استراتيـجيـة الأرض المحــروقـة تـجـاه إيـران

باربارا سلافين- نيويورك تايمز – ترجمة قاسم مكي –

عندما دبَّرت إسرائيل اغتيال عددٍ من علماء الذرة الإيرانيين في الفترة من 2010 إلى 2012 حاجج مؤيدو عمليات القتل هذه بأنها ستُعِينِ على إبطاء البرنامج النووي في وقتٍ لا يشهد تقدما يذكر للدبلوماسية المتعددة الأطراف. لكن مقتل محسن فخري زادة كبير علماء الذرة الإيرانيين يوم الجمعة (27 نوفمبر) يأتي في سياق مختلف جدا.
تنتج طهران مجدَّدا كمية كبيرة من اليورانيوم غير أنها ليست قريبة من المستوى المطلوب لإنتاج سلاح نووي. تصرفات إيران مدفوعة إلى حد كبير بانسحاب إدارة ترامب الأحادي من الاتفاق النووي، الذي قُصِد منه وضعَ حد لقدرتها على تجميع يورانيوم عالي التخصيب يكفي لإنتاج قنبلة واحدة حتى يناير 2031.
ذكرت إيران مرارا أنها ستعود مرة أخرى إلى التقيد التام بالاتفاق النووي إذا وافقت إدارة بايدن على فعل نفس الشيء ورفعت العقوبات المجحفة التي «رَاكَمَها» الرئيس ترامب عليها.
إذن لماذا قَتْل فخري زادة الآن؟
يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، بدعم من الرئيس ترامب، عاقد العزم على اتِّباع سياسة الأرض المحروقة (إفساد وتدمير كل شيء) لكي يزيد من صعوبة أية عودة للدبلوماسية في ظل إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن.
ويظهر أن إسرائيل وإدارة ترامب تخشيان من أن تسعى إدارة بايدن إلى عودة سريعة للاتفاق النووي قد تنعش اقتصاد إيران المتعثر وتعقِّد احتواء نفوذها في الشرق الأوسط. قتلُ فخري زادة يجعل كل هذا أكثر صعوبة. الحكومة الإسرائيلية، كعادتها، لم تتبن المسؤولية عن عملية الاغتيال. لكن تقارير عديدة منشورة بجانب الطريقة البالغة الجرأة التي قتل بها فخري زادة تشير بقوة إلى عملاء الموساد. من جانبها، ربما أن إدارة ترامب كانت تعلم أو لا تعلم بشأن المخطط مقدما. لكن مايك بومبيو وزير الخارجية كان في إسرائيل مؤخرا. ولم تصدر إدانة من الإدارة الأمريكية لعملية القتل حتى الآن.
مقتل فخري زادة المدبّر الشهير لجهود التسلح السابقة في إيران لن يؤثر على خبرتها النووية الكبيرة. فحسب الاستخبارات الأمريكية كان لدى إيران حقا برنامج يهدف إلى إنتاج رؤوس حربية نووية لكنه انتهى قبل 17 عاما بعد أن رصدته وكالة الاستخبارات المركزية وكشفت عنه جماعة إيرانية معارضة.
ربما تحرِّض أحدثُ عمليات القتل إيرانَ على إنتاج أسلحة نووية. لكن يرجح أن تغذي العداوة بين الولايات المتحدة وإيران مما يجعل الدبلوماسية أشد عسرا. وقد تقوِّي المجموعات المتشددة في إيران والتي ترفض العودة إلى الدبلوماسية. إنها تلك المجموعات التي تسعى إلى استكمال سيطرتها على السياسة الإيرانية في الانتخابات الرئاسية المقررة في يونيو. ردت قيادة إيران بغضب، لكن في حذر، على الاغتيال. وقال الرئيس حسن روحاني: إن إيران سترد بطريقةٍ وفي وقتٍ تختارهُما بنفسِها. واتهم إسرائيل وأضاف: «الاغتيال الوحشي يُظهر أن أعداءنا يعيشون أسابيع عصيبة…. هم يشعرون بأن عهد الضغوطات التي ظلوا يمارسونها يصل إلى نهايته وأن الظروف الدولية تتغير».
يوحي هذا التصريح بأن إيران ستسعى إلى الانتقام من إسرائيل بطريقة أخرى. فقد تزيد من دعمها لحماس أو جماعة الجهاد الإسلامي الفلسطينية. وستعمل على ضمان أن تظل إسرائيل «الشيطان الأصغر» في الدعاية الإيرانية على مدى المستقبل المنظور. وقد تكون الأهداف الإسرائيلية الرخوة مثل السياح والطلاب في خطر إلى جانب المسؤولين الإسرائيليين بالخارج. الأمريكيون أيضا ربما يُستَهدفون لارتباطهم بإسرائيل علاوة إلى اغتيال إدارة ترامب الجنرالَ الإيراني الكبير قاسم سليماني في يناير.
مع احتدام الوضع تواجه إدارة بايدن القادمة الآن تحديا خطيرا. لقد تعهد بايدن بالعودة إلى المفاوضات مع إيران. لكنه وفريقه لا يمكنهما فعل أكثر من تمرير رسالة عبر الوسائط الإعلامية إلى إيران بالتحلي بالصبر حتى موعد تنصيبه في 20 يناير وللإسرائيليين بوقف حملتهم التخريبية. في الأثناء، يمكن للبلدان الأوروبية التي لديها علاقات دبلوماسية مع إيران ولا تزال طرفا في الاتفاق النووي المساعدة في تجسير الفجوة حتى موعد تولي بايدن الرئاسة.
على بريطانيا وفرنسا وألمانيا السعي إلى عقد اجتماع سريع للجنة التي تراقب تطبيق الاتفاق النووي الإيراني. ويجب أن يتصرف وزراء خارجيتها حتى بأسرع من ذلك وإصدار بيان يدين الاغتيال بوصفه عملا غير شرعي بموجب القانون الدولي ويُلحِق الضرر بقضية عدم الانتشار النووي. لقد وصف سلفا ناطقٌ باسم الممثل السامي للسياسة الخارجية والأمنية بالاتحاد الأوروبي عملية القتل بـ»العمل الإجرامي».
لأسباب متعددة ظل البرنامج النووي الإيراني بطيء الحركة. وكان قد بدأ في أعوام الخمسينات بـ»هدية المعرفة» من إدارة الرئيس الأمريكي آيزنهاور بموجب مبادرة «الذرة من أجل السلام». وبعد عقد لاحقا، قدمت إدارة جونسون لإيران أول مفاعل نووي صغير تحصل عليه لأغراض بحثية. وخلال الفترة التي تزيد عن 60 عاما منذ بداية الجهود النووية الإيرانية طورت كل من إسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية قنابل نووية. أما إيران فلم تفعل ذلك. وحتى الآن لا تملك سوى منشأة نووية واحدة عاملة.
وستكون تلك ذروة المأساة لو دفع عدوانُ إسرائيل الآن إيرانَ إلى تغيير حساباتها والاتجاه إلى تصنيع الأسلحة النووية. فهذا قد يشعل سباق تسلح نووي في أرجاء المنطقة ويضمن بقاء الشرق الأوسط إقليما معطوبا ومتشظيا بالنزاعات الطائفية وغيرها ويحول دون تطوير قدرات شعوبه على العمل المنتج ويعرِّض شبابَه إلى التجنيد بواسطة الإرهابيين الذين شنوا الهجمات على الأبرياء حول العالم.

  • الكاتبة مديرة مبادرة مستقبل إيران بالمجلس الأطلنطي