نوافذ: العلاقات التكافلية

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com
منذ مراحل نمونا الأولى؛ نعي وبوحي الفطرة والممارسة؛ أننا شركاء مع آخرين كثيرين من حولنا، أوجدهم بيت العائلة الكبيرة “الأسرة الممتدة” كأول محطة لهذا التقارب، والتكافل، حيث يسعى الأكبر في رعاية الأصغر، بحكم الواجب، والمسؤولية الاجتماعية، ثم تتسع الدائرة لتشمل القرية، والمجتمع الحاضن للجميع، قبل أن يتسع المحيط أكثر وأكثر حيث الوطن الكبير الذي ينتج عشرات الآلاف من المناخات الحاضنة لهذا التكافل الممتد، والذي تتشعب فيه تعريفات هذا التكافل، ومهامه ومسؤولياته، وشخوصه، وبالتالي؛ وإن ركز علماء البيئة والأحياء على الكائنات غير البشرية في مثل هذا التكافل، وأفردوا له مساحة كبيرة من الشرح والأمثلة، ولم يلتفتوا كثيرا للكائن البشري، فإن الحديث؛ أيضا؛ عن صور التكافل البشري، لا تعد ولا تحصى، وما هذا الامتداد البشري عبر جغرافية الأرض إلا أنه قائم على مثل هذه العلاقات التكافلية بصورة أو بأخرى، يندرج ذلك تحت مصالح آنية؛ أو مؤجلة، لها مقابل؛ أو مجانية، محشورة في مفهوم الربح والخسارة؛ أو نقية طاهرة لا يراد بها إلا وجه الله ـ عز وجل ـ، تبقى في النهاية صور مهمة للتكافل بين الناس، وتبقى صور معبرة عن إنسانية تكاد تكون “مفرطة” في التفاؤل إلى حد كبير، وهذا ما يوسم القضايا الإنسانية بالكثير من الرضا، وبالكثير من الأمان، وهذا في حد ذاته مكسب مهم، لا يمكن تجاوزه في مفهوم العلاقات القائمة بين الإنسان وأخيه الإنسان.
والعلاقات التكافلية تستلهم منبعها وانطلاقتها من الفطرة قبل أن تتداخل معها الجوانب الميكانيكية الأخرى الـ “مفتعلة” سواء على هيئة نداءات استغاثة، أو قوانين منظمة، أو مشاريع متبناة من قبل مجموعة أفراد، أو مؤسسات، ولذلك هي شديدة القرب بالممارسات التي تبديها جميع الكائنات غير العاقلة الأخرى، عندما تتكافل فيما بينها، سواء في الحصول على غذائها، أو الدفاع عن كياناتها، أو الحرص على تكاثرها واستقرارها، ففي كل ممارساتها الفطرية تبدي نوعا من التكافل المنظور؛ بل في أغلب الأحيان عندما يتدخل الكائن البشري في تنظيم هذا التكافل عند هذه الكائنات يحدث إرباك وصدام يؤثر سلبا عن بيئات هذه الكائنات، ولذلك يعد تدخل الإنسان في أنظمة هذه الكائنات؛ تدخلا سلبيا بامتياز، وكلما ابتعد الإنسان كانت البيئة برمتها في أحسن حالاتها.
هناك ممارسات كثيرة، لا أول لها ولا آخر؛ يسعى الإنسان من خلالها لإيجاد نوعا من التكافل فيما بينه وبين أخيه الإنسان الذي يشترك معه “في المنشط والمكره؛ وفي المغنم والمغرم” وهذه ما تشير إليه فلسفة العلاقات التكافلية في المجتمعات الإنسانية ككل، وليس مجتمعا دون آخر، ولذلك نرى عندما تحل كارثة طبيعية؛ على سبيل المثال؛ في بلد ما، كيف أن هناك أناسا كثيرين، يسارعون في تلبية النداء الإنساني المطلق للعون والإغاثة، دون توجيه مباشر من أي جهة كانت، حيث ينشط الباعث النفسي الذي تختزنه الفطر السليمة، فيغدو نورا ساطعا يتقاسم نوره أنوار السماء، ليضفي على من حوله ذلك البعد الإنساني الكبير، في عطائه وتضحياته، وفي انتزاع نفسه من تجاذباته الخاصة الضيقة.
وعلى الرغم من تسلط المادة على الأنفس البشرية، وتأثيرها المباشر في تقليص الهدايا التكافلية، المقدمة؛ أو المتداولة بين بني البشر في تجفيف منابع الضيق، والحاجة، إلا أن الإنسانية لا تزال تستحوذ على النصيب الأكبر من مادتها الإنسانية التي تعظم من صور التكافل، ولذلك فلا خوف على الإنسانية في ضوائقها المادية الكثيرة والمتواصلة، حيث ستظل صور التكافل قائمة بين الناس، وستعزز الإنسانية نفسها بنفسها، كما هو حالها دائما، دون أن تؤثر فيها نوائب الدهر إلى الحد الذي تفقدها هذه المادة الفطرية الخصبة بالعطاء، وبالتضحية، وبنكران الذات في مواقف كثيرة، وممتدة، حيث الـ “ديمومة” الكبرى.