نحتاج إلى الشفافية

عاصم الشيدي
assemcom@hotmail.com
لو أعدنا قراءة بعض تصريحات المسؤولين الحكوميين السابقين خلال العقد الماضي، أو حتى العقد الذي سبقه، لقلنا عنها اليوم إنها كانت تفتقر لمبدأ “الشفافية”، المبدأ المهم في بناء أي علاقة تكاملية بين الحكومة والمواطنين. أو إنها “أي التصريحات” كانت ترسم صورة متخيلة وغارقة في الحلم لا صورة واقعية وحقيقية للأشياء. كنّا نقرأ عن بعض المشاريع المليارية أن بإمكانها حل مشكلة الباحثين عن عمل، وتوفير آلاف الوظائف، أو أنها ستقلل من الاعتماد على النفط كمصدر للدخل. إلا أن “الكثير” من ذلك لم يتحقق لأسباب كثيرة من بينها أن بنية الخطاب كانت غارقة في الحلم وبعيدة عن الشفافية وتتجنب عرض التحديات والصعوبات إلا بعد تعمقها وبعد أن تكون خسارة التراجع أكبر من خسارة الاستمرار، أو أن تلك التصريحات كانت تبني صورة “إقناعية” آنية ولا تملك أدوات لبقائها، و”تفاجأ” المواطن الحالم بمستقبل أفضل في ضوء ذلك الخطاب أنه كان يعيش في مشهد لا ينتمي إلى واقع الأشياء وحقيقتها، وفيما كان المشهد ذاهبا للتعقيد كان ما يصل إلى المواطن يقول أنه ذاهب لمزيد من التوهج والإشراق. نحتاج في المرحلة القادمة أن نبحث في كل الأشياء عن العمق “في الحقيقة كنا نحتاج ذلك منذ سنوات طويلة” لا بناء صورة متخيلة وأنموذجية فيما الواقع مختلف تماما. أستذكر ذلك وأنا أستمع إلى الكثير من الأحاديث حول “التعليم عن بعد” حيث يحاول المتحدثون عنه بناء صورة مشرقة بعيدة عن التحديات التي تصاحب هذا النوع من التعليم، رغم أنه وسيلة تعليمية في فترة استثنائية صعبة. وتحدث مسؤول في وزارة التربية والتعليم وقال إن أكثر من 95% من الطلاب انتظموا في الفصول الدراسية الافتراضية وعجلة التعليم قد دارت للأمام. هذه صورة مشرقة جدا لا يحتملها الواقع أبدا؛ لأن ليس كل من حصل على اسم المستخدم وكلمة المرور قد باشر دروسه، فهذه مرحلة أولية جدا. والتحديات الحقيقية لا تكمن في هذه المرحلة، ولكنها تكمن في البنية الأساسية لهذا النوع من التعليم، والتي تتمثل في توفر الشبكات، وفي قدرة الأسر على توفير أجهزة لأبنائها وفي وجود من يستطيع رعاية وتوجيه الأبناء خلال فترة الدرس خاصة طلاب الحلقة الأولى. وهذه ليست مشكلة محلية فقط، إنها مشكلة العالم أجمع. وخلال الشهور الماضية قرأت عشرات المقالات المترجمة من صحف أمريكية وبريطانية وآسيوية تتحدث عن المشكلة نفسها، والمسؤول الحكومي هناك يتحدث عن نفس المشكلة ويحاول مع أولياء الأمور إيجاد حلول ممكنة. ما يحدث معنا، مما سمعته من التصريحات وأحاديث شخصية مع مسؤولين عن هذا التعليم، أننا نعتقد أن كل شيء جاهز وممكن بنسبة 99.9% وأن أي خلل في المشهد إنما هو من الطالب أو ولي أمره.. وهذا ليس من منطق الأشياء أبدا إنما هو رسم لصورة ما يجب أن تكون عليه الأشياء لا ما هي عليه في الواقع. أذكر هذا النموذج لأقرب به الفكرة التي أتحدث عنها، ولحضوره في سياق الحياة اليومية خلال هذه الفترة. المشهد يحتاج اليوم إلى مساحة أكبر من الشفافية، وإذا كان حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله، قد تحدث في خطابيه في فبراير الماضي ونوفمبر الجاري بكثير من الشفافية وتحدث عن التحديات ووضع المواطنين في صورتها فمن باب أولى أن يتحدث المسؤول الحكومي بشفافية مماثلة. ومع انتظار إطلاق “رؤية عمان 2040” فإن الحاجة تبدو ملحة أكثر لمزيد من الشفافية ولتسمية الأشياء بمسمياتها ولصحافة قادرة على الحصول على المعلومات الدقيقة ومخاطبة الناس بها وبحقيقتها لا بالصورة التي يجب أن تكون عليها في مخيلة الخطاب الإقناعي الآني.