السلطنة «صفر» في ظاهرة الإرهاب

عوض بن سعيد باقوير /صحفي ومحلل سياسي –

إنجاز حضاري واستراتيجي تحققه السلطنة قبل غروب شمس عام ٢٠٢٠ وهي تصدرها مؤشر خلوها من ظاهرة الإرهاب عالميًا وللمرة الثامنة بشكل متواصل ودرجة صفر من وجود الإرهاب يعني أن السلطنة بسياستها الحكيمة وثوابتها الراسخة على مدى نصف قرن أعطت النموذج الحقيقي لأهمية التعايش السلمي والتعاون بين الشعوب ونبذ العنف والمذهبية والصراعات بين الدول

، وأضفت على هذا النموذج تجربة حية وحقيقية لما ينبغي أن تكون عليها الدول من ترسخ مفاهيم التسامح والمحبة وإيجاد مقاربة سياسية تفضي إلى نشر قيم السلام وإيجاد مناخ من التفاهم والحوار.
ومن هنا فإن هذا الإنجاز الحضاري يعد خطوة كبيرة للسلطنة على مستوى دول العالم شرقها وغربها وأيضًا يعطي شعورًا بالفخر الوطني لبلادنا وهي تتبوأ هذه المكانة الدولية المرموقة في عالم يتسم بالحروب والصراعات ونشر الكراهية.

نموذج يحتذى

للعام الثامن على التوالي تسجل السلطنة المؤشر الأهم كدولة تحقق «صفر» من ظاهرة الإرهاب وهي الدرجة الأدنى في المؤشر العالمي للإرهاب لعام ٢٠٢٠ الذي يصدره معهد الاقتصاد والسلام بمدينة سيدني في أستراليا ولا شك أن هذا المؤشر العالمي لظاهرة الإرهاب استند إلى معايير موضوعية وهي أربعة مؤشرات وهي الدول الأقل تعرضًا لعمليات الإرهاب ودرجة الأمان وعدد الحوادث الإرهابية والوفيات والإصابات جراء تلك الحوادث، ومن هنا جاء هذا التصنيف المشرف للسلطنة حيث حصلت على درجة صفر مما جعلها تتصدر دول العالم لثماني سنوات متتالية، وهي مسألة ليست سهلة إذا ما وضعنا في الاعتبار أن السلطنة تقع في منطقة جغرافية متوترة خاصة منطقة الخليج العربية حيث الحرب المشتعلة في اليمن للسنة الخامسة، وهناك توتر متواصل بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية خاصة خلال فترة حكم ترامب المنتهية ولايته في العشرين من يناير القادم علاوة على وقوع السلطنة على أحد الممرات البحرية في العالم وهو مضيق هرمز الذي تشرف عليه السلطنة، علاوة على الحوادث الإرهابية ضد ناقلات النفط في المنطقة.
إن إنجاز السلطنة الفريد ولثماني سنوات متتالية يأتي من خلال تلك القدرة على مواجهة تلك التحديات وهذا يعطي مؤشرا على نجاح النموذج العماني منذ فجر النهضة المباركة عام 1970 التي قادها بحكمة واقتدار ووسط عواصف وتحديات معقدة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- الذي يعد النموذج الأبرز على صعيد القيادات العالمية الذي جنّب السلطنة كل المخاطر والحروب رغم ما شهدته المنطقة من حروب على مدى الأربعة عقود الماضية، ومع النهضة المتجددة التي يقودها السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – تواصل السلطنة منهجها العقلاني على صعيد السياسة الخارجية وهو الأمر الذي أكد عليه جلالته – حفظه الله – في خطاباته الثلاثة، كما أن السلطنة سوف تواصل جهودها السياسية خاصة مع وصول الإدارة الجديدة في واشنطن بقيادة جو بايدن ولا شك أن النموذج العماني على صعيد السلام والاستقرار واعتماد آلية الحوار لحل الخلافات هي أمور يحتاجها عالم اليوم الذي يعيش ظاهرة الإرهاب وهي الأخطر خلال هذا القرن بما حملته من تشدد وتعصب وكراهية بعيدا عن سماحة الإسلام الحنيف.
وعلى ضوء ذلك فإن مؤشر صفر في ظاهرة الإرهاب الذي حصلت عليها السلطنة هو تعزيز ونجاح لتلك الثوابت والمبادئ الراسخة التي اختطها السلطنة خلال نصف قرن وقد كان للشعب العماني الأصيل دور كبير من خلال سماته الحضارية وسلوكه الراقي في التعامل مع الآخر، مما أكسب السلطنة تلك الديمومة في الانفتاح على الحضارة الإنسانية منذ سنوات طويلة ضاربة في التاريخ العماني العريق.

المحافظة على المنجز

إن هذا المنجز الحضاري والسياسي على الصعيد المبهر في تصفير ظاهرة الإرهاب في السلطنة تحتاج إلى مواصلة الجهود، ليس فقط على صعيد جهود الدولة وأجهزتها المختلفة بل يتعدى ذلك إلى المجتمع المدني وكل قطاعات المجتمع من خلال استشعار المسؤولية الوطنية ومواصلة التأكيد على تلك الثوابت وترسيخها سلوكيًا وحضاريًا في عالم يتسم بالمتغيرات السريعة خاصة علي صعيد التقنية والعالم السيبراني الذي يمثل التحدي الأبرز المرتبط بظاهرة الإرهاب على الصعيد الاقتصادي والأمني وحتى الإنساني.
ومن هنا فإن اليقظة مطلوبة رسميًا وشعبيًا فالدول في النهاية هي مجموعة الأفراد كل في موقعه وكما أشار جلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – في خطاباته فإن المسؤولية الوطنية وبناء الوطن تقع على الجميع كل في حدود دوره، وهذه رسالة مهمة من سلطان البلاد نحو ضرورة المشاركة الوطنية على صعيد الشأن العام وأن للمجتمع المدني دورا كبيرا في مساندة الدولة كما أن للأفراد دورًا كبيرًا من خلال الجهود المبذولة على صعيد المهام الوطنية التي تقوم بها الجمعيات المهنية مثلًا وجمعيات المرأة في مجال التوعية والتثقيف، كما أن هناك دورًا مؤثرًا للإعلام الوطني وأيضًا الإعلام الخاص من خلال التأكيد على الثوابت الوطنية ونشر القيم الحضارية التي تميز المجتمع العماني.
إن المنجز الحضاري والسياسي الذي تحقق على صعيد تصفير ظاهرة الإرهاب هو منجز كبير تحقق للسلطنة بفضل تلك الرؤى والحكمة التي سايرت مسيرة السلطنة وسوف تتواصل تلك المسيرة بكل ثبات لأنها هي البوصلة التي حققت المعادلة الصحيحة نحو بناء مستقر وآمن بكل أطيافه الاجتماعية استطاع أن يحقق طفرة تنموية تعد أنموذجًا قياسًا على الظروف والتحديات التي واجهتها السلطنة خلال نصف قرن.

الدبلوماسية والسلام

لا شك أن الدبلوماسية الحكيمة والموضوعية للسلطنة كان لها دور كبير في تسويق النموذج العماني وسماته الحضارية وقد تحققت الأمنية الأهم للسلطان قابوس -طيب الله ثراه- وهو يتطلع أولا إلى بناء الدولة العصرية في خطابه الأول، وقد تحقق هذا الحلم وأصبح حقيقة واضحة، وكان هناك إيجاد علاقات صداقة مع كل دول العالم لمن ينظر إلى خريطة العالم في وزارة الخارجية وقد تحققت هذه الأمنية.
ومن هنا كان هذا السياج الدبلوماسي مدخلا حقيقيا نحو تعزيز السلام مع دول العالم التي تقدر السلطنة في جهودها لحل الأزمات الإقليمية، ومن هنا فإن كل مواطن ومواطنة ينبغي أن يفخر بالمنجز الحضاري والسياسي الذي تحقق للسلطنة في مجال تصفير ظاهرة الإرهاب في السلطنة، ومن هنا تبقى بلادنا أنموذجًا يحتذى للاستقرار والأمن والسلام ويجب المحافظة على هذا المكتسب الوطني لتواصل السلطنة نهجها العقلاني والموضوعي في إيجاد عالم بعيد عن الصراعات والحروب ونشر قيم السلام والتسامح والحرص على إقامة منظومة التعاون والتعايش بين الشعوب.