قراءة في الألفاظ العامية الفصيحة لـ “ديوان أحاديث سمك” وحديث عن محاربة العاميات

في الجلسة الثانية من الملتقى الدولي الأول للغة العربية

تغطية – بشاير السليمية
استكمل الملتقى الدولي للغة العربية أعماله مساء الأحد في جلسة ضمت الدكتور خليفة بن عربي والدكتور جلال آل رشيد. وتقيم الملتقى شبكة المصنعة الثقافية بالتعاون مع صالون فاطمة العلياني احتفاء باللغة العربية، التي صادف الاحتفال بها في الثامن عشر من ديسمبر، وتناولت الجلسة التي أدارها الدكتور سعود الزدجالي استقراء الألفاظ العامية الفصيحة لديوان “أحاديث سمك” للراحل مبارك الخاطر، واقتران هذا الديوان بالأساطير العامية والمفردات العامية، كما تطرقت إلى العلوم اللغوية التي توسعت فأنشأت علوما متخصصة قابلها أهل اللغة العربية باتجاهات متباينة إضافة إلى موضوع محاربة العاميات.
العامية..عربية فصيحة الأصل

وتناول الدكتور خليفة بن عربي في مداخلته مرجعيات الألفاظ العامية الفصيحة ضمن ديوان أحاديث سمك للمؤرخ البحريني مبارك الخاطر، وناقش في البدء عامل التطور اللغوي وما يحدثه التطور الزمني المتصل بتغيرات البيئة الاجتماعية والنفسية والجغرافية التي أفرزت ما يسمى باللهجات العامية وهذه اللهجات لها اتصال وثيق باللغة العربية الفصحى، مشيرا إلى أن دراسة اللغة وما يتعلق بها من ظواهر لفظية ونحوية ولهجية ينطلق من خلال دراسة البنية اللغوية الأولى في إطارها التاريخي.
وتطرق الدكتور بن عربي مصطلح العامي الفصيح وعرفه على أنه مصطلح يراد به تلك الكلمات أو الألفاظ التي يستخدمها عوام الناس في لهجاتهم المختلفة التي تفترق عن اللغة الفصحى في عدة سياقات صوتية ومعنوية وهي في أصلها عربية فصيحة قد استخدمها العرب في لغتهم قديما ولكن هذا الاستخدام أصابه ما يصيب عامة الأمور من تغير وتبدل وقد تكون بعض هذه الألفاظ قد استخدم على شكله الحالي قديما لكن مع تقادم الأزمان انحسر استخدام هذه اللفظة عند العرب بشكل عام. وانتقل بعدها إلى استقراء التجربة التي رصدها الأستاذ مبارك الخاطر في ديوانه الأول “أحاديث سمك”، وأشار أن الخاطر أديب وشاعر ومؤرخ وأن هذه التوليفة محشودة داخل هذا الديوان الفريد كما وصفه.

العلوم اللغوية..واتجاهات أهل اللغة العربية

وفي مداخلة الدكتور جلال آل رشيد نوه في البدء إلى أن العلوم اللغوية الحديثة وبعد أن توسعت وجدنا نشأة تخصصات دقيقة تهتم بجانب معين من جوانب اللغة كالدراسات في نطاق علم الأصوات العام أو الفونولوجيا والدراسات الصرفية الحديثة أو الدراسات النحوية والمعجمية والدلالية، وأشار إلى أنها كانت متداولة عند العديد من علماء اللغة وأن الاهتمام بالمناطق البينية الواقعة بين اللغة وواحدة من العلوم غير اللغوية أدى إلى نشأة علوم متخصصة في تلك المناطق البينية مثل علم اللغة الاجتماعي وعلم اللغة النفسي والثقافي وغيرها. وأضاف : “عندما وجدنا العالم يتطور من حولنا وجدنا أن هناك اتجاهات متعددة ظهرت في عالمنا العربي في إطار تشخيصنا لمدى تقبل أهل اللغة العربية لهذه العلوم اللغوية الخالصة والعلوم البينية ففريق لا يريد أن ينفتح على العالم والعلوم بشكل كامل وفريق يريد أن ينسلخ من ذاته انسلاخا كليا وفريق ثالث يريد أن يتعامل مع هذا التقدم العلمي العالمي بما فيه من تقدم في العلوم اللغوية الصرفة والعلوم البينية التي تعد اللغة إحدى ضفتيها ليأخذ منها ما يفيد في خدمة اللغة لعربية الفصحى”.
وضرب الدكتور آل رشيد مثالا على علم اللغة الوصفي الذي هو أن نتناول بالدراسة العلمية نوعية لغوية محددة كأن تكون لغة واحدة أو لهجة واحدة في زمن معين على إحدى المستويات الصوتية أو الدلالية أو التركيبية أجمع المستويات معا من غير تحليل أي لهجة أو لغة أخرى وبدون تتبع زماني وتاريخي لتلك النوعية اللغوية المعنية، مشيرا إلى أننا سنجد أن النظرة التقليدية ستكون تشكيكية ومتخوفة من هذا المنهج مع أنه منهج علمي عام قابل للتطبيق على سائر النوعيات اللغوية المنتمية إلى أي من العصور الحديثة أو القديمة. وأضاف أن الدراسات اللغوية التقليدية لدى علماء العربية التراثيين لا يمكن النظر إليها في زمانها إلا بوصفها دراسات وصفية غير معيارية وبمرور الزمن تحولت النظرة لتصبح معيارية فيما بعد. وأشار إلى أننا نحتاج إلى الانتقال من نطاق علم اللغة الوصفي إلى علم اللغة الاجتماعي. وأضاف أنه لعله –أي علم اللغة الاجتماعي- يسعفنا في مناهجه وموضوعاته. وقال إن من ضمن ما يتم بحثه علميا في علم اللغة الاجتماعي التخطيط اللغوي الذي يعتبر محاولة منظمة لحل مشكلات الاتصال في مجتمع ما عن طريق دراسة اللغات أو اللهجات المختلفة التي يستخدمها ذلك المجتمع وتطوير سياسة واقعية تعنى بعملية اختيار تلك اللغات أو اللهجات واستخدامها.

لماذا نحارب العاميات؟

وفي الحديث عن محاربة العاميات أكد الدكتور جلال آل رشيد أن الحديث عن محاربة العاميات لا يعني التصغير من شأن العاميات لأنها في نظره هي التطور التاريخي الطبيعي للغة العربية لولا وجود نصوص مقدسة عندنا نحن المسلمين على ما يربو على 1400 عام واحتياجنا إلى هذه الفصحى احتياجا خاصا لوجدنا أن هذه العاميات مهمة ويعتقد أن وجود القرآن الكريم ووجود التراث الإسلامي هو الذي ربط العرب عاطفيا ونفسيا يتلك الحقبة الزمنية من التاريخ. وفي سؤال لماذا نحاربها؟ قال إن المسألة أننا نحب أن تكون عندنا فصحى موجودة وندافع عنها أما العامية فبسبب ما يسمى بمصطلح الاكتساب اللغوي سوف تدافع عن نفسها بنفسها وليست بحاجة إلى من يدافع عنها، وأضاف: “الفصحى تحتاج إلى الدفاع عنها لأنها ليست اللغة المكتسبة في البيت فهي ضعيفة عند الأفراد والمجتمع ولولا العملية التعليمية لضاعت وانزوت في الدوائر الضيقة”.

اقتران الأساطير والألفاظ العامية بالفصحى في ديوان “أحاديث سمك”

وفي سؤال اقتران العامية بالأساطير وألفاظ في التجربة الشعرية في المدونة التي درسها الدكتور خليفة بن عربي وإلى أي مدى كانت الفصحى تستطيع أن تعبر عن الإشكالات الثقافية بشأن الأساطير لو أن الشاعر استخدم المفردات الفصحى، قال الدكتور بن عربي أن الميزة المهمة في الديوان أن ما قام به الشاعر في أن الروايات والقصص والأساطير التي تلقيناها من آبائنا وأجدادنا بلغة عامية صرفة أعاد تشكيلها بلغة عربية فصيحة موزونة وهذا الشيء الجديد في الموضوع وهنا برزت براعته إضافة إلى تطعيمه لها بالألفاظ العامية الفصيحة وهنا مكمن جمال المدونة. وقرأ منها نص “أبو البالول” وهو صغير سمك الهامور. وأضاف: “من خلال هذا النص جعلنا نعيش داخل الجو الفصيح على الرغم من استخدامه ألفاظا عامية وأسطورة عامية”. وهنا يؤكد بن عربي ارتباطنا باللهجة العامية، مشيرا أيضا في هذا السياق أنه يجب تعزيز اللغة العربية الفصحى في التعليم وفي مجال الخطاب الرسمي اللذين يجب أن يكونا فصيحين ولا يصح أن نحيد عن ذلك، أما اللهجة العامية المحكية اليومية يرى بن عربي أن نعزز الفصيح فيها، وأن نبتعد عن اللهجة العامية المكسرة خاصة مع غير الناطقين باللغة العربية. وأن الاعتقاد أن اللهجة العامية أقرب للناس من اللغة الفصحى خطأ كبير يقع فيه الكثير وصفها بن عربي بالكارثة التي تبعد الناس عن اللغة العربية بالفصحى وتقلل من قدرات الناس بالفصحى.