اليوم العالمي للغة العربية احتفاء وأسئلة

فاطمة الشيدية
والعالم يحتفي باليوم العالمي للغة العربية في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام يستشعر المحب لهذه اللغة أهمية هذا الاحتفاء لتعريف الآخر بهذه اللغة العظيمة التي استوعبت حضارة علمية وفكرية أنارت العالم وعلمته في مجالات المعرفة الإنسانية، ويستحضر قيمتها كهوية راسخة في زمن تتداخل فيه الهويات وتتلاشى أحيانا كثيرة. إلا أن ما يجب فعلا أن يشغلنا في هذه المناسبة _خارج فكرة الاحتفاءات الكرنفالية السطحية والهشة غالبا _ هو فكرة استمراريتها في الزمن واتساع رقعة انتشارها في المكان، سواء على لسان أبنائها أو من يتعلمها من الشعوب الأخرى، والسبل الناجعة لذلك أكثر من أي شيء آخر، وبالتالي تذليل الصعوبات وإزالة العوائق التي قد تحول دون الانتشار والخلود اللائق بها.
لذا في هذا اليوم ينبغي الانتباه جيدا -بعيدا عن المسلمات التي يركن إليها البعض والتي أثبتت لاجدواها_ أن اللغة كائن حي يتنفس ويمتد ظله من الداخل للخارج، ومن الماضي للمستقبل، وأنها أداة تفكير ينبغي أن تظل دائما متطورة ومتغيرة لتواكب الحاجة والعصر وبذلك فقط تتجدد وتنمو، في حين أنها بالثبات والإهمال قد تتقلص وتتراجع. كما علينا أن ننتبه أن اللغة العربية _ رغم ثبات مصادرها_ هي لغة متغيرة ككل اللغات والدليل على ذلك اللغات الكثيرة التي تنسلخ منها يوما بعد يوم، والتي قد لا تشبهها كثيرا في أسسها المعيارية كما أنها قد تقتل أمها كما يحدث مع بعض الشجر؛ ولذا يظل الخوف من اللهجات على اللغة المعيارية التي يعيش نخبتها الكثير من أوهام القوة والديمومة والحفظ_ مبررا ولكنه ليس قطعيا، فهذا الحضور متى ما كان طبيعيا قد يشكّل رفدا للغة الأم تبدأ دورته الحياتية على لسان المتحدث بها جامعا بين القديم والجديد مسعفا اللغة المعيارية الأم في تراجعها التدريجي من الألسنة والأقلام لتسكن المراجع والكتب فقط. لذا يجب الأخذ بعين الاعتبار أهمية ذلك التناسل الحميد؛ فمع تباين مستويات اللهجات بما في ذلك الرقمية التي تتشكل كلهجات جديدة تماما خارج اللهجات المعروفة، وانفصالها الحاد عن الفصحى أيضا إلا أن ذلك ليس شرا محضا بل يمكن أن يستثمر لصالح انتشارها بأن تقلص الفجوة بين المنبت والفروع، فكل اللغات لديها لهجات تنطلق من ذات النبع وتصب في ذات المصب.
ولعل مواقع التواصل الاجتماعي خير دليل على ذلك حيث تشكل لغة موازية لحياة موازية بأخطائها واشتقاقاتها المستحدثة وبنحتها المستمر، وأخذها من اللغات الأخرى بعيدا عن الترجمات أو إيجاد المصطلح المناسب في الوقت المناسب الذي تقصّر فيه مجامع اللغوية كثيرا وبالتالي يتأرجح دورها بين ضرورة لا تأتي في وقتها، وترف مؤسسي. إن اللغات المنبثقة من العربية في الرقمية والإعلام تتسع يوما بعد يوم لتثبت أن اللغة أداة اتصال وتواصل أولا، وأنها كائن حي ينمو ويتطور في الظروف الصحية والطبيعية للحضارات الإنسانية بمنجزاتها المادية والفكرية وبالتالي فهي تحمل كل هذا عبر ممكاناتها وطاقاتها المتجددة وتستوعب التغيرات وتصنع البدائل التي تستوعب الجديد بلا كثير عناية أو تنظير وهذا شأن اللغات الحية جميعا. كما تثبت أن اللغة العربية حية ومتجددة وقابلة للتحرر من القوالب وأنها لغة عظيمة يمكن أن تواكب الزمن بمرونة وحيوية. إن اللغة كائن يولد من حاجة الإنسان للتواصل والاتصال ويتحرك في منطقة هذا الفعل الاتصالي أولا وأخيرا فينمو ويتجدد، كما أنه قد يمرض أو يهرم في الظروف غير الصحية ولذا يجب الاهتمام بكل ما ينشأ عنه، وعدم الخوف منه أو وصفه باللقيط أو المنشق، بل الاعتناء به ببث ماء الحياة فيه أبدا وإتاحة الفرصة له ليتنفس ويتحرك وينتج الجديد دائما في تقارب مع الجذور الأمومية التي يجب تخليصها من فكرة التحنيط في مستوى ثقافي محدد أو لغة معيارية نصية ثابتة قد يدفعها الزمن وعدم الاستخدام للتقلص على نفسها، ويفتح الباب للغات أخرى لتحل محلها.
إن اللغات الحية تتطور لتستمر وتنتشر وهذا ليس ببعيد عن العربية فهي سنّة الميلاد والحياة وليس عكسها إلا الفناء والتلاشي للغة ما. وإذا كانت لغة الاتصال تتخلق جديدة في الشارع بمهارات الاستماع والتحدث وفي مواقع التواصل الاجتماعي قراءة وكتابة كحالة تداولية فماذا عن النص الأدبي وإلى أي مدى تسري فيه سنة التغيير وتتحرك مفرداته نحو التجدد مع متلق لا تحتمل خفته؟ فكما أن اللغة أداة اتصال وتواصل فالمتلقي هو الموازي للنص الأدبي، ونحن اليوم أمام متلق جديد تماما بخفة وسرعة الحياة، ولذا فتغير مستوى التلقي يدفع بالضرورة لتغير مستويات النص، كما أن الناص بشكل ما هو متلقٍ للغة عبر وسائطها اللغوية.
وهنا يجب أن نتساءل هل ما زالت الوسائط المرجعية بمعجميتها وبلاغتها الرفيعة التي تمثل التراث هي المرسل والرسالة الأهم للمتلقي الجديد والمرسل الجديد أيضا؟ وهل هناك علاقة طردية بين الشيوع والانتشار بمعنى هل تقابل اللغة الجديدة بروافدها المعرفية المتسعة عبر الزمن والمكان وخارجهما في الوسيط الرقمي النص الجديد بمعجمه الجديد وطاقاته البلاغية المتجددة بعيدا عن قيود البلاغة والمعجم القديمين؟ وهل يرعب هذا النص بحتمية تطوره التاريخي ودوره التجديدي في هيكل اللغة ولبوسها القواعدي ولبها المعرفي والفكري أهل اللغة من علماء ولغويين في مجامع اللغة العربية؟ وهل هناك دراسات للتطور الذي يحصل لهذا للمعجم وللقواعد اللغوية صرفا ونحوا في مستوييها الاتصالي والنصي بشكل جمعي غير قصدي يؤخذ بها لتطوير هذه اللغة؟ وبالتالي هل هناك ضرورة حتمية لمراجعتها لضمان استمرارية اللغة وسهولة تعلمها مع التطور التقني والانفتاح المعرفي؟ وهل الاهتمام المتزايد باللسانيات بشكل عام واللسانيات التداولية بشكل خاص يفضي بالضرورة للتسليم بتطور اللغة وتجددها وبالتالي حتمية تجديد أدواتها المعرفية؟ فهناك دور يجب أن يقوم به علماء اللغة للاهتمام بدراسة تطور اللغة ودعمه بالأسس والنظريات الجديدة كي لا تظهر عربيات موازية منشقة تخرج على قواعد العربية تماما لتلبي حاجة المجتمعات للغة ميسرة وسلسة للتعبير عن حاجات الإنسان خارج مجامع اللغة العربية وجامعاتها. أسئلة كثيرة يجب أن تسأل في هذا اليوم؟ ووقفات حقيقية يجب أن يقفها من يرى نفسه في موقع المسؤولية بكل مستوياتها ومن المستفيدين من هذه اللغة بوصفها وسيلة للتواصل عند الجمهور، أو أداة للتفكير عند العلماء، أو هوية للشعوب وللدول وهو البعد الأشمل والأعمق.