سفيتلانا ألكسيفيتش: أنا مرعوبة مما يجري الآن

الحاصلة على جائزة نوبل للآداب –
حوار: توبياس راب ـ فولكر فايدرمان
ترجمة: أحمد شافعي

لوقت طويل بقيت سفيتلانا ألكسيفيتش صامتة. في أواخر سبتمبر، تركت الكاتبة بيلاروسيا لتتلقى العلاج في برلين حيث تلقت زيارات من أعضاء في الحكومة الألمانية والبرلمان الألماني البوندشتاج. لكنها لم تدل بأي حوارات. غير أنه حينما أذيع أخيرا خبر تعرض شاب في مينسك لضرب أفضى إلى موته على أيدي قوات الأمن، قررت أن تتكلم.
منذ الصيف يتجمع آلاف المتظاهرين بانتظام في العاصمة البيلاروسية للقيام بمظاهرات سلمية ضد رئيس البلد ألكسندر لوكاشنكو الذي قام قبل الانتخابات باعتقال سياسيين بارزين في المعارضة، فاتهم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حكومة مينسك بارتكاب تزوير واسع النطاق للانتخابات وفرضا عقوبات على النظام.
تشعر ألكسيفتش، البالغة من العمر اثنتين وسبعين سنة، بقلق بالغ على بلدها. تقول إنها تتلقى كل صباح رسائل إلكترونية تجري دموعها. عرضت القليل منها على دير شبيجل وتبين أنها تحتوي على صور أيد مسحوقة ومبتورة وأجساد مثخنة الجراح، وأنها جميعا صور سجناء يتعرضون للتعذيب في سجون بيلاروسيا.

■ ألكسيفيتش، منذ أسابيع غادرت وطنك بيلاروسيا لتلقي العلاج في ألمانيا. كيف حالك؟
أعاني ألما عصبيا، خللا مؤلما في وجهي. لكنني الآن قادرة على الكلام، فقد هدأ العصب. وأنا بخير.
إلى متى تخططين للبقاء في برلين؟
إلى أن يذهب ألكسندر لوكاشنكو. ما يفعله كارثي. منذ تزوير الانتخابات في أغسطس، تعرض 27 ألف شخص للسجن: علماء وأساتذة جامعة وأناس عاديون وعمال وطلبة. ناس من مختلف مناحي الحياة. لوكاشنكو يخرب البلد.
هل كنت في خطر أنت أيضا؟
كنت عضوا في مجلس تنسيق المعارضة. في البداية، كنا سبعة، ولكن البقية اعتقلوا واحدا تلو الآخر، أو هربوا من البلد. ولما صرت الحرة الوحيدة الباقية قال لي بواب حارس العمارة التي أقيم فيها: احترسي، ولا تخرجي. في الشارع ينتظرونك. فطلبت من أصدقاء وصحفيين أن يحضروا إلى شقتي لكي لا يجرؤوا على الصعود. جاء كذلك بعض سفراء دول الاتحاد الأوروبي.
يبدو هذا دراميا بعض الشيء.
لوكاشنكو لا يبالي باحتياجات المجتمع. اعتُقل حتى الآن 50 طبيبا، برغم وضع فيروس كورونا الدراماتيكي وامتلاء المستشفيات بما فوق طاقتها. هناك طبيب قلب شهير في مينسك رفض أن يفصل أطباء شبابا شاركوا في المظاهرات ففصل هو نفسه نتيجة لذلك. وبالأمس، تلقيت رسالة بأن منزل إجازات يخصه قد حرق. وترك الجناة وراءهم رسالة تهديد ودمية تمثله مطعونا. مينسك كلها ممتلئة بقوات خاصة مقنَّعة تستوقف الناس بلا تمييز وتعتقلهم. إنها حرب أهلية مهجنة، بين أتباع لوكاشنكو والنصف الآخر من الشعب.
ومن أتباعه؟
هناك أشخاص طبيعيون تماما من الشعب يناصرونه، ربما لخشيتهم من فقدان شيء ما. لكنه في المقام الأول مدعوم من فلول النظام السوفييتي. أنا نفسي دهشت من سرعة رجوع كل شيء سيرته الأولى، ومن ذلك طرائق الخدمة السرية من حقبة ستالين. لقد هزمنا الفاشية في الحرب العالمية الثانية وأنشأنا لقاحا متأصلا مضادا لها. ولكننا نفتقر إلى أي دواء للجولاج «المعتقل» ولستالين. لذلك يبدو أنه يمكن تنشيط الآليات القديمة في أي وقت.
قلت في هذا الصيف إنك وقعت مرة أخرى في غرام الشعب البيلاروسي.
أتذكر بدقة كيف بدأ هذا، قبل وقت طويل من الانتخابات. لكي يحصل شخص على اعتراف كمرشح للرئاسة لا بد له من جمع مائة ألف توقيع. وذات يوم وأنا أتسوق في سوق قريب من بيتي، لم أصدق ما رأته عيناي: كان ثمة طابور لا يقل طوله عن 5 كيلومترات. كانوا منتظرين للتوقيع لفكتور باباريكو الذي أراد الترشح للرئاسة. سافر الناس لمسافات بعيدة كي يفعلوا ذلك. أي شخص إلا لوكاشنكو. كذلك كانوا يقولون. لم أعد أعرف شعبي.
ولم يمض وقت طويل حتى اعتقل باباريكو ولم يسمح له قط بخوض الانتخابات.
عمل لوكاشنكو على اعتقال جميع الأسماء المهمة المرشحة أو دفعهم إلى المنفى. ولكن النتائج لم تأت على النحو الذي كان يرجوه، لأن زوجات أولئك الرجال ترشحن بدلا منهم، ولقين موجة جديدة من الحماس. فأينما ذهبت أولئك النساء، كان آلاف الناس يحضرون لرؤيتهن. كان الرجال في السجن والنساء في الحملة الانتخابية. ذلك شيء ما كان يمكن تصوره من قبل.

ثورة نسائية؟

سفيتلانا تيخانوفسكايا ترشحت مكان زوجها، فيرونيكا تسيبكالو ترشحت بدلا من زوجها فاليري، زوجة باباريكو ميتة، ترشحت مديرة الحملة ماريا كولسنيكوفا نيابة عنه. لوكاشنكو لا يعرف فعلا ماذا يفعل في النساء وقد دأب على تشويههن. كل ما يهمه هم من في الجيش. استهان بالنساء، إلى أن انتشرت المظاهرات الداعمة للنساء حتى وصلت إلى القرى.
من أين تأتي قوة نساء بيلاروسيا؟
النساء هن اللاتي أبقين على تلاحم البلد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. اكتأب الرجال آنذاك وبدأوا يشربون. حملت النساء حقائب كبيرة إلى البلاد المجاورة وبدأن يبعن أشياء. والشبكات التي نجمت عن ذلك كان قوامها الأساس من النساء. بالنسبة إليّ، كان أمرا لا يصدق أن أرى كل أولئك النساء في المظاهرات. لم أكن أعرف أن في بيلاروسيا كل تلك الكثرة من الجميلات.
سرعان ما تبين أن هناك تلاعبا في الانتخابات. كيف كان رد فعلك؟
كانت الفكرة الكامنة وراء مجلسنا التنسيقي هي تولي السلطة دونما عنف أو إراقة دماء. كان يفترض أن تكون المظاهرات احتفالية. لذلك ذهبن إليها بالزهور. أردن تقديمها للرجال ذوي الأقنعة السوداء. أردن أن يدركوا أنه نصر لهم. في بيلاروسيا، لدينا دائما انطباع بأن التاريخ رحل وتركنا وراءه. فمن ذا الذي يريد أن يكون آخر الجمهوريات السوفييتية في أوروبا؟ فجأة بدأت الأمور تتبدل. كانت المظاهرات أشبه بميلاد أمة جديدة.
وردَّ لوكاشنكو على المظاهرات السلمية بالعنف. هل كنتم مفرطين في التفاؤل؟
لقد كانوا يجهزون لهذا الوضع منذ أمد بعيد. المعدات كانت تتراكم، والناس كانوا يستعدون وينتظرون. وحدث التحول بسرعة. فجأة، استشرت الأعمال الوحشية في كل مكان، وأطلق الرصاص، وتطايرت قنابل الدخان المسيل للدموع. أنا أعيش في عمارة عالية، ومن شباكي، كنت أرى سحابات الغاز المسيل للدموع تحوم فوق المدينة. سمعت الجلبة، وانفجارات الخرطوش، وصافرات عربات الشرطة. وجدتني أبكي. ثم علمنا كيف كان يعامل الناس في السجون، كيف كانوا يتعرضون للانتهاك. يختفون. بعض أولئك المعتقلين لم يظهروا حتى يومنا هذا. تلك كانت الصدمة الثانية.
من الذين يرتكبون هذه الأعمال الوحشية؟
ليسوا رجال شرطة مدربين. هم أناس تم تكليفهم بإخماد الثورة. وحصلوا على تصاريح بارتكاب ما يشاؤون من أعمال القسوة. شباب زوَّدهم النظام بالأسلحة والسلطة.
أشيع لفترة أن رجال شرطة من روسيا شاركوا في الأمر أيضا.
ظننت ذلك أنا أيضا. لم أستطع أن أتصور أن ناسا منا يهاجمون أهلهم بتلك القسوة. لكن ذلك ما حدث. يبدو أن لوكاشنكو سأل وزير دفاعه الحالي إن كان مستعدا لوقوع أي شيء. هناك أيضا شباب كانوا في الجامعة العسكرية وقالوا إن أسئلة طرحت عليهم منها «هل أنت مستعد لقتل أبويك دفاعا عن البلد؟»
ماذا سيحدث بعد ذلك؟
مجلس تنسيق المعارضة لم يعد موجودا الآن. أعضاؤه في السجن، أو كانوا فيه، وطردوا من البلد أو هربوا طواعية. هناك مجلس جديد لكن أسماء أعضائه محجوبة حرصا على أمنهم. ويجري التواصل من خلال مواقع التواصل الاجتماعي. لكن لدي شعور بأن الناس في الغرب لا يفهمون ما يجري في بيلاروسيا. إن ما نمر به هو عنف قاس ضد شعب من الأبرياء. السجون المكدسة بأناس كل جريمتهم أنهم شاركوا في مظاهرات. الناس يتعرضون للإهانة بشكل ممنهج. المراحيض كثيرا ما تخلو من المياه والزنازين المصممة لاستيعاب 5 أشخاص يوضع فيها 35 شخصا. يتحتم على السجناء أن يناموا واقفين لأيام، وأحيانا لأسابيع. ولا أعرف قصصا مثل هذه إلا في عهد ستالين. ثمة سعي ممنهج لكسر الشعب. رأيت الكثير من الفظائع في بلدي، لكنني لم أزل مرعوبة مما يجري. نحن بلد صغير عزيز يحارب قاتلا مجنونا، في وسط أوروبا! والعالم صامت. ما الجرائم التي ارتكبها أولئك الناس؟ يريدون انتخابات جديدة. يريدون إلغاء نتائج انتخابات تم تزويرها على مرأى من الأعين. وماذا يقول لوكاشنكو؟ لا، لا أتنازل عن حبيبتي.
هل يقول بالفعل أشياء كهذه؟
نعم، فهكذا يرى بيلاروسيا. ومع ذلك حول البلد إلى معسكر اعتقال. وعلى هذه الخلفية لا أملك إلا أن أقول إن العقوبات غير كافية.
ماذا بوسع الاتحاد الأوروبي أن يفعل؟
عقوبات الاتحاد الأوروبي جيدة، لكنها ليست كافية بحال. حظر الرحلات على موظفي الحكومة المهمين لا تؤثر عليهم كثيرا ما دام بوسع أسرهم أن تسافر. ثم إن لوكاشنكو منع كبار مسؤوليه من السفر أصلا. من الأمور التي يمكن القيام بها إخراج بيلاروسيا من النظام المصرفي الدولي. صناعة النفط مهمة للبلد، فيمكن تطبيق العقوبات عليها أيضا. هذا سينزل بالاقتصاد ضربة قوية. سيكون لوكاشنكو عديم القوة أمام المظاهرات التي ستندلع حينئذ. نحن نريد انتقالا سلميا للسلطة، شيء ليس بوسع لوكاشنكو أن يتخيله. فهو يعتقد أن المكتب الرئاسي يخصه.
هو ليس الوحيد في الوقت الراهن.
نعم، يبدو أنها عدوى. لكن الولايات المتحدة بلد ضخم، بلد مهم ذو مؤسسات ديمقراطية قوية. بيلاروسيا ليست كذلك. ولو بقيت الأمور على ما هي عليه، سوف يهزمنا لوكاشنكو.
تكلمت قبل قليل عن ميلاد بلد جديد. أي نوع من البلاد هذا البلد؟ في المظاهرات التي قامت حتى الآن، لم نسمع كثيرا من الأصوات تنادي بعلاقات أقرب مع الغرب، خلافا للثورة البرتقالية في أوكرانيا على سبيل المثال.
هذا صحيح. نحن ننظر إلى الغرب. لكن هذه المظاهرات تصب تركيزها على التخلص من دكتاتور، لا على ما نود أن ننتمي إليه. بيلاروسيا، كما ظهرت في الصيف الماضي، بلد ديمقراطي. والبقية تأتي لاحقا.
في اللحظة الحالية، يبدو أن هناك جماعتين متواجهتين. إحداهما عدوانية، والأخرى هدف ذلك العدوان. في أفضل الحالات، الوضع متجمد؟
لو وقعت كارثة اقتصادية، ولو تم إطلاق سراح السجناء السياسيين، فقد نصل إلى نقطة يمكن أن ينشأ بعدها وضع جديد. محتمل ألا تسمح روسيا بإعادة التوجه نحو أوروبا، لكن حتى ذلك سيكون مقبولا لي في الوقت الراهن. أي شيء سيكون أفضل من الوضع الراهن.
ولو لم يحدث ذلك؟
لوكاشنكو يمكن أن يفعل أي شيء. يمكنني أن أتخيل التفكك الكامل للبلد، الفوضى، الحرب الأهلية.
■ ماذا تقصدين بالضبط؟
بيلاروسيا الآن بلد تحت السلاح. جميع الوحدات الممكنة جمعت لسحق المعارضة. وفوق ذلك كله هناك فيروس كورونا. والنتيجة قد تكون حريقا لا سيطرة عليه. قوات الشرطة الجديدة هذه لا يجمعها معا إلا الدماء التي أراقتها. وهي تخاف من نشوء حكومة جديدة بسبب العقوبات المتوقعة. والذنب الذي تراكم في الشهور العديدة الماضية رابط قوي يربط أولئك الشبان معا.
هل يصعب عليك أن تكوني هنا في برلين في الوقت الذي يتقرر فيه مستقبل بلدك؟
لو كنت سجنت لما عولج مرضي مثلما يعالج الآن. أنا لا أستطيع أن أفعل شيئا في الوقت الراهن.
وماذا عنك؟ هل يمكن أن تكوني مستعدة لتولي دور رئيس انتقالي؟
سمعت ذلك كثيرا، لكنني لم أفكر فيه قط تفكيرا جادا. أنا كاتبة، ولست سياسية. والمرء في السياسة بحاجة إلى مجموعة مختلفة من المهارات التي لا أمتلكها.
لست الشخصية المعارضة المهمة الوحيدة في العالم الناطق بالروسية المقيمة حاليا في برلين.
هل أنت على اتصال بألكسيس نفالني؟
لا
ماذا عن الآخرين من المعارضة الروسية؟
بعثت خلال الصيف مناشدة إلى الإنتلجنسيا الروسية. «الشعب يتحطم أمام أعينكم، فلماذا أنتم صامتون؟». استجاب 10 أشخاص، ديمقراطيون شجعان. لكنهم عشرة فقط.
وما تفسيرك لهذا؟
الإحساس بأن البلاد المحيطة تنتمي في واقع الأمر إلى الإمبراطورية الروسية إحساس متجذر في الشعب الروسي.
ثمة أماكن كثيرة مضطربة في المحيط الروسي: بيلاروسيا، أوكرانيا، جورجيا، قيرغيزستان، مولدوفا، أذربيجان، أرمينيا. لماذا الآن، بعد ثلاثة عقود من انهيار الاتحاد السوفييتي؟
الإمبراطورية ضعفت والنخبة الشيوعية تحتضر ببطء في كل مكان. والراغبون في السلطة الآن يتصارعون مع بعضهم بعضا. إنه مرجل هائل كل ما بداخله يضطرم: من شيوعيين قدامى ورأسماليين محدثين.
* في بداية حوارنا، قلت إنك ستبقين في برلين ما بقي لوكاشنكو في السلطة. هل تعتقدين أنك سترجعين عما قريب؟
بطريقة ما، عندي شعور بأن الأمر لن يستغرق الكثير. لا أعتقد أن لوكاشنكو سوف يقدر على قمع طاقة الشعب إلى الأبد. وقته نفد. لكن هذا لن يحدث إلا عندما يعاوننا المجتمع الدولي.

■ نشر الموضوع في دير شبيجل الألمانية في 21 نوفمبر 2020