كتابات عُمانية مُبكرة: عُمان في مجلة “المنهاج” لأبي إسحاق إبراهيم اطفيش “1344 / 1924 – 1350/ 1930” (3/1)

إعداد الدكتور محسن بن حمود الكندي

حَضَرَت عُمان بأخبارها وثقافتها ورموزها في مجلة “المنهاج ” لأبي إسحاق إبراهيم اطفيش الصادرة في القاهرة عن المطبعة السلفية، وهي مجلة علمية سياسية اجتماعية تعنى بأخبار الأمة الإسلامية وقضاياها، وصَفها سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي في معرض تقديمه لمجلديها الصادرين عن جمعية أبي إسحاق والجمعية القطبية بأنها “رمز كفاح بين الأمة، وأن كلماتها تجمعُ بين لألاء النور ولهيب النور، وأن دورها تجلّى في تبصرة الحائرين بالحقيقة الخافية”.
وكانت هذه المجلة ورفيقاتها العربيات الصادرات في تلك الفترة الفارقة من مرحلة العشرينيات من القرن العشرين مصدراً ومنبعاً ثقافيًّا تستقي منه الصحفُ العُمانية الصادرة في المهجر الإفريقي، فكانت مقالاتُ عُمان وأخبار زنجبار تتوالى فيها آخذة العناوين نفسها بصيغتها تارة، وتارة تنحو منحى آخر تبعا للظروف ومعطيات الإخراج ومحددات النشر، ومعطيات السياق الثقافي ورغبات التلقي، وكانت تتلقى من قبل وسط لا شك عميق الثقافة قارئ ومتابع لا تغيب عنه جودة الكلمة، وعمق الفكرة، ووضوح الموقف.
تقعُ المجلةُ، في طبعتها النهائية، في مجلدين قُدِّر لنا امتلاكهما منذ عشر سنوات ضمن محتويات مكتبتنا المعنية بالتاريخ الثقافي، فكانت لنا مرجعا نعودُ إليه بين الفينة والأخرى لمقاربات تاريخية ومعرفة تأثيرات التواصل بين عُلماء عُمان ونظائرهم العرب، وأكثر من ذلك رغبة منا في تجلية خطاب الإصلاح والتنوير الذي عُنينا به في دراستنا عن الصحافة العمانية والشعر العُماني، فكانت المرجع العلمي الأمثل لنا، لأن خطابها خطابٌ أيديولوجي مركز غير مشتت يحوي أفكار محررها اللامع الكبير العلامة المجاهد أبي إسحاق الذي لم نجد أبلغ وصفاً له من وصف شيخنا الخليلي حين قال عنه: “أنه جمعَ علماً غزيراً، وبصيرة وقادة، ونظرة عميقة وبياناً يأخذ بمجامع الألباب، وحنكة السياسة، ودراية واسعة بما يُطْهى في مطابخها”.
أمّا مجلته “المنهاج، فقد كانت “رمز الكفاح بين الأمة”؛ إذ حملت خطاباً استنهاضيًّا بليغاً تبرزه عناوين قصائدها ومقالاتها و افتتاحياتها التي شملت مظاهر الحياة، فاتجاه المجلة اتجاهٌ عام مفتوح على مساقات الحياة الثقافية يشهر منذ البداية سيف الجهاد، ويحمل على عاتقه هموم الأمة؛ ولهذا لا عجب أن يفتتح أبي إسحاق مجلد مجلته الأول ص( 3) بالقول: “إن مجلته “المنهاج” لا تألو جهداً في الدفاع عن الأمة وإيقافها على مجاري الأمور بالبلاد الغربية، وفي إخلاص النصح لها، ولحكوماتها “انطلاقاً من نشر الحق، ودحض الباطل في أغوار الأرض”.
وفي المقابل لا يغيب عن المجلة الأدوار التنويرية ومقاربات الإصلاح والتجديد، وقد أبانت المجلة ذلك في إحدى أهدافها بالقول الصريح ص3: “يجب تجديد ما انطمس من النافع وعفا، وأخذ ما أزين من المحدثات وصفا فبين أيدينا كتاب الله ملجأ وسنة نبينا نوراً…”
والمجلةُ في كامل أعدادها لا تخرج عن فكر وتوجّهات مؤسسها ومحررها المجاهد الاستنهاضي المصلح “أبي إسحاق” الذي عركته التجارب، فخبر دهاليز السياسة وعرف مكامن الخطاب ؛ لهذا لم تحد عن تحقيق هدفها بل وجهت بوصلتها تجاه الفعل الإصلاحي السياسي والخطاب المستنير المستوحى من وحي الأمة العربية الإسلامية وعقيدتها الدينية الإباضية، وكانت طيلة مرحلة صدورها (1344هـ/1924م- 1350هـ/1930م) محافظة على طبيعتها، “وقد عُرفت بتوجهها السياسي والاجتماعي القويين، فكانت تنشر مقالات جريئة لكتاب عرفوا بعدائهم الصريح للاستعمار الغربي، تكشف عن مخططات الإنجليز والفرنسيين الاستيطانية في الحجاز والمغرب العربي وعُمان بأسلوب تحليلي عميق. وفي الميدان الديني والاجتماعي كانت ترد على مقالات التغريبين المعجبين بالمدنية الغربية، المشككين في ثراء الحضارة الإسلامية، وقدرتها على التطور؛ ولهذا لا عجبَ أن مُنِعَتْ من دخول كثير من البلاد العربية والإسلامية. وما لبثت بعد مضايقات سياسية، ومتاعب مالية أن توقفت، فأسند اطفيش رخصة صدورها إلى زميله في الكفاح الوطني محب الدين الخطيب، وكان ذلك سنة 1931م، فأخذت تصدر في شكل جريدة محتفظة بالعنوان نفسه “المنهاج” كما يقول أحد المقالات المنشورة عنها إلكترونيًا.
حَمَلَتْ مجلداتُ “المنهاج” عناوين مثيرة تخصُّ عُمان وحاضرتها زنجبار آنذاك، مبينة ثقافتها وطوارئ عصرها ومستجدات واقعها وآفاق ثقافتها، وسياسة حكمها، وإنتاج كتابها، ومؤلفات فقهائها، ومؤرخيها، ونشرت في باب “ثمرات المطابع” ملخصات كتب تاريخية، ودواوين شعرية ومؤلفات اجتماعية، وسردت أخبارا سياسية، وعقدت تحقيقات اجتماعية، ويمكن رصد ما وجدناه في أعدادها في المجلدين التاليين:
أولا: المجلد الأول: يحتوي على الجزء الأول ( غرة محرم 1344 هـ ) حتى الجزء الثامن (شعبان 1344هـ) وفيه ما يلي:
– قصيدة ” إلى شعب عُمان ” نشرتها ” المنهاج ” في عددها الصادر بتاريخ 15 مايو 1925 دون ذكر اسم قائلها، وهي قصيدة تقع في أربعة وثلاثين بيتا” ، ومما جاء في طالعها ص 59:
تِهْ ” مزون ” فلك الفخر المبين
وارفع الرايةَ بين العالمين
يا بلادا أخلد الدَّهرُ لها
كلّ عليا وهي في حصنٍ حصين
يا بلادا خضع َالدهر لها
وهي لم تخضع لأسر الملحدين
زانك الله بِمُلْكٍ شامخٍ
ووقاكِ الحقُّ شرَّ الماكرين
-“الأنباء العربية: الدسائس في جزيرة العرب ” مقالٌ سياسيٌّ يتكون من خمس صفحات نشرتها المنهاج” في القسم السياسي الصادر في عددها 1/2 الصادر بتاريخ غرة صفر 1344 ، ومما جاء فيه ص 117 “لقد ظهرت أعمالُ ودسائس الإنجليز في شمال عُمان وما تزال السياسة الإنجليزية تطمح إلى إخضاعه وإدخاله في البودقة التي أدخلت فيها أغلب الإمارات العربية وأقطارها، وقد أعْيَت الحيلُ إنجلترا أن تستهوي ذلك القُطر العُماني الذي لم يخضع في حين من الدَّهر ولم يستسلم إلى أجنبي ..”.
– مقطوعة شعرية من قصيدة شعرية سياسية للزعيم الباروني يصف فيها عُمان ، نشرتها ” المنهاج في المجلد م 1/ج3 ،الصفحة 129 الصادر في عددها 1/2 الصادر بتاريخ غرة صفر 1344 ،
لها حكم ٌبشرعِ الله يجري به كلّ المحاكم في انسجامِ
فلا دول الأجانبِ عن رعايا تناضلُ أو تهددُ بانتقامِ
ولا عهدَ يقيّدُ مرتضاهم تحافظه القناصلُ بالخصامِ
فَهُمْ في روضةٍ حُفّت بأمنٍ وفي حُريةٍ سمحا النظامِ
-” لا خوفَ على عُمان من المعاهدة ” مقالةٌ سياسية موقّعة باسم الباشا سليمان الباروني ، تقعُ في خمس صفحات، نشرتها المنهاج” في القسم السياسي الصادر في م 1/2 الصادر بتاريخ 17 صفر 1344 ، ومما جاء فيها ص 161″رأيت في جريدة الشورى الغراء، وفي جريدة العراق المحترمة ذكراً لمعاهدة ثلاثية على غزو عُمان، فلم أستغرب ذلك؛ لأن مثله من الدول ليس بغريب، وقد كان لهذا النبأ تأثيرٌ سيء في صدورِ المسلمين أينما كانوا..”.
– ثلاثُ رسائلٍ سياسية تمثلُ وثائق مهمة: نشرتها ” المنهاج” في عددها 1/3 الصادر بتاريخ 17 ربيع الأول 1344، الأولى من جلالة السلطان تيمور بن فيصل إلى جلالة الملك عبدالعزيز بن فيصل سلطان نجد وتوابعها بتاريخ رمضان 1343هـ، والثانية وجهها جلالة السلطان تيمور بن فيصل إلى الملك الشريف علي بن الحسين بتاريخ رمضان 1343 هـ، أمَّا الثالثة فهي من الإمام محمد بن عبدالله الخليلي إلى الباشا سليمان تاريخها رمضان 1343، وفحوى هذه الرسائل الثلاث تدور حول طلب تسهيل مهمة الباشا سليمان الباروني لأداء مهام سياسية، وحضور مؤتمر إسلامي حول الخلافة والأماكن المقّدسة، وتكليفه بتمثيل الأمة العُمانية في هذا المؤتمر، ومما جاء في الرسالة الأولى ص (170) ” والباعث على تحرير طرسنا الودادي هذا، هو أن حامله جناب الشيخ الجليل عندنا سليمان باشا الباروني أحد رجال الإسلام، ومن علماء مذهبنا، قصد السفر إلى مركز عدلكم الذي أضاءت أنواره أقصى ممالك الإسلام، فلزم تجديد مراسلات الصداقة، وروابط المحبة بيننا، ولا شك في أنها لا تتغير، وبهذه المناسبة أتشرفُ بأن أصرِّح لعظمتكم بأننا في كدرٍ وأسفٍ عظيمين من استمرار الحرب حول بيت الله الحرام بين أخوان مسلمين كلّ منهما يعظم هذا البيت المقدس ويحترمه..”.
أمّا الثانية فقد حوت مضموناً مشابهاً لما جاء في الرسالة الأولى، وفيها قال صاحب الجلالة السلطان تيمور مخاطباً الملك الشريف ص (171) : “حامل كتابنا هو الوجيه المحبوب المحترم الشيخ سليمان باشا الباروني المعروف لديكم شخصا وعملا متوجّه إلى ساحة ملككم مضحياً خدماته فيما فيه مصلحة الأمة الإسلامية، ولديه إخلاص كامل لسيادة والدكم، وقد أصحبناه هذا كتابنا هذا؛ لينوب عنا في عرض إحساساتنا وتألمنا العظيم مما لا زلنا نسمعه من استمرار الحرب حول حرم الله المقدس..”.
– مقطوعة شعرية من قصيدة استنهاضية لأبي مسلم الرواحي ذات وهجٍ حماسيٍّ باذخ، نشرتها “المنهاج في المجلد م 1/ج4 ،الصفحة 212 الصادر بتاريخ ربيع الأول 1344، وأبياتها:
طال الرقادُ بكم هبوا فديتكم فالشمس طالعة والسيل أرعان
عادات طيءٍ تخصيبُ السيوف وإر واء المثقف وهو اليوم عطشانُ
أين العصائبُ من قحطان أجمَعِها وأين من نتجت للحمد عدنانُ
هبّوا لأخذ المعالي من مراقدكم فليس يستدرك العلياء نومانُ
-النصُّ الكاملُ للنبذة التاريخية “من تاريخ عُمان” التي كتبها الشيخ القاضي عيسى بن صالح الطيواني، وقد لخصها للمجلة أخوه الأديب الشيخ محمد بن صالح بن عامر الطيواني بطلب من الباشا الباروني، وحضرة الزعيم الكبير الرحالة الشيخ عبدالعزيز الثعالبي ونشرتها المنهاج “في المجلد م 1/ج4 ، الصفحة 226 الصادر بتاريخ ربيع الثاني 1344هـ ، وقد جاء في مقدمتها ص 226 تعقيبا بما نصه “وتمنينا أن لو كانت أوسع مما هي لما فيها من الفوائد التاريخية، وخاصة في تاريخ الأئمة الذين ذكرهم من عظمة وجلال، وبذخ المُلك وازدهار العلم، ولئن سلك فيها ملخصها مسلكا في نهاية الإيجاز، فإن فيها من فوائد طالما اشرئبت الأفكار إلى الاطلاع عليها ..”
-مجموعة خطب وقصائد نشرتها ” المنهاج ” في المجلد م 1/5 ،ص 274 وما بعدها الصادر بتاريخ جمادى الأولى 1344هـ . ومنها مقال بعنوان ” عُمان ” مقال سياسي يمثل خطبة لقصيدة طويلة للباروني طالعها يقول :
وبدتْ لعصرِ الراشدين دلائلٌ إذ لاح من جبلِ الشُراة سناءُ
وكذلك مقالٌ آخر سياسي بعنوان “مجاري الأمور في عُمان” وقد تضمّن قصائد ثلاثا للباروني مطالعها:
– قف هاهنا وانظرنْ نزوى وقلعتَها ومسقطاً قابلا جعلان والجارا
– في جانبِ الحمراء طودٌ شامخٌ متنّطقُ متممٌ بسحابِ
– أصفى المياه شربت أعلى قمة فوق السَّحابِ إلى السَّماءِ قريبة .
-مجموعة أخبار متفرقة تنقلها “المنهاج ” عن مجلة الشورى ” وتنشرها في العدد نفسه بعناوين قصيرة مقتضبة من مثل : ” الأستاذ “الباروني” و ” عظمة الإمام يباشر الأمور” و”مطاردة الاسترقاق” و “ضياع أمارة عربية” و “كلام لبعض قواد الإنجليز” و “رصاصة واحدة”، ومما شدني في هذه العناوين ما جاء في مقال الاسترقاق “ص 385: ” قبل اجتماع المحرم الماضي كانت بلدان شمال عُمان مأوى للصوص يسرقون المواشي وصغار العبيد ويبيعونهم خفية، وبعد الاجتماع انقطعت هذه المعاملة وأعيد عدد كبير من العبيد الذين حصل بيعهم من مدة طويلة”.
-النَّصُ الكامل لقصيدة أبي سلام الكندي المعروفة “عُمان انهضي” المكون من 27 بيتا:
عُمان انهضي واستنهضي الشرق والغربا
ولا تقعدي واستصحبي الصارم العضبا.
-نص قصيدة الشيخ عيسى بن صالح الطائي في الرد على قصيدة أبي اليقظان المُسَماة “تحية ميزاب لعُمان” وقد وصفت “المنهاج” قصيدة الشيخ عيسى بالبليغة، ونشرتها في المجلد م 1/ج7 ،الصفحة 339 الصادر بتاريخ رجب 1344هـ، يقول طالعها:
أيقضت منا أبا اليقظان من رقدا لما بعثت بنظم أنعش الكبدا
بعثت أنوار ” روتنجن ” تبث بها روح الحياة فصارت كالبدور هُدى
-مقالٌ ثقافيٌّ عن كتاب “جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام ” لنور الدين السالمي وربما يكون هذا المقال من أوائل المقالات التي كتبت عه بعد صدوره، وقد نشرته “المنهاج” في المجلد 1/ج8 ، الصفحة 471 الصادر بتاريخ شعبان من سنة 1344هـ، ومما جاء في التعريف بهذا الكتاب 370″ أنه أرجوزةٌ كبيرة تبلغ خمسة عشر ألف بيت في أصول الدين والفقه.. وقد جمعت إلى سهولة النظم وظهور العبارة وجمال التحقيق، ونور الدين ممن اشتهروا بالتحرير والتحقيق والبراعة والتدقيق، وكانت هذه الأرجوزة فريدة في بابها، غنية بمحتوياتها، وتسهل على مبتغي التحصيل حفظها”.
كما جاء عنه (ص 469) أنه: “قام بإبراز هذه الدُّرة” يقصدُ أرجوزة “الجوهر” من صدفها الفاضل الغيور راشد بن أحمد الحبسي الزنجباري، وتُطْلَبُ منه ومن الواقف على طبعها مكتبة العرب يوسف توما البستاني بشارع الفجَّالة بالقاهرة، ومن إدارة هذه المجلة وثمنها 25 قرشاً”.
وتلتفت المنهاج إلى أهم ميزات الأرجوزة ومؤلفها الإمام نور الدين، فتشير ص (469 ) إلى “أنه لم يكن مقتصراً في تبويبها على ما اعتاد عليه المؤلفون من التقليد في عبارات الأبواب والعناوين، بل له ابتكار في ذلك في مضامين الموضوع كتسميته لقسم الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإمامة والجهاد، وهي تسمياتٌ وافيةُ الدلالة جديرةٌ بذلك، تدلُّ على الاستقلال في الفكر وسلامة الذوق”.