هوامش ومتون أوهام الجحيم

عبدالرزّاق الربيعي
عندما بلغ الشاعر الإيطالي دانتي باب “الجحيم” في رحلته المتخيّلة التي دوّنها في كتابه “الكوميديا الالهية” قرأ كلمات منقوشة تقول “أيّها الداخل هنا اترك خلفك كلّ أمل”، وإذا كان لكلّ منا جحيمه، ونعيمه الأرضي، والشخصي، فالمساحة تكبر، وتقصر، حسب ظروف كلّ شخص، وقد يكون للنعيم حصة الأسد، لدى السعداء، وقد يكون العكس لدى التعساء، وفي الحالة الأولى يعيشون حياة هانئة، تظهر على وجوههم من أثر النعيم، وتغلّف حياة أصحاب الحالة الثانية المنغّصات التي قد تطفو، وتخرج عن نطاق الفرد، وتلقي بظلالها على الأسرة، ومكان العمل، والمجتمع! سندع الأشخاص الذين ينتمون للحالة الأولى جانبًا كونهم منسجمين مع واقعهم، متصالحين مع أنفسهم، وغالبا ما تجري أحاديث النعمة على ألسنتهم امتثالا لأمره تعالى “وأمّا بنعمة ربّك فحدّث”، ونمسك بتلابيب أصحاب الحالة الثانية، فهم كثيرو الشكوى، والتذمّر، حتى لو كانوا يعيشون في “بروج مشيّدة”! ولهم أسبابهم، وربّما تسيّر “الرغبات، والخبرات المكبوتة منذ الطفولة” حياتهم، وتؤثّر في مستقبلهم، حسب نظريّة طبيب الأعصاب فرويد، مؤسّس علم التحليل النفسي، ومنهم من قرأ مقولة الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر”الآخرون هم الجحيم” فعرف مكان “جحيمه”، وصبّ جام غضبه على المجتمع، ووضع جانبا كلّ أمل، حسب وصيّة دانتي لمن يدخل بوابة الجحيم! حين قرأنا رواية هنري باربوس “الجحيم” في مقتبل حياتنا الأدبية، توقّفنا طويلا عند نموذج بطلها الذي حاول أن يزجي وقته بالتلصّص على حيوات الآخرين، فوجد نفسه داخل دوّامة من التعاسة، والألم، انسجامًا مع المثل العربي القائل “من راقب الناس زاد همّا”، تتحدّث الرواية عن رجل قدم من الريف، للعمل في باريس، فسكن فندقا صغيرا، وفي لحظة من لحظات سأمه اكتشف وجود ثقب في الجدار الفاصل مع الغرفة المجاورة، التي غالبا ما يسكنها شباب يلجأون للفندق ليكونوا بعيدا عن أعين الرقباء دون أن يعلموا أنّ عينا تراقبهم في الغرفة الأخرى لرجل عاش تجربة حبّ فاشلة تركت آثارها على نفسه، فيجد في ذلك فرصة لاستدعاء ما علق في ذاكرته من حبّه القديم، فيرى أسرار ساكنيها، وهم يعيشون حياتهم الطبيعية، كما نرى في تلفزيون الواقع، بما في ذلك من حب، وخيانة، ومرض، وموت، وشقاء، فتلازمه مشاعر الإحباط، والأفكار السوداوية، مثلما ترافقه فكرة الموت، ويبقى على هذا الحال شهرا! فيصبح معزولا لاهمّ له سوى المكوث في غرفته، والنظر لما يجري في الغرفة المجاورة من خلال ثقب صغير في الجدار اختزل العالم كله، ولم ينظر للجوانب المضيئة في حياة من يراقبهم، بل كان يركّز على الفوضى، ومن الطبيعي أن يشاهد تعاستهم، ويعيش تفاصيلها معهم ناسيًا حياته، وماضيه الجميل في الريف، ولو وسّعنا دائرة النظر، لرأينا أن التعاسة تظهر عندما لا نعيش حياتنا، بل ننشغل بحيوات الآخرين مثل بطل “الجحيم”، الذي عاش وهم “الجحيم”. من المؤسف أنّ الكثيرين يعيشون هذا الوهم، خصوصا لدى مَن يكون الوازع الديني عنده ضعيفا، ويشهد الجانب الروحي تراجعا، فيتقمّصون تفاصيله، مثلما يتقمّص الممثل على المسرح دورا أسند اليه، ويوما بعد آخر ينفصلون عن مجتمعهم، وحياتهم، وتتلبّسهم تلك الشخصيات التعيسة، فيشعرون أنّهم في جحيم لا يطاق، وقد يصل اليأس ببعضهم إلى الاكتئاب، ومن ثمّ يضعون حدّا لحياتهم، وهذا النوع، كما يرى المختصّون بعلم النفس، يائس يظنّ أن الأمور بيد الذين أوصلوه الى اليأس، بينما الأمور، من زاوية تفسير إيمانيّة، بيد الله! يقول تعالى (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ) وهنا أودّ أن أسأل مَنْ يكثر الشكوى، ويرى أنه يعيش داخل جحيم أرضي: هل جرّب معاناة من فقد عضوا من أعضائه، وحاسّة من حواسه؟ وأصيب بمرض، أفقده لذّة العيش، ونغّص عليه حياته؟ هل عانى مرارة فقد إنسان عزيز؟ هل تعرّض للتعذيب، والاعتداء؟هل جرّب العيش في خيمة، وسط لسعات البرد، وقرصات الجوع، والتيه في لجّة محيط المجهول، كما يعيش النازحون في مناطق مختلفة من عالمنا؟ هل أقلق ليله صوت طائرات حربية، وقاذفاتها، كما يحدث اليوم لأخوة لنا في أماكن متعدّدة من عالمنا المترامي الأوجاع، والأزمات؟ إن كانت إجاباته بلا، فهو في نعيم!