اليوم .. الاتحاد الأوروبي يبدأ إجراءات التوقيع على اتفاق ما بعد بريكست

بريطانيا والاتحاد ينشران الاتفاقية التجارية لخروج المملكة من التكتل –

بروكسل ـ (أ ف ب): نشرت بريطانيا أمس السبت نص اتفاقها التجاري مع الاتحاد الأوروبي قبل خمسة أيام فقط من خروجها فعليا من واحد من أكبر التكتلات التجارية في العالم، في أهم تحول عالمي لها منذ فقدان الإمبراطورية. وتشمل الصفقة اتفاقا تجاريا يقع في 1246 صفحة، إلى جانب اتفاقيات حول الطاقة النووية وتبادل المعلومات السرية وحول الطاقة النووية المدنية وكذلك مجموعة من الإعلانات المشتركة.
ويبدأ الاتحاد الأوروبي اليوم الاثنين إجراءات توقيع وتنفيذ الاتفاق التجاري الذي أبرمه مع لندن الخميس الماضي وعرضه كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي ميشيل بارنييه على الدول الأعضاء أمس الأول في نسخته الإنجليزية فقط.
وقال دبلوماسي أوروبي لوكالة فرانس برس: إنّ ردّ فعل سفراء الدول الأعضاء في الاتّحاد الأوروبي على هذه النسخة غير النهائية من الاتّفاق كان عادياً، مضيفاً: «لم تكن هناك فرحة كبيرة، لأنّ الطلاق ليس خبراً ساراً».
وأوضح الدبلوماسي أنّ «الاتّفاق الواقع في 1200 صفحة سيخضع للتدقيق اليوم لتحديد ما إذا كان ينطوي على مسائل خفيّة يمكن أن تثير مشاكل».
ومن المقرّر أن يجتمع السفراء مجدّدا اليوم لإطلاق إجراءات التوقيع على الاتفاق من قبل الدول الأعضاء تمهيدا للمصادقة عليه من قبل البرلمان الأوروبي.
ويتعيّن على الدول الأعضاء الموافقة على النصّ والتوقيع عليه مساء غد الثلاثاء أو بعد غد الأربعاء كي يتسنّى نشره في الجريدة الرسمية للاتّحاد الأوروبي الخميس، ما يتيح دخوله حيّز التنفيذ في الدقيقة الأولى من فجر الجمعة في الأول من يناير2021.
كما ينبغي على الدول الأعضاء أن توافق على تطبيق الاتفاق بصورة مؤقتة لمدّة شهرين بانتظار انتهاء عملية المصادقة عليه رسميا.
وناقش السفراء خلال اجتماعهم أمس الأول سبل التصدّي للطريقة «العدوانية جداً» و»الشعبوية جداً» التي عرضت بموجبها الحكومة البريطانية اتفاق بريكست والاتفاق التجاري.
وقال الدبلوماسي إن «الاتحاد الأوروبي سيذكّر بما يتضمّنه الاتفاق وبالطريقة التي تمّ بموجبها الدفاع عن مصالح الاتّحاد الأوروبي ضدّ مخاطر المنافسة غير العادلة وبما يتيحه الاتفاق ولا يتيح تجنّبه، لأنّ المملكة المتحدة تغادر السوق الموحّدة والاتحاد الجمركي».
وبفضل الاتفاق، لن تواجه المملكة المتحدة رسوما على التجارة عبر المانش عندما تغادر السوق الأوروبية الموحدة يوم رأس السنة، رغم تخليها عن نصف قرن من الشراكة المتينة.
وأعلن رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون: «استعدنا السيطرة على قوانينا ومصيرنا. استعدنا السيطرة على كل صغيرة وكبيرة من قواعدنا بشكل كامل ومن دون عوائق».
بدورها، أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين «في نهاية رحلة ناجحة من المفاوضات أشعر عادة بالسعادة. لكنني اليوم لا أشعر إلا برضا هادئ وبصراحة، ارتياح».
لكنها حذّرت: «ستكون السوق الموحدة منصفة وستبقى كذلك»، في ظل الاتفاق الذي يحميها من منافسة بريطانية غير منصفة.
كما حضَّت الأوروبيين البالغ تعدادهم 440 مليونا في الاتحاد الذي يضم 27 دولة على طي صفحة السنوات الأربع التي شهدت العديد من الأحداث منذ استفتاء بريكست والتطلع إلى المستقبل.
وأفادت: «أقول إن الوقت حان لطي صفحة بريكست. مستقبلنا مصنوع في أوروبا».
غادرت بريطانيا الاتحاد الأوروبي رسميا في يناير بعد استفتاء أحدث انقسامات عميقة في 2016، فكانت أول دولة تنفصل عن المشروع السياسي والاقتصادي الذي ولد تزامنا مع إعادة بناء القارة في أعقاب الحرب العالمية الثانية.
لكن لندن بقيت ملزمة بقواعد الاتحاد الأوروبي خلال الفترة الانتقالية التي تنقضي منتصف ليل 31 ديسمبر، عندما تغادر المملكة المتحدة سوق التكتل الموحدة واتحاده الجمركي.
وتأخّر إقرار الاتفاق النهائي المكوّن من ألفي صفحة جرّاء خلافات في اللحظات الأخيرة بين الجانبين بشأن تفاصيل حول حق وصول الصيادين الأوروبيين إلى المياه البريطانية بعد نهاية العام.
وقالت فون دير لايين إنه على الرغم من أن المملكة المتحدة ستصبح «دولة ثالثة» إلا أنها ستبقى شريكا موثوقا.
من جهته، أصر جونسون، الذي وصل إلى السلطة عبر تعهّده بـ «إنجاز بريكست»، على أن الاتفاق «جيد لكل أوروبا ولأصدقائنا وشركائنا كذلك».
وتابع من داونينغ ستريت في تصريحات وجهها إلى الاتحاد الأوروبي: «لن يكون أمرا سيئا برأيي أن تكون هناك مملكة متحدة مزدهرة ومرنة وراضية على عتبتكم».
وسارع قادة من أنحاء القارة للإشادة بالاتفاق الذي تم التوصل إليه في اللحظات الأخيرة، ويزيح الخطر من إمكانية خروج بريطانيا من التكتل من دون قواعد متابعة بعد 47 عاما من التاريخ المشترك.
وقال رئيس الوزراء الإيرلندي مايكل مارتن ــ الذي كان بلده العضو في الاتحاد الأوروبي سيتأثّر بشدّة في ظل سيناريو بريكست بدون اتفاق ــ إن الاتفاق يعد «النسخة الأقل سوءا من بريكست التي يمكن تحقيقها».
وتابع: «لا يوجد بريكست جيد بالنسبة لإيرلندا. لكننا عملنا بجد للتقليل من العواقب السلبية».
من جهتها، أعربت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عن «ثقتها» بأن الاتفاق «نتيجة جيدة» للمفاوضات في وقت سيتعيّن الآن على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إقراره.
وذكرت هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) أمس الأول أن اتفاق التجارة الذي توصلت إليه بريطانيا والاتحاد الأوروبي لمرحلة ما بعد انفصال الجانبين يتجاوز اتفاقه مع كندا، مستشهدة بما وصفته بنسخة كاملة من الاتفاق. وقالت الهيئة إن الوثيقة المكونة من 1246 صفحة تتضمن حوالي 800 صفحة من الملاحق والهوامش، مضيفة أن صفحات النص القانوني ستحدد كل جانب من جوانب التجارة بين الطرفين. وكان رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون قد وصف اتفاق اللحظة الأخيرة بأنه اتفاق تجارة حرة «ضخم» على غرار ما تم بين الاتحاد الأوروبي وكندا، وحث بريطانيا على الخروج من الانقسامات الناجمة عن استفتاء الانفصال عن الاتحاد الأوروبي عام 2016. وأضاف تقرير بي.بي.سي أن أحد الملحقات كشف عن تسوية متأخرة بشأن السيارات الكهربائية. وعرض الاتحاد الأوروبي إعفاء كاملا من الرسوم فقط لتلك السيارات البريطانية المصنوعة في الغالب من مكونات أوروبية. وقالت بي.بي.سي إن ذلك سيتم الآن على مراحل على مدى ست سنوات، لكنه أقل سخاء مما طلبته بريطانيا. وأفادت هيئة الإذاعة البريطانية بأن هناك التزاما واضحا بعدم خفض المعايير المتعلقة بالبيئة وحقوق العمال وتغير المناخ عن تلك الموجودة حاليا وآليات إنفاذها. لكنها أضافت أن للجانبين الحق في «إعادة التوازن» إلى الاتفاق إذا كانت هناك «اختلافات كبيرة» في المستقبل يمكنها «التأثير على التجارة».