نوافذ: تاريخ مكشوف

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com
إلى عهد قريب؛ لم يكن أمر تدوين التاريخ؛ أمرا هينا سهلا، حيث كان يستنزف الكثير من الجهد والمال لكل من يريد أن يسلك هذا الطريق، وذلك أمر مرده إلى صعوبة إيجاد المصادر، من ناحية، وإلى رحيل كبار السن، من ناحية ثانية، وإلى صعوبة وسيلة التدوين من ناحية ثالثة، ولذلك؛ قد يكون أن هناك من الطامحين إلى كتابة التاريخ، دفنوا طموحهم، وأغلقوا رؤوس أقلامهم، وجففوا محابرهم، كل ذلك لأن الأمر ليس سهلا، وبالتالي فقدت المعرفة جزءا مهما من محصلاتها النوعية في مختلف العلوم، إلا النذر اليسير الذين عاركوا هذه الصعوبات كلها؛ و”بعد جهد جهيد” استطاعوا أن ينجزوا جانبا دون آخر من هذا التاريخ الممتد. اليوم يختلف الأمر اختلافا بينيا، وبمفارقات موضوعية كثيرة، ومتسعة، حيث أصبح الأمر أسهل مما كان عليه الحال قبل نيف من السنين، وذلك لتوفر ثلاثة وسائل مهمة؛ هي: المتقنون للمعرفة بأنواعها، وتوفر المادة التاريخية بكل سهولة ويسر، ووجود الوسيلة الناقلة؛ وسهولة استخداماتها، وبذلك لم يعد أمام كتاب التاريخ ومدونه أية حجة إطلاقا، تبقى فقط؛ الهمة، والرغبة، واستغلال الزمن الهارب بسرعة الريح، فالأحداث موثقة بالصورة وبالتاريخ، وبالوسيلة، وما تبقى على الراغب في سلك هذا الاتجاه إلا التبويب، والتنظيم، وتوثيق المصادر. تجري أحداث العالم بكل تفاصيلها أمام مشهد درامي عجيب، والعجب هنا هذه التفاصيل الدقيقة التي تجري عليها الأحداث، وكأن الواحد منا يشاهد عملا دراميا مباشرا، فما يحدث في آخر الشرق يعرفه الجالس أمام التلفاز في آخر الغرب، والعكس ذلك تماما، حيث أصبح الواحد منا يعي، ويراكم معارفه اليومية من أحداث التاريخ المتتالية، والمتواصلة طوال الـ (24) ساعة بكل أنواعها، وحتى والواحد منا داخل مركبته يقطع مسافة ما بين منزله والوجهة التي يريدها ما عليه سوى إدارة مفاتيح إحدى الإذاعات، إلا ويعيش تفاصيل التفاصيل التي تبث عن أحداث العالم في كل بقعة من بقاعه، حيث لا تمر ساعة إلا وتسمع خبرا جديدا؛ سعيدا أو حزينا؛ هذه قصة أخرى، ولكن يبقى هناك خبرا جديدا تسمعه لأول مرة، وتفاصيل جديدة عن خبر ولّى، وتحليل واسع عن حدث قريب، وهكذا تمتلئ الذاكرة الذهنية بالمعلومات، وبالصور، وبالمقاربات التي تعقدها بين الأحداث، ومجموعة التحليلات التي تتوصل إليها من أثر تشبع الذاكرة بهذه الأحداث، وبمعنى آخر لن يكون هناك فراغ ذهني مطلقا، وهذا ما يتيح الفرصة الكبيرة للتدوين، وكتابة التاريخ من باب المعرفة الكبير، ومن أوسعه. ومن جميل هذه الصورة المعبأة بالمعرفة والمعلومات، أصبح حتى الأطفال الصغار يعون ما يدور حولهم من أحداث العالم، ويعيشون التفاصيل الدقيقة لجل الأحداث، سواء تلك التي تعنيهم في أعمارهم الصغيرة، أو الأخرى التي لا تعنيهم، ولكن بحكم مجالساتهم للكبار، غدت ذاكرتهم الطفولية مشبعة بالأحداث، ويسألون ويناقشون، ويحرصون على إجابات واضحة لما يدور. فهل عاش الناس هذا الزخم المعرفي، وهذه الحمولة من المعلومات عن تفاصيل الأحداث على امتداد الجغرافيا زمنا أكثر مما هو عليه اليوم؟ يقينا؛ لا، ولذلك يفترض من الأكاديميين الذي يدرسون مادة التاريخ أن يوجهوا طلابهم إلى تدوين التاريخ الحالي، وينظّروا فيه بحكم معايشتهم الآنية، ولا يكلفونهم بالعودة إلى تاريخ طواه الزمان، الله أعلم مصداقية مصادره، المنقولة عن فلان وعن فلان وعن فلان. ينجز التاريخ الإنساني اليوم كما هائلا من المعرفة المتنوعة في شتى العلوم، وذلك من أثر الأحداث المتوالية والمعايشة بصورة مباشرة، وبدون أدنى تكلفة من قبل المتابع والمهتم، ولذلك يُنظر إلى هذه الصورة على أنها أكبر هدية معرفية تتحقق للبشرية، وبكل سهولة ويسر، وبالتالي فهذه فرصة لمن يهمه أن تكون لديه حصيلة معرفية لهذه الأحداث، قبل أن تصبح تاريخا مغيبا، يخضع للتأويل والتفسير والتعليل.