ارحموا من في الأرض

أمل الشنفرية
أصبحنا على أعتاب عام جديد لنودع بذلك عام 2020م، الذي حمل معه الكثير من الأحزان لمعظم البشر في أرجاء المعمورة. فارقنا أحبة أدمى فراقهم القلوب وترك فراقهم جراحا غائرة في النفوس لن تلتئم، وستظل ذكراهم محفورة في مخيلتنا إلى يوم لقياهم في عالم الخلود، فروح وريحان على أرواح ملأت الدنيا طيبًا وحبًا وتفانيًا، وسلام على من تتوق النفس لرؤية محياهم. إن عام 2020م ترك أثرا ثقيلا على كل بيت بطريقة أو بأخرى فإن لم يكن بفقد الأرواح كان هناك فقد الأموال والوظائف وانهيار اقتصاد الدول، فهي سنة لم تُبقِ ولم تذر.
وأبى هذا العام أن يودعنا دون أن يكمل مسيرته نحو بقية الكائنات الحية فكان لا بد له أن يشمل في عطاياه الحيوانات والحجر والشجر. نعم الحيوانات والجماد التي ليس لها لا حول ولا قوة وليس لها ذنب فيما اقترفته أيدي بني البشر نالها نصيبها من البؤس وشقاء هذا العام. فقد صب بني البشر جام غضبهم على أرواح رحمها الله لضعفها وأوصى بالعطف عليها نبينا الكريم فرسالة نبي الرحمة إلى العالم أجمعين رسالة عامة تحمل الخير والنعمة والعدالة إلى كل المخلوقات في الكون. فقد وضعت الشريعة الإسلامية أساس العدل لجميع المخلوقات ليشمل رعاية حقوق الحيوان بما تشمله من العدالة وتجنب الظلم والجور في التعامل مع هذه المخلوقات التي سخرها الله سبحانه وتعالى للإنسان.
فديننا الحنيف آجر وأثاب كل من أحسن تعامله مع الحيوان فعن أبي هريرة عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: ((بينما رجل يمشى فاشتد عليه العطش فنزل بئرًا فشرب منها، ثم خرج فإذا هو بكلب يلهث، يأكل من شدة العطش قال: لقد بلغ هذا الكلب مثل الذي بلغ بي، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، ثم رقى، فسقى الكلب! فشكر الله له، فغفر له))، قالوا يا رسول الله! وإن لنا في البهائم أجرا؟، قال: ((في كل كبد رطبة أجر). وكما أثاب ديننا الحنيف من أحسن للحيوان فقد نهى عن تعذيبه أو حتى تحميل البهائم ما لا تطيق من الأحمال، حيث وبخ النبي الكريم يوما فتى من الأنصار بسبب تعامله السيئ مع جمله حينما كان يجيعه ويتعبه.
بل توعد النبي الكريم كل من يقوم بتعذيب الحيوان أو قتله دون سبب بأشد العذاب وهو عذاب جهنم فقد ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- حال امرأة دخلت النار بسبب هرة حبستها، فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. ومن أشكال التعذيب الكي بالنار، فقد مر النبي عليه الصلاة والسلام مرة على حمار قد وسم في وجهه من خلال الكي فقال: (لعن الله من وَسَمَهُ)، فالراحمون يرحمهم الله فارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، فلا تنزع الرحمة إلا من شقي. هناك الكثير من الأمثلة على رحمة ورأفة ديننا الإسلامي الحنيف ورسوله الكريم بالحيوان فهي مخلوقات الله في الأرض وهي تُسبح لله جميعًا فقال تعالى في سورة الأنعام آية (38): (وما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ۚ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ). كما قال تعالى في سورة النور (آية 41): (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ). فأعجب بعد كل ما ورد في القرآن الكريم عن من وصفها الله سبحانه وتعالى بمخلوقاته التي تسبح بملكوته، وبمن وصى رسول الإنسانية الذي شملت إنسانيته كل الكائنات بالرفق والعطف والنهي عن تعذيبها أن نرى في مجتمعاتنا، وهي مجتمعات مسلمة منهجها الكتاب والسنة، أنواعا من التنكيل بالحيوانات بل وصل الأمر إلى التسلية والاستمتاع بآلامها بطريقة لا يقبلها عقل إنسان سويّ في صور شتى من التعذيب فتارة عن طريق التسميم لتُترك هذه الحيوانات للموت البطيء دون شفقة، وتارة يُقتل أطفالها أمامها حتى يستمتع القاتل برؤية دموع هذه الكائنات الضعيفة مفطورة القلب على فلذات أكبادها. وتارة أخرى تُربط دون رحمة لتترك لمصيرها المحتوم تتضور جوعًا حتى الموت. فإن كانت هذه المخلوقات لا تنطق فهي تحس وتفهم ما يجري حولها.
فهذه جرائم يندى لها الجبين في حق مخلوقات لا حول ولا قوة لها ولا صوت لشكواها، هل هذه الصورة الحضارية التي نريدها أن تُنقل عن مجتمعنا المحافظ المسلم المعروف عنه طيب خُلقه! لماذا هذه الوحشية مع كائنات الله في أرضه وهي لا تطلب منا غير فتات طعامنا!، لماذا لا يخصص لها جزء صغير من مساحة على أرض الله الواسعة التي منحها للإنسان والحيوان معًا لتترك كل سائبة تجد رزقها فيها إن كانت مصدر إزعاج للبعض بدل من قتلها بالرصاص أو تسميمها، فقيمة الرصاصة أو السّم يمكن أن تطعم هذا الحيوان لسنة كاملة، فليس من حق مخلوق إزهاق روح كائن دون ذنب اقترفه أو سبب كذبح الحيوانات لأكلها على سبيل المثال. إن تقدم الأمم ورقيها وتقدمها الأخلاقي ينعكس من خلال التعامل مع كل الفئات الضعيفة بما فيها الحيوان الذي يجب توفير المرافق الخاصة له، والرعاية السليمة والإحسان ومعاملته بالرحمة والشفقة. من حق هذه المخلوقات التي ليس لها صوت أن يُسمع صوتها عن طريق من كان له صوت ويستطيع إيصاله مثلها في ذلك مثل كل ضعيف.
ومن هذا المنبر الذي أوصلنا منه أصوات الكثير من الفئات الضعيفة قبل ذلك نوصل أيضًا صوت هذه المخلوقات التي ليس لها حول ولا قوة لتصل إلى كل قلب رحيم وبيده القرار لوقف مثل هذه الانتهاكات في حقها، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته وهذه الرعاية تشمل حتى الطير الذي يحلّق في السماء. فلنتقِ الله في كل مخلوقاته وليكن عنوان أخلاقيات مجتمعنا هو الإحسان لبعضنا بعضًا ولكل فئة ضعيفة وحمل الأمانة التي أؤتمنا عليها وهي التعمير والبناء وليس الخراب وسفك الدماء. فلتمضِ 2020م، سنة الآلام والأحزان ولتكن لنا منها العبر والدروس ولتطوى محنها، وإن لم تُنسَ أحداثها أبد الدهر، لنعبر ذكراها متوشحين بإيماننا بالله وبما كتبه لنا، وذلك لنستطيع أن نخطو خطوات جديدة في طرقات الحياة ملؤها التسامح والإنسانية التي هي نبراس حضارتنا وشعلة نحملها لتضيء لنا المستقبل الأكثر إشراقًا، ولتملأ قلوبنا الرحمة ببعضنا بعضًا وبكل ما حولنا مما خلق رب الكون على وجه هذه البسيطة. ليرحمنا من في السماء ويزيل عنا البلاء.