د. إسماعيل البلوشي: الغذاء أحد الأنظمة المتأثرة بتغير المناخ وأصبح خطرا يهدد السلامة

قمة زعماء العالم قدمت تعهدات متواضعة لا تتناسب مع حجم الأزمة

“عمان” – قال الدكتور إسماعيل بن محمد البلوشي استاذ مشارك ميكروبيولوجي الأغذية وسلامة الغذاء بجامعة السلطان قابوس في حديث عن “سلامة الغذاء وتغير المناخ: تحد جديد لغذاء آمن”وبالتزامن مع الذكرى السنوية الخامسة لإعلان اتفاقية باريس للمناخ: إنه في الوقت الذي دعا فيه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش جميع دول العالم، السبت الماضية، إلى إعلان حالة “الطوارئ المناخية”، التقى زعماء دول العالم في قمة افتراضية بمناسبة الذكرى السنوية الخامسة لإعلان اتفاقية باريس للمناخ، والتي لم يقدموا خلالها سوى تعهدات متواضعة في معظمها بالنسبة لحجم الأزمة.
ويضيف الدكتور إسماعيل البلوشي أن الغذاء يعتبر أحد أنظمة هذا الكون الذي امتد إليه تأثير تغير المناخ والذي أصبح خطرًا آخر يضاف إلى مخاطر عدة تهدد سلامة الغذاء. وفي تقرير سابق لمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) والذي صدر في 2008 وضعت المنظمة الدولية بعض التصورات لتأثير تغير المناخ المحتمل على سلامة الغذاء. من تلك التصورات زيادة درجة حرارة الأرض في المتوسط بين 1.8 إلى 4 درجة مئوية في القرن الحادي والعشرين، وزيادة معدلات الأمراض ذات المنشأ الغذائي واتساع رقعة انتشارها جغرافيًا، كذلك زيادة مقاومة بعض البكتيريا، واحتمالية زيادة القوة التنافسية لبعض البكتيريا الممرضة مثل السالمونيلا والاشيرشيا كولاي، بالإضافة إلى احتمالية توفير البيئة البحرية المناسبة لظاهرة تكاثر وازدهار العوالق النباتية المعروفة محليًا بالمد الأحمر وتحول الزئبق إلى الزئبق المثيلي واستهلاكه من قبل الأسماك نتيجة لارتفاع درجة حرارة المحيطات.
أما في تقريره الصادر في عام 2020 فقد أوضح الفاو الجوانب المختلفة لتأثير تغير المناخ على فرص الحياة على كوكب الأرض وبدأت المنظمة الدولية توضح تلك التغيرات بأرقام وحقائق أكثر تنبيهًا وتوضيحا وأشد تذكيرًا؛ لعل الإنسانية جمعاء توقف نزيف تغير المناخ نتيجة لنشاطها المفرط في البيئة.

ويوضح الدكتور إسماعيل البلوشي أن التقرير الأممي يشير إلى أن تغير المناخ سيؤثر على كيفية طرق انتقال وبقاء ومواسم انتشار الميكروبات ذات المنشأ الغذائي. ولقد لوحظ بالفعل ارتباط زيادة درجة الحرارة الشهري بالأمراض الغذائية ذات المنشأ الميكروبي في بعض الدول كأستراليا مثلا. علاوة على ذلك فإن تحليل نتائج انتشار الأمراض ذات المنشأ الغذائي في جمهورية كوريا مثلًا يقترح وجود علاقة إيجابية قوية بين تغير درجة الحرارة والرطوبة النسبية والميكروبات المسببة لتلك الأمراض مثل ايشيرشيا كولاي، سالمونيلا، فيبريو باراهيمولايتكم، كمبيلوجيجوني، وباسيلس سيريس. كما كانت البيانات جمهورية ألمانيا الاتحادية والولايات المتحدة الأمريكية أيضا التي جمعت تشير إلى ارتباط التسمم الغذائي الناشئ عن سالمونيلا وكمبيلوباكتر جيجوني بزيادة درجة حرارة الغرفة.
ويقول الدكتور البلوشي: يعد السالمونيلا وكمبيلوباكتر جيجوني من أكثر الميكروبات التي سببت التسمم الغذائي في كثير من دول العالم في الفترة الأخيرة، لذلك أخذ حيزًا واهتمامًا كبيرين من قبل الباحثين حول تأثير تغير المناخ على هذين الميكروبين. ففي دراسة وجد الباحثون أن زيادة درجة حرارة الغرفة الأسبوعي بمعدل درجة واحدة أدت إلى زيادة حالات التسمم الغذائي بسبب سالمونيلا بمعدل 5-10% في كثير من دول الاتحاد الأوروبي، بينما في الولايات المتحدة الأمريكية وجد الباحثون أن زيادة الحرارة بمعدل واحد من درجات الحرارة أدت إلى زيادة الخطورة من التسمم الغذائي الناتج عن سالمونيلا بمعدل 4%، أما في استراليا فقد توقع الباحثون زيادة الإصابة بسالمونيلا بحوالي 50% بحلول 2030 نتيجة لزيادة درجة الحرارة إن لم تتخذ الإجراءات الكفيلة للحد من تغير المناخ.
ويلاحظ من إحصائيات التسمم الغذائي على المستوى العالمي زيادة معدلات التسمم الغذائي بميكروب كمبيلوباكتر جيجوني في السنوات الأخيرة بعد أن كان محصورًا بأعداد قليلة في بعض الأغذية البحرية في الماضي. وقد فسر هذه الزيادة ببقاء الحشرة التي تنقل هذا الميكروب لفترة أطول نتيجة لتغير المناخ. ويتوقع زيادة معدل الإصابة بهذا الميكروب بمعدل 23% في مدينة مثل مونتيريال بكندا بحلول عام 2055 إذا ارتفعت درجة الحرارة ب 4.5 درجة مئوية عن معدلها الطبيعي.

ويشير الدكتور إسماعيل إلى أن هناك مجموعة من الباحثين يفسرون الكثير من الكوارث في الطبيعة كالجفاف والتصحر والفيضانات والأعاصير بظاهرة النينو ذات تغير مناخي المنشأ. ولم يقتصر تأثير هذه الظاهرة على الطبيعة فحسب بل امتد ليشمل انتشار الميكروبات المرضية أيضا. فقد وجد الباحثون زيادة حالات الكوليرا الناتجة عن ميكروب فيبريو كوليري في بعض مناطق آسيا وأفريقيا خلال الكوارث الناتجة عن ظاهرة النينو. وتعتبر بعض الأغذية البحرية الصدفية الملوثة إحدى أهم نواقل هذا الميكروب من بعض مصادره كالإنسان. ويمكن تفسير ارتباط ظاهرة النينو بالكوليرا من خلال انجراف البيئة وما تحمله من روث الإنسان والحيوان إلى شواطئ البحار والمحيطات نتيجة الأعاصير والفيضانات. كذلك تعتبر ظاهرة ازدهار العوالق النباتية في البحار أحد العوامل التي تؤدي إلى زيادة أنواع معينة من ميكروب الفيبريو في البيئة البحرية الشاطئية.
كما يقول الدكتور إسماعيل البلوشي: إن الطفيليات المجهرية تشكل خطرًا آخر يهدد سلامة الغذاء ولاسيما الخضروات الورقية. وقد بدأ تأثير هذا الخطر يظهر جليًا في إصابة المئات في الدول الغربية بمشاكل معوية سنويًا، الأمر الذي جعل بعض الدول تتخذ إجراءات صارمة لتقليل مخاطر هذه الطفيليات قبل أن تصل إلى الإنسان لا سيما عند إنتاج الخضروات الورقية، حيث تعد مياه الري الملوثة بروث الإنسان أهم ناقل لهذه الطفيليات. وتشير إحصائيات الأمراض الطفيلية في بعض الدول مثل نيوزلاندا والولايات المتحدة الأمريكية إلى وجود علاقة إيجابية بين زيادة درجة الحرارة ومعدل هذه الأمراض. علاوة على ذلك، فقد وجد الباحثون في الولايات المتحدة المكسيكية أن ارتفاع درجة الحرارة بمعدل 0.6 درجة مئوية ارتبط بزيادة أحد الأمراض الطفيلية في 21 ولاية بين أعوام 2000 و2006.

ويشير البلوشي إلى أن الزئبق المثيلي أحد أهم المعادن الثقيلة التي تهدد سلامة الأغذية لا سيما البحرية منها. يوجد الزئبق في البحار والمحيطات نتيجة للنشاط البيئي والإنساني المختلف، ويتحول إلى صورته الأشد سمية وهو الزئبق المثيلي بفعل عدة عوامل كالبكتيريا مثلا. لكن وجد في السنوات الأخيرة أن تغير المناخ يلعب دورًا مهمًا في هذا التحول أيضًا. إذ وجدت دراسة أجريت في 2005 أن تسخين المحيط بمعدل 0.4 إلى 1 درجة مئوية سهل تحويل الزئبق وإنتاج الزئبق المثيلي بتركيز تراوح بين 1.7% و 4.4% حول جزر الفارو، وعلى ضوء هذا التأثير يتوقع زيادة الزئبق المثيلي في مختلف أنواع الأسماك بمعدل 3-5% لكل زيادة في درجة حرارة المياه، وأصبح هذا التوقع واقعًا، فقد وجدت دراسة أجريت في 2016 م ارتباط زيادة الزئبق المثيلي في إحدى الأسماك الأوروبية بزيادة الحرارة.

ويضيف البلوشي أن تشكل السموم الميكروبية كأفلاتوكسين واوكراتوكسين المنتجة من فطريات معينة أخطر وأكبر تحد لسلامة الغذاء إذ تختلف عن باقي الأخطار بكونها مواد مسرطنة. وتشكل الأغذية الجافة والحامضية والسكرية والملحية البيئة المناسبة لنمو الفطريات. إذ تشير الدراسات إلى أن تغير المناخ أدى إلى انتشار الفطريات المنتجة للسموم في المحاصيل في المناطق التي تفتقر إلى نظام المراقبة وتقييم المخاطر. بل أبعد من ذلك، وهو إمكانية أن يحدد تغير المناخ المناطق التي يمكن أن تنتشر فيها الفطريات المنتجة للسموم. وحسب الدراسات، يتوقع زيادة تلوث المحاصيل كالذرة والفول السوداني بأفلاتوكسين نتيجة لتغير المناخ في السنوات القادمة، مع تشكل افلاتوكسين ب1 وهو الأشد سمية تصبح مشكلة كبيرة في سلامة الذرة في بعض المناطق كأوروبا مثلا.

بدورها، تتوقع منظمة الصحة العالمية وفاة ما يقارب 250000 شخص إضافي سنويًا بين 2030 و2050 نتيجة لتغير المناخ، وإن زيادة الوفيات مرتبطة بسلامة الغذاء. وتتوقع المنظمة الدولية تأثر 2 إلى 7 مليون شخص إضافي سنويًا في 2080 بالأعاصير المدارية، والتي ستسبب فيضانات في المناطق الساحلية. وترتبط الفيضانات بالأمراض ذات منشأ غذائي من خلال عدم توفر الظروف المثلى للطبخ والظروف الصحية السيئة التي تخلفها الفيضانات والتي تؤدي إلى انتشار الأمراض مثل التهاب الكبد النوع أ، والتيفود والكوليرا.

واختتم الدكتور إسماعيل البلوشي حديثه بحقيقة ثابتة وهي أن بقاء الإنسان على هذه البسيطة وتوفير غذاء آمن له أصبح مرتبطًا ومرهونًا بنوعية تعامله مع الطبيعة، فإن أحسن تعامله سلم وسلم من يأتي بعده من خطر الطبيعة، وإن أساء تعامله أضاع فرصة منحتها الطبيعة له دون مقابل لبقائه وبقاء من يأتي بعده من إنسان وحيوان ونبات وجماد.