صفحة من كتاب.. مسرح الطفل في عُمان.. طموح وتحديات

د.عزة القصابية

يسعى مسرح الطفل إلى تحقيق المتعة والمعرفة للصغار، متبعًا وسائل عديدة لتوصيل رسالته التربوية والاجتماعية والثقافية، يقدم هذا المسرح الصغار أو الكبار أو الاثنين معًا، عندما يقدم الكبار مسرح الطفل، فإنهم يقلدون الصغار، وينتهجون أساليب محببة إلى قلوبهم كالرقص، والغناء، والأداء الاستعراضي، ويناقشون قضاياهم بأسلوب قصصي سردي ومشوق، يمزج بين بالمتعة والترفيه، كما يدعو بأسلوب غير مباشر إلى التمسك بالأخلاق النبيلة والقيم الأصيلة وغرسها في ذات الطفل.
ومن منطلق دور مسرح الطفل وأهميته عربيًا وعالميًا، جاء اهتمام الدكتورة كاملة الهنائية بهذا المسرح، لدوره الحيوي في تعريف الناشئة بمفهوم المسرح، ونشر الثقافة المسرحية بينهم. وتبلور ذلك من خلال الكتاب الذي أصدرته مؤخرًا بعنوان “مسرح الطفل في عُمان” الصادر عن مؤسسة اللبان للنشر، الذي يمزج الكتاب بين الإطارين النظري والتطبيقي، كما أنه يوثق لتاريخ مسرح الطفل في سلطنة عمان.
يتكون الكتاب من ثلاثة فصول، الفصل الأول بعنوان “مسرح الطفل: المصطلح والمفهوم”، حرصت الباحثة على وضع مقدمة تمهيدية توضح المصطلح والمفهوم لمسرح الطفل بشكل عام، ومسرح الطفل في عمان بشكل خاص. وتعقبت الباحثة بدايات ظهور هذا المصطلح في العالم والوطن العربي، وصولًا إلى تعريف مسرح الطفل في عُمان.
فضلًا عن ذلك، فقد تتبعت الباحثة كاملة الهنائية الجانب التاريخي لمفهوم مسرح الطفل، وحاولت توثيق بعض التعريفات التي ذكرها المشتغلين فيه. ولخصت الباحثة تعريف (مسرح الطفل) بقولها: “هو تجربة منهجية بحيث تقدم مسرحية لجمهور من الأطفال. مسرح الطفل هو مسرح محترف يوظف كل مبادئ المسرح وتقنيات العرض المسرحي- مثله مثل مسرح الكبار، ولكن في مسرح الطفل، يتم استخدام وتوظيف بعض هذه المبادئ والتقنيات بطرق خاصة للمراحل العمرية المختلفة”.
وهذا يؤكد أهمية ودور مسرح الطفل في صقل المهارات الذهنية والحركية لدى الصغار، مع اتباع الأساليب التربوية الواضحة التي تجعل الطفل قادرًا على استيعاب الموضوع المقدم له بكل وضوح ويسر، وهذا ما أكدته الباحثة في الفصل الثاني من الكتاب بعنوان (أهمية الفنون والمسرح في حياة الأطفال)، حيث وضحت دور الفنون في الارتقاء بشخصية الطفل، وتنمية مواهبه، والتعبير عن ذاته بصورة مرضية تمكنه من ممارسة دوره في المجتمع. وذكرت الهنائية إلى أن هناك عددًا من الفنون تنصهر في بوتقة المسرح؛ مثل: الفنون الجميلة والرقص والموسيقى.
في الفصل الثالث من الكتاب عكفت الباحثة على دراسة (تاريخ مسرح الطفل في سلطنة عمان)، ضمن ثلاث مراحل؛ المرحلة الأولى: مسرح الطفل خلال الفترة من 1970 إلى 1990م. المرحلة الثانية: تتبعت الباحثة تاريخ مسرح الطفل خلال الفترة من 1991 إلى 2020م. وفي المرحلة الأخيرة ناقشت الباحثة العروض في مهرجانات مسرح الطفل العماني الذي تنظمه الفرق المسرحية الأهلية، وأشارت إلى أن أول مهرجان متخصص لهذا المسرح، نظمته فرقة مسرح مزون الأهلية عام 2007م.
واستعانت الباحثة في الفصل الرابع بنماذج تطبيقية وقامت بدراستها كجانب تطبيقي في الكتاب، وجاء هذا الفصل تحت عنوان (تجارب المشتغلين في مسرح الطفل بسلطنة عمان). واختارت الباحثة نماذج من عروض مسرح الطفل العماني، وبعد اختيار العينة قامت بتحليل أساليب الكتابة المسرحية ومضامينها. كما عرجت الباحثة إلى دراسة الشكل الفني لهذه العروض بدءًا من التجارب التمثيلية المشاركة (التمثيل والأداء والإلقاء)، وانتهاء بالعملية الإخراجية للعروض المقدمة والتي تحتاج إلى مهارة عالية في التعامل مع الصغار والتوجيه والإرشاد. وهذا جعل الناشئة يشاركون في تنفيذ المسرحيات المقدمة بكل حب وعطاء، وساهم ذلك في تنمية مواهبهم من خلال العرض المسرحي، كما تتضح في هذه الأعمال الرؤية الفنية والجمالية للمبدع الصغير.
يحفل هذا الكتاب بالحقائق المعلوماتية التي توثق لتاريخ ومسيرة مسرح الطفل في عُمان، وهو يعد منجزًا بحثيًا يضاف إلى مسيرة الدكتورة كاملة الهنائية، التي سعت إلى لملمة شتات ما كتب وعرض من أعمال فنية التي تندرج تحت ما يسمى بـ(مسرح الطفل). فضلًا عن جهودها في مجال التوثيق التاريخي الذي يتطلب العثور على الوثائق والمعلومات الصحيحة. بالإضافة إلى جهودها حيث قامت بإجراء مقابلات لبعض المهتمين بمسرح الطفل، ورصدت الحوارات والمعلومات من الهواة والمحترفين، الصغار والكبار على حد سواء.
دونما شك، أن مسرح الطفل يحظى باهتمام كبير من قبل التربويين والمختصين في علمي الاجتماع والنفس، نظرًا لأهمية الدراما في استكمال العملية التربوية وتقويم شخصية الصغار. فمسرح الطفل ليس مجرد وسيلة للتسلية، ولكنه يثري الجانب المعرفي ويشحذ الذائقة الفنية لدى الناشئة بأسلوب جمالي وفني. كما يكسب هذا المسرح الطفل الثقة بالنفس والقدرة على مواجهة الآخر، ويعزز لديه القدرة على الصبر وتحدي الصعاب، والتخلص من السلوكيات السلبية بعد تحويلها إلى طاقة إيجابية إبداعية.
وكما هو معروف أن الأطفال يميلون إلى اللعب واللهو والمحاكاة وكثرة الحركة والرقص والتقليد والغناء وحفظ الأناشيد، وتنصهر هذه الخصال جميعًا في بوتقة مسرح الطفل، وهذا يساهم في صقل مواهب المبدع الصغير، فإذا كانت لديه موهبة التقليد والمحاكاة والحركة فإنه يكون قادرًا على التمثيل والأداء، بالإضافة إلى تنمية المواهب الأخرى لديه، مثل: الغناء والإنشاد والرقص، التي يمكن استغلالها لتنفيذ العروض الاستعراضية.
تظل صفحات كتاب (مسرح الطفل في عُمان) مفتوحة، ترفد الباحث والمهتم بالمعلومات القيمة والعلمية حول واقع مسرح الطفل في عمان. وسعت الدكتورة كاملة الهنائية في كتابها إلى التركيز والبحث والتحليل. وأشارت إلى أنها عانت صعوبات كثيرة بسبب ضعف التوثيق لهذا المسرح، وهذا مرجعه إلى ندرة المشتغلين فيه، وغالبًا ما يقترن مسرح الطفل بالمسرح المدرسي. وبعد 2007م ظهرت بعض التجارب المسرحية المرتبطة بالفرق الأهلية للمسارح، ولكنها ظلت محدودة وتقترن بالمهرجانات الموسمية.
وفي خاتمة الكتاب تدعو الدكتورة كاملة الهنائية إلى ضرورة وضع استراتيجية تخدم تطلعات الصغار المستقبلية، وفق قواعد وأسس واضحة نظرًا لخصوصية مسرح الطفل، وأن أهميته تكمن في دوره الريادي في صقل الملكات الإبداعية لدى الصغار. وهذا بدوره سيرفع سقف الثقافة المسرحية لدى الأجيال المتعاقبة، ويخلق جيل يعي رسالة المسرح ودوره الحضاري في الارتقاء بالأمم والشعوب. بشكل عام، يشكل الكتاب قيمة معرفية وبحثية عن مسرح الطفل في عُمان، مما يجعله مصدرًا للأثراء المعرفي للباحثين والمهتمين في مجالات مسرح الطفل. علمًا أن الباحثة كاملة الهنائية حاصلة على الدكتوراة في (مسرح الطفل) من جامعة كوينزلاند الأسترالية، وصدر لها عددًا من البحوث المهمة في مجال مسرح الطفل، بالإضافة إلى إصدارها كتاب (الآخر في المسرح العماني)، بالاشتراك مع الدكتور سعيد السيابي.