لست ذاهبة للجحيم

خالد بن سعيد المشرفي –

كم فطرت من قلب وقد تركت خلفها رسالة كتبتها سريعا وضمنتها بعضا من أفكارها ومشاعرها وهواجسها وبثت فيها شيئا عن وضعها النفسي والحالة والظروف العصيبة التي تمر بها.
كثير ما كتب حول الفاجعة من وجهات نظر متعددة وقد تكون متباينة ولكلٍ وجهة نظر ولكلٍ وجهة هو موليها وهنا أود أن أقدم رؤية متواضعة للحدث الفاجع إذ غدا قضية رأي عام.
أولا: الاكتئاب
مرض الاكتئاب من الأمراض النفسية شديدة الوطأة على الإنسان قد يتطور بحيث لا يتمتع الشخص بكامل قواه العقلية ويصبح رهين إملاءات حالته المرضية رأينا أناسا أصيبوا بالوسواس القهري يعيدون صلواتهم عدة مرات رغما عنهم وقد يعيدون الوضوء وبعضهم يعيد فاتحة الكتاب ليصل إلى اطمئنانه أنه قرأها صحيحة رغم قراءتها صحيحة لكنه لا يجد بدا من إعادتها رغما عنه وقد يصل الاكتئاب بالشخص إلى الانتحار بسبب اعتلال الحالة المزاجية وفرط الإحباط والشعور بالوحدة واليأس.
ما أود التركيز عليه هنا هو أن المريض بالاكتئاب قد يفعل ما يفعل دون كامل إرادته الحرة وهذا ما أكده متخصصون في الأمراض النفسية وقد أصبح هذا في عداد الحقائق العلمية فكيف يحكم بالإلحاد على شخص ليس بكامل قواه العقلية وإنما كان ذلك تحت تأثير حالة نفسية قاهرة من الإحباط واليأس من الحياة؟ كيف يقال أنه قتل نفسه أو أنه يلحقه وعيد من قتل نفسه من كان هذا حاله؟
ثانيا: الإلحاد
ورد في الرسالة المنسوبة بعض الهواجس التي فُهم منها إنكار وجود الذات الإلهية وهو ما يترتب عليه أحكام في الشريعة الإسلامية الغراء لكننا عندما نناقش القضية علينا أن نستحضر كيف يتم الحكم على الشخص بالشرك أو الإلحاد أو الخروج من الملة عموما على شخص هو في الأصل مسلم؟ كيف نحكم بمجرد هواجس وخواطر مرت بها فتاة في مرحلة بحث عن الذات أو مراهقة فكرية؟ كيف لنا أن نحكم على شخص بالخروج من الملة قبل مراجعته مرارا بوسائل مختلفة شرعية ونفسية وعلمية وغيرها وعلى فترات زمنية متباعدة؟
فكرة «الاستتابة» في التراث الفقهي أساسية ومركزية في هذا الموضوع تحديدا ولا بد من التأسيس عليها وتطويرها كمراجعات فكرية أو بما يناسب معطيات العصر كما أن فكرة إخراج الناس من الملة تصريحا أو حتى تلميحا أمر عظيم والعلماء كانوا يتهيبونه أشد الهيبة وكثيرا ما يرددون (إياك ثم إياك أن تحكم على أحد من أهل القبلة بالإشراك) ثم هل يحق لنا أن نفتش في عقول المراهقات وصغيرات السن عن أي أمر موهم للإلحاد من هواجس أو تساؤلات أو مواطن حيرة أو شك أو قلق ظروف كثيرة ساعدت في بروزها بداية من سيولة المعرفة وانتهاء بدور الأسرة الذي أصبح شبه معدوم مرورا بنوعية التدين الذي نمارس ونطلب من الجميع الإيمان به دون أن نفرق بين ما هو قطعي وغير قطعي ومعلوم من الدين بالضرورة وغيره.
إثبات حكم الشرك أو الإلحاد بالنسبة للشخص الحي يحتاج إلى إقرارات عديدة بل ومغلظة تؤكد أنه مؤمن بما يقول ويعي ما يقول وأنه بكامل صحته العقلية والنفسية فكيف السبيل إلى كل ذلك بالنسبة لمن فارق الحياة وهل تلك الأوراق كافية لإخراج شخص مسلم من الملة؟.
من نافل القول التأكيد أن من لوازم الذوق الاجتماعي أن نجامل الآخرين مهما كانوا مختلفين معنا ما دمنا نعيش في مجتمع واحد فالنبي عليه أفضل الصلاة والسلام وقف احتراما عندما مرت به جنازة يهودي هذا بالنسبة للمختلف في الدين فكيف بالمسلم الذي من حقه علينا الترحم والدعاء مذكرا أيضا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه).
كل تلك المقاربات لا تخرج عن إطار أن الدين هو رحمة للناس (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وأنه مبني على الاختيار وقد قال الله لنبيه (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) وأن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه.
إن الواقع يفرض علينا أن نقترب أكثر من أولادنا نستمع إلى أفكارهم ونصغي إليهم إننا في عالم مفتوح وفضاء تسبح فيه كل الأفكار الصحيح منها والخاطئ والحقيقة والوهم والواقعي والأسطورة وهو ما يستوجب منا سعة في الصدور ورحابة في الأفق وتفهما أكبر وفي الأخير كل مقدر كائن لا محالة.