هل انتهى عصر البشر؟

إميل أمين –

هذا المقال هو الثاني في هذه السلسلة التي نختتم بها العام الحالي 2020 بحلوه ومره، وأن كانت جائحة كوفيد- 19، قد جعلت طعم هذا العام صعب المذاق.
إنها سلسلة تأخذنا بعيدا عن إشكاليات السياسة وتحاول التطلع إلى المستقبل الذي ينتظر الإنسانية، بكل أبعاده العلمية والإنسانوية، التكنولوجيا والكوكبية، وهذا مجال غاية في الأهمية والخطورة إن لم يتنبه له أبناء الحضارة المعاصرة، لا سيما أن هناك صراعا محفوفا بالمخاطر يحدث بين الإنسان والآلة، ولهذا تساءل البعض قبل نحو عقدين عن مستقبل البشر.
لماذا القراءات العلمية هذه الآونة لا تقل أهمية عن نظيرتها السياسية والاقتصادية؟
يمكن القطع بأن للعلم والثقافة أثرا بارزا في حياة الإنسان وتطوره على مر العصور، وتدل التجربة على تقدم الأمم التي اعتمدت على العلم في بناء حضارتها، وتخلف تلك التي لم تدرك أهميته، ولقد شهد القرن العشرون تراكما علميا ضخما شمل كل مناحي الحياة.
أفضل من تصدى للجواب عن السؤال موضوع المقال، العالم الياباني «ميتشيو كاكو»، وهو أحد مؤسسي نظرية الأوتار الفائقة في الفيزياء، وحائز على جائزة نوبل.
في كتابه الصادر قبل عشرين سنة عن سلسلة عالم المعرفة في الكويت، ومن ترجمة د. سعد الدين خرفان، ومراجعة محمد يونس نجد أن العالم الياباني الشهير يخصص فصلا كاملا في كتابه عن إشكالية مستقبل العنصر البشري.
سطّر الرجل كتابه المثير والخطير عام 1998، وفيه أشار إلى أن ثورة الكمبيوتر تقدم للإنسانية رؤيتين مختلفتين تماما عن المستقبل.
الأولى لعالم من الاتصالات الفورية والمعرفة غير المحدودة والخدمات التي لا سابق لها والتسلية التي لا حدود لها.
فيما الثانية فهي تنزع نحو التشاؤم ومفادها أن أجهزة الكمبيوتر يمكنها أن تساعد على تحقيق عالم مرعب، تتحكم فيه حكومة شمولية بكل نواحي حياتنا، كما أوضح ذلك جورج أورويل في روايته 1984. فمن الممكن تخبئة أجهزة التنصت في أي مكان، بحيث تسجل بصمت نشاطاتنا، وتتنصت على محادثاتنا، ويمكن التحكم في المجتمع بالحكم الصارم للأخ الأكبر، وبجيش من المخبرين والمراقبين والجواسيس، ويمكن إعادة كتابة التاريخ على هوى أو مزاج طبقة بيروقراطية قاسية وأنانية تتحكم في تدفق المعلومات.
قبل عشرين سنة تنبأ العالم الياباني «ميتشيو كاكو»، أنه وبحلول عام 2020 ستصعد صناعات وتهبط صناعات أخرى بسبب طريق المعلوماتية السريع، تماما كما جعل نظام السكك الحديدية العابر للقارات في القرن التاسع عشر بعض المدن الريفية التي لا يمر بها القطار، مدن أشباح، بينما حول البلدان الواقعة قرب تقاطعات السكك الحديدية إلى مدن مزدهرة.
فكرة هذه السطور ربما تتقاطع بصورة عفوية مع كتاب المفكر والمسرحي المصري الكبير توفيق الحكيم، المعروف باسم « التعادلية »، الذي يشي بأن الحياة تضعنا دائما أمام خيارات عدة، علينا أن نأخذ ببعضها وأن نترك البعض الآخر، وفي هذا الأمر حيرة الانتخاب، وهو ما أشار إليه الفيلسوف الدنماركي الشهير « سيرن كيركجارد »، حين تحدث عن الاختيار كأزمة إنسانية معاصرة.
الخطر المحدق بالبشر اليوم، هو نفسه الذي يسر وسهل حياة البشر مؤخرا، وربما أمكن تلخيص خطر ثورة الكمبيوتر عبر القصة الشهيرة – وربما كانت غير صحيحة – عن حديث جرى بين رجل الصناعة الأمريكي الشهير «هنري فورد»، والزعيم العمالي «والتر رويثر»، خلال الكساد الكبير: لقد سخر هنري فورد من منافسه، وهو يشير بفخر إلى صفوف الآلات الجديدة اللامعة، التي حلت محل عمال الاتحاد، وسأله: «أين عمالك الآن يا سيد رويثر؟».
فرد عليه رويثر بهدوء: «سيد فورد أين هم زبائنك؟ ما الذي جرى ؟ باختصار غير مخل، حين تخلص فورد من عماله، بدا السوق ضعيفا ومفلسا من المشترين أصحاب القوة الشرائية لابتياع منتجاته.
عصر البشر مهدد من قبل الآلة والكمبيوتر والذكاء الاصطناعي، وهي مسألة شديدة الوعورة والخطورة، ويمكن أن تؤدي إلى انفلات ثورات عمالية من جديد حول العالم، وليس من قبيل المصادفة الحديث الدائر في أمريكا قلب الرأسمالية والنيوليبرالية عن صحوات للفكر الاشتراكي مرة أخرى، وهذا ما يتجلى بشكل واضح في الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي الأمريكي، عطفا على غلاة الاشتراكية وقد مثلهم عند لحظة معينة السيناتور بيرني ساندرز الذي سعى للحصول على ترشيح حزبه لانتخابات الرئاسة قبل أن يجري اختيار جوزيف بايدن.
قبل عقدين تنبأ صاحب الكتاب بأنواع الوظائف المهددة مباشرة من قبل ثورة الكمبيوتر، وساعتها شملها في ثلاثة أنواع رئيسية من الوظائف:
** الوظائف النمطية التي تقوم على التكرار مثل عمال المصانع الذين يعملون في خطوط إنتاج ضخمة، الذين هم أول المستهدفين من قبل ثورة الإنسان الآلي.
** الوظائف التي تتطلب متابعة أعمال الجرد
** الوظائف التي يقوم بها الوسطاء.
والشاهد أن سرعة الأحداث وجائحة كورونا قد وضعتنا أمام تساؤلات جذرية أعمق كثيرا جدا مما ذهب إليه العالم الياباني ذلك أنه إذا كان الرجل قد أوقف قراءاته الاستشرافية عند حدود الثورة الكمبيوترية، فإن عالم ما بعد كوفيد-19، حتما لن يكون مثل العالم قبله.
هل الجائحة هي التي أحدثت التغيير أم أن هناك عقولًا بشرية مرتبطة ارتباطا جذريا بثورة الذكاء الاصطناعي والجيل الخامس هي التي استبقت الجائحة لكي تعظِّم الاستفادة منها؟
لا يهم الجواب كثيرا، فالأهم هو أن واقعا حيا معاصرا جديدا خلقته الأزمة، هذا الواقع قاد العالم إلى الاستغناء بصورة أو بأخرى عن التلاحم البشري، وبدرجة ما قلل الاعتماد على العنصر الإنساني، وربما لو استمرت الجائحة لانتهى الأمر بالاعتماد بشكل كامل على أدوات الذكاء الاصطناعي.
خذ إليك على سبيل المثال ما جرى في القطاع التعليمي على مستوى العالم، فقد وجد القائمون على العملية التعليمية حلا سحريا في التواصل بين الطلاب والمعلمين من خلال الدراسة عن بعد، التي عرفت بالدراسة «اون لاين».
هذا النسق الجديد من التعليم في واقع الأمر وإن افتقد أهم جزء في العملية التعليمية، أي الاحتكاك المباشر للحواس، من سمع وبصر، بين الملقي والمتلقي، إلا انه عوض حالة الغياب الكامل والشامل التي كانت ستصيب طلاب كل الصفوف في الأزمنة الأخيرة.
يطفو على السطح تساؤل..هل ستقوم وسائل الذكاء الاصطناعي التي تترجم في أدوات التواصل الاجتماعي بعملية إزاحة للعنصر البشري من العملية التعلمية؟
وإذا كان ذلك كذلك فهل سنشهد إزاحات مماثلة في قطاعات وظيفية مختلفة أخرى؟ اليوم يقوم الروبوت بعمليات جراحية بمهارة لا تقل عن مهارة العنصر البشري، وعليه يبقى السؤال: أين على الطبيب أن يذهب؟
لن ينتهي العصر البشري بالمعنى البيولوجي، لكن نهايته على المستوى الوظيفي قد تكون واردة وبقوة.