صدور المجموعة القصصية “الليلة قبل الأخيرة” للكاتب محمود الريماوي

صدر عن دار “الآن ناشرون وموزعون” في عمّان مؤخرا المجموعة القصصية “الليلة قبل الأخيرة” للكتاب محمود الريماوي تضمنت قصصا تجسد حالات من الفقد والحنين، وجاءت في 145 صفحة من القطع المتوسط، واختيرت لغلافها لوحة للفنان الهولندي العالمي فان جوخ. وهي في مجملها ذروة في عطاء الريماوي، الذي واظب على هذا النوع من الكتابة منذ ما يزيد على نصف قرن، سالكًا مسالك عديدة ذات نكهة سردية خاصة.
وقد أشار الريماوي في ملحق أضافه إلى مجموعته وأسماه “الكاتب لا يعود هو نفسه حين يتحدث عن كتابته” إلى أن الكاتب الذي يكتب “ما هو ثاوٍ في النفس” لجدير بأن يجدد مواعيده مع القارئ، مقدما في كل موعد دهشة جديدة، وحنيناً يليقُ بطول السنين.
ووصف نفسه قائلًا: “ولا أجدني إلا كوني النزعة، ولا أجد فروقا بين البشر المحليين وبقية البشر رغم أن لكل مجموعة بشرية خصائصها الثقافية والسلوكية.
ويستوقفني كثيرا الأطفال وكبار السن أكثر من الأجيال الشابة، التي تهجم على الحياة بغرائزها وبعنفوان نصف بصير ونصف أعمى. خلافا للأطفال وكبار السن الذين يتميزون بالبراءة ونضج المشاعر، وإدراك ما تتسم به الحياة من جمال وتفاهة معا! أنتبه أيضا للكائنات غير البشرية: الطيور والحيوانات وحتى الحشرات والأشجار والنباتات؛ فالحياة أوسع من حياة البشر إذ إنها تضم حياة الكائنات الأخرى، إلى جانب مفردات الطبيعة من جبال وأنهار وبحار ورياح وأمطار”.
والمجموعة كذلك رحلة بين الشخصي والعام، بين قسوة الموت وغربة النفس وغياب المشترك الإنساني وفقد الوطن. ولكل مرحلة آثارها الوجدانية التي تنطبع في عوالم الشخصيات، أو تجسدها الأماكن والشارات والأعلام والرموز. إنها قصة الحنين الذي لا يغيب، القادر على أن يتجدد، وأن يلامس القارئ في أعماقه.
ومن مظاهر الحنين في المجموعة وصفه لـ”عين فياض” التي تسقي “بيت ريما” مسقط رأس محمود الريماوي:
“المسافة بين البيت وعين فيّاض تزيد قليلاً عن كيلومترين. والطريق تحفّ بها نباتات قصيرة وطويلة، متشابكة وهائجة، وتطغى عليها النباتات داكنة الخضرة، ولا تخلو من حجارة ومن نباتات شوكية. تقطع الصبيّة المسافة بنشاط جمّ وبانشراح ظاهر، إذ يوفّر لها أداء هذا الواجب العائلي رضا الوالدين الـمُسنّين، وفُسحة لشمّ الهواء في ساعات ما بعد الظهر، ورؤية صديقات من بنات العائلة أو العائلات أخرى”.
ويصف في قصة أخرى مشهد احتضار الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان ولقائها المتخيل بأخيها الشاعر إبراهيم طوقان في تلك اللحظة:
“إبراهيم، رغم ابتسامته المشرقة، ورغم ضباب الرؤية، يهش ويبشّ لها، وذراعه في القميص الأبيض المشمور تُلوّح بحركة ملهوفة، تهتف بدعوته لها للمجيء، للمجيء السريع.
قادمة قادمة.. أنا في الطريق إليك.
وفي وقت متأخر من الليلة التالية، ليلة الجمعة 12 ديسمبر، وبابتسامة وادعة حيّية، وبجُرمها الخفيف الرشيق، حلّقت فدوى بجناحين من شوق وانعتاق، بينما جمهرة الورد حولها من كل لون وتكوين وعبق، الورود الفاتنة كانت تسترخي ناعسةً وصامتةً حولها، وثمة براعم منها تترقّب شقشقة الفجر القريب كي تتفتح”.
جدير بالذكر أن الريماوي قد نال جائزة فلسطين للقصة القصيرة سنة 1997 عن مجموعته “القطار”، كما صدر له ما لا يقل عن 17 عملا أدبيا بداية من 1972 وإلى اليوم، وقد وصلت روايته “من يؤنس السيدة” إلى القائمة الطويلة في جائزة البوكر العربية عام 2009.