كورونا والتواصل الإنساني

كان ذلك العنوان «التواصل الإنساني في زمن الوباء» مدار ندوة علمية نظمتها جامعة السلطان قابوس ممثلة بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية، للاحتفاء بيوم الفلسفة العالمي الذي يوافق التاسع عشر من شهر نوفمبر من كل عام.
ولعل الاحتفاء بالفلسفة ويومها وربط ذلك بإعادة التفكير في معطيات الحياة المعاصرة وما يتحرك فيها من أحداث، يعتبر من أوجه التقدم المعرفي والفكري لدى الشعوب، فالناس في حاجة دائما إلى التفكير النقدي والبنّاء الذي يقوم على رؤية الأشياء بأوجه غير تقليدية، وهذا تقريبا ما تقوم به علوم كالفلسفة والمنطق وكل أشكال المعارف التي تحمل الجوانب النقدية بحيث يتعود العقل على القراءات المتعددة للظواهر وما تحفل به الحياة الإنسانية من تحولات.
عنوان الندوة «التواصل الإنساني في زمان الأوبئة: جدلية العلاقة بين الفلسفة والأخلاق والمجتمع»، حيث يمكن التوقف هنا عند هذه المسائل الثلاث التي تمثل علاقات جدلية وتشابكية، وعندما يتم طرح السؤال في زمن كورونا هذا الوباء الغريب، فسوف نضع أنفسنا أمام تصورات عديدة ومتشعبة، خاصة نحن نرى اليوم كم يتغير العالم بفعل هذا الفيروس، إذ إن التغيير ينعكس على القيم والمفاهيم والفلسفة والمعاني عامة، بما يجعل حياة المجتمعات الإنسانية تدخل في طور جديد.
إن طرح مثل هذه الأسئلة يفتح الطريق إلى الحوار والمناقشة التي تفيد في بلورة المفاهيم الأفضل للمستقبل الإنساني، إذ إن مثل هذه المنحنيات في حياة الشعوب والأمم، تساعد في رؤية الذات بشكل أكثر وضوحا، إذا ما تم الأخذ بالتجربة وتمحيصها بالشكل الدقيق، أما إذا كان الأمر مجرد عبور فحسب دون أدنى تأمل، فالخلاصة ستكون هي أن الراكد لن يتحرك أبدا.
يشار إلى أن يوم الفلسفة العالمي سبق أن أعلن من قبل منظمة اليونسكو؛ وذلك بهدف إبراز قيمة الفلسفة وأهميتها في تطوير الفكر البشري، فهي ممارسة من شأنها أن تحدث التغيير الإيجابي في تفكير الشعوب ونقل المجتمعات إلى مناقشة القضايا المختلفة بأوجه جديدة.
لقد أقامت كورونا العالم ولم يقعد بعد عن السجال المستمر حول مسائل عديدة، لم يكن لينفتح بابها لولا هذه الأزمة التي فرضها الوباء، وهذا يعني أن دور الفكر النقدي هنا سيكون ضرورة كما أن البشر سيكونون أكثر حاجة إلى المراجعات لكثير من القضايا حولهم، بما يضيء الدرب بمشاعل الاستنارة التي تطرحها في بعض المرات الأزمات والمعتركات والتحديات التي تمر بالإنسان.
في داخل قضية كورونا وتلافيف هذا الوباء، تجارب تعيد التفكير في الاقتصاد وفي المجتمع وبناه الفكرية، لكن ربما أن المعنى الكبير هو جعل الذات تعود إلى ما يعرف بالعزلة التي هي رجوع إلى النفس في التأمل والقراءة الذاتية والمراجعة، هذه الخلوة التي قد تكون مطلوبة في بعض المرات لأجل الرؤية لمسارات أبعد في المستقبل بما يحمل حياة الإنسان للأفضل.