التحولات الفكرية في السلطنة

خميس بن راشد العدوي –

الخمسون سنة المنصرمة.. كانت طور التأسيس للدولة الحديثة في سلطنة عمان، وقد حدثت فيه تحولات داخلية كثيرة، وشهد العديد من الأحداث العالمية الكبرى؛ حيث تفككت أحلاف ونشأت دول، وأعيد بناء أنظمة، كل هذا.. من المهم دراسته لفهم عمق هذا الطور، الذي أعتبره أحد الأطوار التاريخية الكبرى في المجتمع والدولة بعمان، وإذ يصعب تتبع كل التحولات هنا؛ فإنني أتكلم باختصار عن الفكرية منها.
ينقسم هذا الطور من الناحية الفكرية إلى مرحلتين لا يمكن الفصل بينهما تكوِّنان بناءً واحداً؛ هما: توحيد الشتات الفكري الذي فرضه الواقع السابق على الدولة الحديثة؛ ويمتد من 1970 حتى 2000م، والتعددية الفكرية؛ وتمتد من 2000 حتى 2020م.
جاء جلالة السلطان قابوس بن سعيد، طيّب الله ثراه، إلى الحكم عام 1970م وعمان تشهد تشتتاً بيّناً في الجانب الفكري؛ الذي كان انعكاساً لمحاولات الخلاص من ثالوث التخلف: الفقر والجهل والمرض، المخيِّم على السلطنة في العقود التي سبقت حكمه، فأخذ على عاتقه بأن ينهض بعمان على ثلاثة محاور متلازمة: القضاء على التخلف، وتأسيس دولة حديثة، وتوحيد الشتات الفكري. وإذا كان القضاء على التخلف وتأسيس الدولة ببناء المؤسسات وترسيخ القانون له صعوبته؛ فإن الجانب الفكري هو الأكثر تعقيداً، لأنه يأرز إلى منظومات معرفية راسخة، كانت سائدة حينها، ثم لأن من طبيعة الفكر أن يعمل بشكل غير ملموس مباشرة، وقد يكون خارج الإطار القانوني، ولذلك كان هو الأكثر تحدياً بالنسبة للدولة في تلك الفترة.
وُجِدت حينها ثلاثة توجهات؛ وهي: الإسلام والقومية والاشتراكية؛ فكان موقف الدولة منها:
– رفض قاطع للفكر الاشتراكي، وعملت الدولة على منازلة أصحابه عسكرياً، بمواصلة المعارك التي بدأها السلطان سعيد بن تيمور، والذي حُسم بانتصار الدولة، وقد أصدر سعيد بن محمد الكثيري عام 1972م مجلة «العقيدة» لمواجهة الأفكار «الشيوعية».
– تعاملت الدولة مع الفكر القومي بتفكيك تنظيمه ومضامينه الثورية، ودمج معاني العروبة في الفكر الإسلامي الذي اعتمدته، وساعد على ذلك بدء انحسار القومية من المنطقة برحيل جمال عبدالناصر، وقد أسهمت في هذا المجال مجلتا: «السراج» لصاحبها سالم بن محمد الغيلاني التي صدرت عام 1975م، و«الغدير» عام 1977م عن نادي المضيرب.
– اعتمدت الدولة الفكر الإسلامي؛ وحتى تتخطى الصراعات المذهبية التي يعاني منها عادةً هذا الفكر تبنت استراتيجية التسامح، وأنشأت وزارة العدل والأوقاف والشئون الإسلامية لتحقيق ذلك، فأصدرت عام 1975م مجلة «الوحي» لتُعنى بتوحيد الرؤية الدينية بإفساح المجال للكتابة فيها من كل المذاهب الإسلامية، ولمكافحة الأفكار الاشتراكية والقومية.
شهدت الثمانينات منعطفاً في الفكر الديني.. فالدولة التي واجهت به الفكرَين الآخرَين، ها هي تواجه منه موجة التكفير بين المذاهب، ولحماية المجتمع العماني من آثاره الوخيمة أُنشئت معاهد السلطان قابوس للدراسات الإسلامية لتدريس الطلاب وفق استراتيجية التسامح، كما أقيمت «ندوة الفقه الإسلامي» بجامعة السلطان قابوس عام 1988م، ودُعي إليها كبار العلماء من كافة العالم الإسلامي؛ وحضرها شيخ الأزهر؛ أكدت الندوة على تبني الفكر الإسلامي بصيغته التسامحية؛ التي تدعو إلى العمل بما اُتفق عليه بين المسلمين، وعُذر بعضهم فيما اختلفوا فيه.
مشكلة أخرى ظهرت.. وهي تصاعد «الإسلام السياسي» في المنطقة، وتحوله إلى «مشكلة حركية» تجب معالجتها، فلم تسمح الدولة بتمدده في أرضها تنظيمياً، وإنما استفادت منه بأن أسندت تأليف المناهج المدرسية إلى لجنة من الإسلاميين، يشرف عليها الدكتور إسحاق الفرحان. وعززت كذلك عبر وزارة التراث القومي والثقافة نشرَ كتب التراث العماني، حتى يجد العمانيون في فكرهم ما يحصّنهم من الإفرازات السلبية لهذا التيار.
رغم الإجراءات التي عالجت بها الدولة المشكلات الفكرية الطافية على السطح الاجتماعي، إلا أنها نمت تحته، حيث تشكّلت «تنظيمات سرية دينية»، كان على الدولة بعد اكتشافها أن تفككها على مسار زمني طويل نسبياً، وكانت المعالجة حكيمة؛ حيث جرى التفكيك بدون استثارة المجتمع، أو التنكر للفكر الإسلامي ذاته، أو انتهاك لحقوق الذين انتسبوا لهذه التنظيمات.
دخل عقد التسعينات.. وقد تركت هذه التحولات أثرها بإعادة البناء الفكري باتجاه التعددية الفكرية، وكان من معالم البناء الجديد؛ أن نُقّحت المناهج التربوية من قِبَل لجنة تطوير المناهج بوزارة التربية والتعليم، كما قدم المنتدى الأدبي والنادي الثقافي أطروحات ناقدة للفكر والأدب، باستضافة شخصيات ذات توجهات منفتحة فكرياً، وأعيد تشكيل وزارة العدل والأوقاف والشئون الإسلامية لتصبح وزارة الأوقاف والشئون الدينية، وفصل العدل في وزارة خاصة به، ثم أصدرت وزارة الأوقاف عام 2003م مجلة «التسامح»، كل ذلك.. حتى تستوعب المرحلةُ الآتيةُ التعدديةَ الفكريةَ بمختلف أطيافها، بما فيها «الأفكار غير الإسلامية» التي يعتنقها الوافدون إلى السلطنة، ودمجها في استراتيجية التسامح.
ولتوسيع دائرة الثقافة؛ لاسيما في الحقل الأدبي صدرت عام 1994م مجلة «نزوى» عن مؤسسة عمان للصحافة والنشر، ورغم طبيعتها الأدبية الحداثية إلا أنها كانت منسجمة -بما في ذلك اسمها- مع الاستراتيجية الفكرية التي سارت عليها الدولة، والتي عُنيت بتوسعة الخط الفكري دون المساس بجوهرها.
الثلاثة العقود الآنفة.. كانت مرحلة توحيد الخطاب الفكري برؤية متسامحة، وقد نجحت السلطنة في تحقيقه، لكن الحياة لا تقف عند نقطة محددة، فقد حصل في التسعينات انفتاح معرفي متسارع، فمثّل إرهاصاً لنظام عالمي جديد؛ ابتدأ معرفياً بالمحطات الفضائية ثم لحقها الإنترنت، مما جعل الدولة تدرك ضرورة الانتقال بالفكر من الخط الواحد إلى التعددية، أولاً بالتهيئة الحكومية، والتي ذكرتُ بعضها سلفاً، تم تتويجها بخطاب جلالة السلطان قابوس رحمه الله في 2 مايو 2000م بجامعة السلطان قابوس الداعي إلى التعددية؛ وقال فيه كلمته المشهورة: (مصادرة الفكر والتدبر والاجتهاد من أكبر الكبائر، ونحن لن نسمح لأحد أن يصادر الفكر أبداً، من أي فئة كانت).
كان العقد الأول من هذا القرن.. عقد المراجعات على مستوى الحقل الفكري، هذه المرة ليس بالنسبة للحكومة، وإنما من قِبَل المثقفين، حيث أنتج الانفتاح المعولم تغيّراً عميقاً لدى كثير من المثقفين، وبدأوا الخروج من شرانق الماضي، وأخذ الجدل والنقاش يحل محل التسليم والاتّباع، مستمدين ذلك من التوجيه السامي، هذا التحول رفع من وتيرة الجدل بين أتباع الهياكل التقليدية، وشهدت مراجعات على مستوى الفكر، وظهرت أطروحات لم يألفها الطرح الواحد، فقد بدأت خارطة التفكير تتلون بأكثر من صبغة، فأخذ الطرح الديني في التعدد، ما بين المراجعات وفق المناهج القديمة، والمراجعات المنهجية، وطرح مناهج جديدة. وظهرت أطروحات فلسفية تناقش الأفكار ذاتها، وأطروحات أخرى ذات توجهات علمانية ويسارية، بل أصبحت هناك مناقشة لمفهوم المواطنة.
كان يمكن لهذه التعددية الفكرية أن تواصل تطورها بشكل متوازن مع ترشيدها، لولا أن «الربيع العربي» داهم المنطقة، فوصلت ارتداداته إلى السلطنة، فأخرت هذا التطور.
كان على الدولة حينها معالجة الجانب الفكري حتى لا ينحرف عن مسار استراتيجية التسامح فيؤثر على استقرار الوطن، كما حصل في بعض الدول العربية، هذه المعالجة -التي تزامنت مع دخول جلالة السلطان قابوس في مرضه الأخير- أحدثت عند البعض توجساً من توقف عجلة التعددية الفكرية، وما إن اعتلى صاحب جلالة السلطان هيثم بن طارق أعزّه الله سدة الحكم حتى ابتدأ خطابه إلى الأمة العمانية بالتأكيد على حرية التعبير، مما بشّر بتواصل خط التعدد الفكري وتنوعه بما يخدم مستقبل الوطن والشعب، لاسيما أنه أعاد تشكيل مؤسسة الثقافة لتصبح وزارة الثقافة والشباب والرياضة، ولضمان أداء دورها المنوط بها أسندها إلى ابنه الشاب صاحب السمو السيد ذي يزن.