإشارة إلى تولي جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – مقاليد القيادة في السلطنة، وبالرغم من التركيز في الأشهر الماضية على إعادة ترتيب العديد من الجوانب على الصعيد الداخلي، إلا أن ذلك لم يؤثر على الاهتمام الكبير والأصيل للقيادة العمانية بممارسة دورها المعروف على صعيد السعي الحثيث، والعمل الفعلي، من أجل الإسهام الإيجابي في تقريب المواقف بين الأشقاء خليجيًا وعربيًا وإقليميًا ودوليًا أيضًا، وعلى مختلف المستويات من أجل الدفع نحو مزيد من الاستقرار والأمن والعلاقات الأفضل بين دول وشعوب المنطقة ولصالح كل شعوبها. وإذا كان البعض قد تصور أو افترض أن رحيل السلطان قابوس -طيب الله ثراه- وعملية إعادة الترتيب والتحديات الاقتصادية أو المالية، بمعنى أدق، التي تواجهها السلطنة، يمكن أن تؤثر على ممارستها لدورها المعروف في هذا المجال، فالمؤكد أن ذلك تصور وافتراض خاطئ وغير صحيح، سواء لأن سياسات السلطان الراحل ومواقفه كانت سياسات ومرتكزات لمختلف مؤسسات وأجهزة الدولة العمانية، أو لإيمان القيادة الحكيمة ممثلة في جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم بها واتباعها والتأكيد عليها منذ اليوم الأول لتوليه مقاليد الأمور في السلطنة، وخطابات جلالته التي ألقاها خلال الأشهر الماضية بالغة الدلالة في هذا المجال.
ومع أهمية وحيوية عمليات إعادة الترتيب الداخلية والاستعداد للبدء في تطبيق استراتيجية (عمان 2040) وخطة التنمية الخمسية العاشرة خلال الأيام القادمة -مع الأول من يناير القادم- إلا أن ذلك لم يؤثر، ولن يؤثر على الاهتمام العماني الأصيل والمتواصل بالإسهام الإيجابي في كل جهد مخلص للتقريب بين الأشقاء والسعي إلى إيجاد حلول وتفاهمات وتوافق حول مختلف القضايا، وذلك وفق الأسس والمرتكزات التي طالما تبنتها السلطنة وعملت في ضوئها خلال السنوات والعقود الماضية.
ثالثا: إنه في ظل التطورات الراهنة والمتسارعة، خليجيًا وعربيًا وإقليميًا ودوليًا كذلك، فإن السلطنة أمامها الكثير للقيام به من خلال مساعيها الحميدة وتفاعلها الإيجابي والدؤوب مع مختلف الأطراف، الخليجية والعربية والإقليمية والدولية، من أجل تحقيق أفضل مناخ ممكن لتحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة لدول وشعوب المنطقة.
وبالنظر إلى أن السلطنة تقوم بجهودها من منطلق الإيمان العميق بما يربط بين دول وشعوب المنطقة من وشائج، وبالاستناد إلى مبادئ وأسس واضحة وراسخة، بعيدا كعادتها عن تكتيكات أو التحالفات اللحظية، ودون أطماع أو حسابات مصلحية قصيرة النظر أو طارئة بالنسبة لها، ولأن السلطنة في تحركاتها ومواقفها تميزت وتتميز بالوضوح والصراحة والمصداقية، فإن الثقة والمكانة التي تمتعت وتتمتع بها خليجيًا وعربيًا وإقليميًا ودوليًا هي ثقة ومكانة مستمرة ومتواصلة، ومن ثم فإنها تواصل دورها ومساعيها الطيبة والمخلصة التي تحتاجها كل دول وشعوب المنطقة دون تردد أو تأجيل.
ومن منطلق الثقة العميقة في الذات، والإخلاص والقناعة العميقة بما تقوم به السلطنة، سواء كان معلنًا أو غير معلن، فإن السلطنة كعادتها رحبت وترحب دوما بالتعاون مع الأشقاء وأي أطراف أخرى، جادة ومخلصة، لحل مختلف القضايا، وبكل جهد مخلص في هذا المجال، دون خوف أو قلق، ليس فقط لأنها مخلصة وصادقة في مساعيها الخيرة، ولكن أيضًا لأنها لا تبحث عن دور، ولا تريد تسجيل مواقف أو نقاط لها على أي مستوى، ولا تتطلع إلى استثمار خاص لما تقوم به على هذا الصعيد أو ذاك، وبالتالي فإن أي أطراف أخرى لا تستطيع ولن تستطيع الحلول محلها، لأي سبب، ولا بأي وسيلة، لأن مسقط لديها دوما ما تقدمه، وتملك دوما طرحا إيجابيًا ورزينًا وخاليًا من تكتيكات المواقف الطارئة، ولذا فإنها رحبت وترحب بأي جهود مخلصة من جانب أي طرف أو أطراف أخرى لصالح دول وشعوب المنطقة ولديها من رصيد الثقة التاريخي والحديث ما يجعلها قادرة دوما على الارتفاع والترفع عن أي منافسة مع شقيق أو صديق لأنها اعتادت دوما طرح مواقفها ورؤاها، والثقة في أن الدول والشعوب الأخرى قادرة في النهاية على رؤية ما في صالحها في الحاضر والمستقبل.
ومن هنا فإن هناك بالفعل حاجة كبيرة وضرورية للجهد والدور العماني المخلص والدؤوب بالتعاون مع كل جهود الأشقاء الآخرين بشكل مباشر وغير مباشر لتحقيق ما هو أفضل لدول وشعوب المنطقة اليوم وغدا.