ستثمار السيولة لدى الأفراد ضرورة .. ومكاسب اقتصادية

محمد بن أحمد الشيزاوي
shfafiah@yahoo.com

نود أن نتوقف اليوم عند موضوعين مهمين يتعلقان بالسيولة لدى الأفراد وما يعنيه ذلك من ضرورة توجيه هذه السيولة إلى مشروعات منتجة تؤدي إلى تحريك النشاط الاقتصادي بالبلاد وتساهم من جهة ثانية في زيادة دخل المواطنين، الأول هو مستوى الإقبال على الإصدار الخامس من برنامج صكوك الإجارة للشركة العمانية للصكوك السيادية الذي تم إدراجه بسوق مسقط للأوراق المالية هذا الأسبوع، وتكمن أهمية هذا الإصدار في أنه الإصدار الأول من الصكوك السيادية المخصصة للأفراد بعد عدد من الإصدارات الناجحة التي كانت موجهة بشكل أكبر للبنوك والشركات الاستثمارية الكبرى نظرا لأن القيمة الاسمية للصكوك الموجهة للأفراد هي ريال عماني واحد للصك، بينما الصكوك السيادية الأربعة السابقة كانت القيمة الاسمية للصك الواحد 100 ريال عماني، كما أن هذا الإصدار أتاح للأفراد الحصول على عائد ربح يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، الأمر الذي يفسّر مستوى الإقبال الجيد على الاكتتاب الذي بلغ 25 مليون ريال عماني على الرغم من أن مستوى تسويقه والتعريف به كان ضعيفا – من وجهة نظري – وجاء في وقت نجد فيه إحجاما واضحا من قبل الأفراد لضخ سيولة جديدة بسبب الأوضاع الاقتصادية غير المواتية نتيجة للتأثيرات السلبية لجائحة فيروس كورونا وتراجع أسعار النفط.
هذا الإقبال الذي يمكن اعتباره جيدا يقودنا إلى الموضوع الآخر وهو وجود سيولة كبيرة لدى الجمهور غير مستغلة في أصول أو مشروعات منتجة، وبحسب البيانات المنشورة في العدد الأخير من النشرة الإحصائية الشهرية الصادرة عن البنك المركزي العماني بلغ النقد لدى الجمهور 1.4 مليار ريال عماني مسجلا زيادة بمقدار 175 مليون ريال عماني عن مستواها في نهاية العام الماضي، وهناك مؤشر آخر على مستوى السيولة المرتفع لدى الأفراد والذي يمكن توظيفه بشكل أفضل لخدمة الاقتصاد الوطني وتنمية مدخرات الأفراد، فقد أظهرت البيانات الإحصائية الصادرة عن البنك المركزي العماني أن إجمالي الودائع المصرفية بلغت بنهاية يونيو الماضي 20.4 مليار ريال عماني من بينها 8.6 مليار ريال عماني لا يتقاضى عليها أصحابها أي فوائد مصرفية، ويمثل هذا المبلغ 42.4% من إجمالي الودائع المصرفية ويبلغ عدد الحسابات المصرفية التي لا يتقاضى عليها أصحابها أي فوائد 3.4 مليون حساب وهو ما يعني أن 93.2% من أصحاب الحسابات المصرفية لا يتقاضون أي فوائد على إيداعاتهم المصرفية، وهناك أيضا ودائع تبلغ 3.1 مليار ريال عماني لا تزيد نسبة الفائدة عليها على 2% ويبلغ عدد أصحاب هذه الحسابات 238 ألفا، وتظهر البيانات أيضا أن 3 مليارات ريال عماني من الودائع المصرفية تتراوح نسبة الفائدة عليها بين 2% و4%، وهو عائد غير محفّز من وجهة نظري، ومن الممكن استثماره في أصول أو مشروعات تدر عائدات أفضل، ولعل هذا هو السبب في أن معدل الربح على الإصدار الخامس من الصكوك السيادية الذي أشرنا إليه سابقا يبلغ 4.75% وهو أعلى نسبيا من معدلات الفائدة السائدة في البنوك.
هذه المؤشرات الإيجابية عن حجم السيولة لدى الأفراد تدعونا إلى البحث عن مشروعات ذات عائد مجزٍ لهم يمكن الاستثمار فيها من خلال تأسيس شركات مساهمة عامة جديدة تساهم فيها الحكومة والقطاع الخاص والأفراد للاستثمار في مشروعات منتجة تتم إدارتها باحترافية عالية تؤدي إلى تحقيق عائد مرتفع ولو بعد عامين أو 3 أعوام من تأسيس الشركة، وقد شهدنا خلال السنوات الماضية العديد من الشركات الناجحة التي استطاعت توفير عوائد جيدة للمساهمين فيها، وعندما نراجع سجلّ شركات المساهمة العامة المدرجة بسوق مسقط للأوراق المالية نجد العديد من الشركات الناجحة التي تدفع بشكل سنوي أرباحا لمساهميها بنسب تتجاوز 10%، وخلال العام الجاري الذي يعد أحد الأعوام الصعبة على شركات المساهمة العامة وجدنا أن أكثر من 65 شركة مساهمة عامة قامت بتوزيع أرباح على مساهميها، وبلغت نسبة التوزيعات 110% من القيمة الاسمية لسهم المتحدة للطاقة و70% لشركة المها لتسويق المنتجات النفطية و66% لشل العمانية للتسويق و60% لشركة النفط العمانية للتسويق و57% للشركة العالمية للفنادق و55% لعمانتل و50% لكل من شركة عمان للمرطبات وشركة المطاحن العمانية و45% لكل من أوريدو والوطنية للمنظفات الصناعية، وهناك العديد من الشركات الأخرى التي وزعت أرباحا مجزية على مساهميها على الرغم من الأوضاع الصعبة التي تمر بها الشركات منذ تراجع أسعار النفط والانخفاض النسبي على الطلب محليا وعالميا في العديد من القطاعات.
إن هذه الأرقام تبدو مشجعة للغاية لأن تبادر إحدى الجهات الاستثمارية الرائدة وحبذا جهاز الاستثمار العماني في تبني تأسيس شركات جديدة بسيولة من الداخل بدلا من استقطاب مستثمرين من الخارج بحيث تساهم الشركات الجديدة في استثمار جزء بسيط من المدخرات المتوفرة لدى الأفراد وتوظيفه في شركات تحقق مكاسب مضاعفة تتمثل في تنشيط الاقتصاد الوطني وتحقيق عائد جيد للمساهمين وتوفير المزيد من فرص العمل أمام الشباب.