ثرثرة فوق النيل

أمل السعيدية

لماذا نحن بحاجة مستمرة وملحة للجدل؟ ببساطة لأنه يساهم في تدافع الأفكار في نسيج المجتمع الواحد، ولا يقتصر دور الجدل في إحياء تموجات الأفكار في المجتمع فحسب، بل هو مرآة لتناقض الإنسان الفرد نفسه، إذ أننا غالبا لا نتبنى أفكارا محسومة عن الأشياء، خصوصا مع تطور المجتمعات الإنسانية وحضور تعقيدات العيش بشكل ملموس، إذ أن كل قضية تلفها جملة من الأسئلة الأخلاقية، لأن الإنسانية تسعى للوصول لعدالة ظاهرية في تعاملها مع الحياة. أتذكر الآن رواية جومبا لاهيري، “الأرض المنخفضة” والتي تحكي قصة أخوين، ينشآن ويكبران في كالكوتا في الهند، المنطقة التي تعيش واقعا سياسيا خاصا، إلا أنهما وعلى الرغم من صحبتهما المستمرة حتى أنهما يظهران كأخوين توأمين، إلا أنهما يسلكان طريقين مختلفين، الأول ثوري ومناهض للسلطة، يختبئ في الأقبية، والثاني مهادن، يريد حياة برجوازية، متفقة مع التقاليد التي نشأ عليها، ذلك لأن في هذا الطريق سلامة من الشرور التي قد يتعرض لها الثائر. طريق سهلة لا منحدرات كبرى فيها. وتجنب العائلة الكبيرة عيش مشاكل يخلقها الأبناء الذين يكبرون. لقد ظللتُ طيلة وقت قراءة الرواية، أفكرُ أنني الإثنان معا، الذي يهوى الخروج عن السائد ويختارُ لنفسه ما يريده بالفعل، والآخر الذي يجد في هذا المشقة ويريد تجنيب الآخرين من حوله عناء مكابدة الطريق الأول. ألسنا جميعا هكذا؟ وإذا ما أردنا أن نخفف القسوة على أنفسنا نقول: إننا يجب أن نختبر مبادئنا الحقيقية إذا ما وضعت في امتحان حقيقي، فيما عدا ذلك لسنا سوى جملة من هذه التناقضات والشكوك.
رواية ثرثرة فوق النيل لنجيب محفوظ، هي مرآة، للجدل الذي يعيشه الإنسان مع نفسه، بطبيعة الحال فإن هذا الجدل هو انعكاس موازٍ للعالم الخارجي، فمصر الستينيات تكاد تكون مثل كل بلدان العالم في هذا العِقد، المشتعل بفتيل الحروب الأيديولوجية، والتغييرات الجذرية، إلا أنَ شخصيات هذا العمل تقف موقفا سلبيا من كل هذه التغييرات، حالة من الاستسلام، أو العبثية، وإن كانت مفردة “سلبية” غير دقيقة، إذ أن الستينيات كانت حاسمة فيما يتعلق بالتفكير الوجودي في العالم وتبني سرديات جون بول سارتر وآخرين عن الحياة، لم يكن العبثُ إذن مذهبا جديدا، خصوصا بعد الخسائر الفادحة في الحرب العالمية الثانية وفشل مشروع الإنسان مع الحداثة. تلتقي الشخصيات على عوامة تطفو فوق سطح النيل، وصاحبها ولي الأمر كما يطلق عليه في الرواية أنيس، الموظف الحكومي الذي يكاد لا يستيقظ من تأثير المخدر، تصبحُ هذه العوامة ملاذا للعبثيين الذين ينتمون للطبقة الوسطى المصرية، إلا أن تغييرا ما سيدخل مرتادي هذه العوامة في الجدل المشتبك بقضايا تلك المرحلة، عندما تزورهم سمارة بهجت الصحفية وصديقة الناقد الفني علي السيد أحد مرتادي العوامة، سمارة مختلفة، فهي لا تشرب الجوزة، ولا علاقة لها بالمسكرات، وهي جادة جدا، تريد أن تصبح كاتبة مسرحية مهمة ذات يوم، لديها فضول لمعرفة الآخرين والعالم بحق، لا كما يحبون الظهور عليه، إن حضور سمارة يسببُ تنافرا جاذبا على سطح العوامة، فبين الجد والهزل، لمن تنحاز؟ وهل الجديون جديون بالفعل وهل الهزليون هزليون فعلا؟ ولماذا نحن هكذا؟ على الرغم من أن قراءة تقرير سمارة عن رواد العوامة في مذكراتها ذكرتني بمقولة وردت في رسالة من أنايسس نن لهنري ميللر حول التحليلات النفسية للإنسان، في أنها ليست سوى “صيغ ميتة” إلا أنها أثرت فيّ كثيرا. لقد بدت نوعا من الهزل في جديتها!