التحولات المحتملة للسياسة الخارجية الأمريكية: التحالف الأطلسي

د.صلاح أبونار –

ما هي أبعاد سياسة أمريكا الخارجية التي سوف يطلقها الرئيس الأمريكي الجديد جوزيف بايدن؟ جرت العادة على طرح مثل هذا السؤال مع انتقال الرئاسة الأمريكية من حزب لآخر، ارتكازا على المساحة المتغيرة من الاختلاف في رؤية السياسة الخارجية بين الحزبين. وفي حالتنا يكتسب السؤال التقليدي أهمية مضاعفة، ناتجة عن عمق الأزمات التي خلقها ترامب في المجال الدولي، والاختلاف المفترض الذي سيحمله بايدن إلى المجال السياسي لتلك الأزمات. وهنا سنجد مجال التحالف الأطلسي ضمن أولويات سياسة بايدن الخارجية، ومعه الصين وإيران وأزمة المناخ وقضايا إصلاح النظام الدولي وصراعات الشرق الأوسط. فما هي التحولات المتوقعة في مجال التحالف الأطلسي؟ وما هي القوى التي ستشكل مسيرتها؟
عاشت العلاقات الأطلسية أزمتها الكبرى خلال رئاسة ترامب العاصفة. خلال سنواته الأربع وجد الأوروبيون أنفسهم وقد انقلبوا من «حلفاء» لأمريكا إلى «أعداء» لها، ووجدوا ترامب يحذرهم أنه لن يدعهم يواصلون «مص دماء» أمريكا، وسمعته إنجيلا ميركل يصف ألمانيا بعبارات مثل «ألمانيا صنعت ثروات من وراء جنودنا، وألمانيا مدينة لنا ببلايين الدولارات في الناتو،. لن نتركهم يواصلون مص دمائنا». غير أن ذلك وأكثر ليس سوى المناخ النفسي والإعلامي للأزمة، التي دخل فيها التحالف الأطلسي بفعل سياسات ترامب، وليس العوامل التي شكلت الأزمة الفعلية. وهنا يمكننا رصد أربعة أبعاد.
سنجد البعد الأول في تعامل ترامب مع الناتو أي الهيكل التنظيمي والدرع العسكري للتحالف الغربي، بوصفه مشروعا تجاريا يدار بمنطق الربح والخسارة. سعى ترامب بقوة لتخفيض المشاركة الأمريكية في نفقاته المدنية والعسكرية الجارية من 22% إلى 16% بحلول 2024، ولكن هذا الجانب لم يحتل حيزا كبيرا في فضاء الأزمة، لأن إجمالي النفقات لم يتعد 1,85 مليار دولار عام 2019. وكان موضوع نزاع ترامب الدائم قبل القمم الأطلسية، هو رفع نسبة الإنفاق الدفاعي لكل الدول الأوروبية وفقا لاتفاق 2014، إلى 2% من إجمالي دخلها القومي بحلول 2024. وكان طرحه للأمر بالغ الحدة. فنحن لا نجده حاضرا بأي درجة من الحدة خلال سنوات أوباما الثمانية، رغم أن أوباما ومعه نائبة بايدن هو الذي توصل إلى اتفاقية 2014، التي حارب ترامب لتطبيقها. و لن نجد لهذا المطلب ذكرا في استراتيجية أوباما للأمن القومي 2015، وعلى العكس سنجد له مكانة بارزة في استراتيجية ترامب للأمن القومي ديسمبر 2017 واستراتيجيته للدفاع القومي 2018. ووفقا للتقديرات تصل نسبة الإنفاق الدفاعي الأمريكي 3,4%، مقابل 8 دول أوروبية يتخطى إنفاقها نسبة 2% المطلوبة، و11 دولة يتروح إنفاقها بين 1% و1,99%، ودولتان أقل من 1%. وواقعيا هناك ضرورة لرفع أوروبا لنسبة إنفاقها، واعتراف أوروبي بتلك الضرورة. ولكن بنفس المنظور الواقعي تعبر نسبة إنفاق أمريكا الدفاعي عن حجمها الاقتصادي وسيطرتها وتحالفاتها العالمية، أكثر من تعبيرها عن أي الالتزام الأطلسي بالدفاع عن أوروبا.
وسنجد البعد الثاني في موقف ترامب العدائي من الاتحاد الأوروبي. سندع جانبا تهجماته مثل «الاتحاد الأوروبي تكون لينتزع ما في أيدينا، وأنا أعرف ذلك وهم يعرفون ذلك، لكن الرؤساء السابقين لم يكن لديهم أدنى فكرة عن ذلك». أرسل ترامب إلى دول الاتحاد بسفراء يفتقرون للمهنية مثل وودى جونسون في بريطانيا وريتشارد جيرنيل في ألمانيا، ولديهم استعداد للتنسيق المعلن مع الحركات اليمينية والشعبوية الانفصالية. وعبر ترامب عن ترحيبه بالصعود السياسي لتلك الحركات، وأعلن ترحيبه بيركست وبصعود اليمين الفرنسي، ونسج علاقات قوية مع ممثلي اليمين الانفصالي الحاكم في المجر وبولندا.
ونرصد البعد الثالث في تخلى ترامب عن الاتفاقيات المنظمة للحد من التسلح النووي. في أغسطس 2019 قرر الانسحاب من «معاهدة الأسلحة النووية متوسطة المدى» 1987، أي الحجر الأساسي في اتفاقيات الحد من التسلح والتي تطوق المخاطر النووية الأكثر تهديدا لأوروبا. وفي مايو 2020 أعلن بومبيو عن نية الانسحاب من معاهدة السماوات المفتوحة، ونقلت واشنطن بوست عن مصادر رسمية اتجاه واشنطن لإجراء تجربة تفجير نووي، الأمر الذي يعنى خروجها العملي من معاهدة حظر التجارب النووية بعد 28 عاما من الالتزام بها. ولم يعلن البيت الأبيض مؤشرات تفيد تجديد معاهدة ستارت الجديدة 2010 للأسلحة النووية الاستراتيجية. وأسفرت تلك الخطوات عن دفع أوروبا للعراء النووي. وسنجد البعد الرابع في خروج ترامب عن الإجماع الأطلسي في أربع قضايا دولية هامة: قضية المناخ بخروجه من اتفاقية باريس 2015، والسلاح النووي الإيراني بخروجه عن اتفاقية 2015، والقضية الفلسطينية بخروجه عن استراتيجية حل الدولتين ونقله للسفارة الأمريكية للقدس. الأمر الذي أضعف أسس التوافق بينهما في المجال الدولي، ولم يعد هناك ما يجمعهما بقوة سوى الموقف من سياسات الصين الاقتصادية. كيف ستبدو سياسة بايدن المتوقعة تجاه أزمة التحالف الأطلسي؟
لدينا عدة نصوص تمنحنا رؤيته المباشرة: خطاب يوليو 2019 في نيويورك، وحوار مع مركز العلاقات الدولية الأمريكي في أغسطس 2019، ومقالته في مجلة فورين أفيرز عدد فبراير – مارس 2020، وأخيرا برنامج الحزب الديمقراطي الانتخابي 2020. ما الذي تخبرنا به تلك المصادر؟
تخبرنا – أولا – بالرفض الصارم لمفهوم ترامب التجاري في الإدارة الأطلسية، فالتحالف «بوصفة المتراس الأساسي للدفاع عن المثال الديمقراطي الليبرالي، يمثل علاقة مقدسة تتخطى حساب الدولارات والسنتات»، ولكنه أيضا يتباهى بإنجازه مع أوباما اتفاقية 2014 مذكرا الحلفاء بمبدأ المسؤولية المشتركة. ويستدرك – ثانيا – أن الاستثمار الأمريكي الاقتصادي والأمني المكثف في التحالف الأطلسي عبر سنوات ما بعد الحرب، لم يلحق بأي معيار حقيقي خسائر بأمريكا: «عادت تلك الاستثمارات إلينا أضعافا مضاعفة، في صورة أسواق جديدة لمنتجاتنا، وشركاء جدد في تعاملنا مع التحديات العالمية المركبة، وحلفاء جدد في سعينا لردع العدوان». وكما كان ذلك صحيحا في الماضي سيظل صحيحا في المستقبل: «نعتقد أن أوروبا الموحدة المزدهرة الديمقراطية تشكل أمرا حيويا للولايات المتحدة. وأن التحالف الأطلسي يشكل القوة الموازنة لنفوذنا العالمي. ومعا نشكل أكبر شراكة اقتصادية في العالم، ونساهم بما يقرب من نصف الناتج العالمي».
ويخبرنا- ثالثا – أنه سيسعى لدعم قدرات الناتو العسكرية وتطوير خططه الاستراتيجية: «لكي نواجه توسعية الكرملين ينبغي أن نحافظ على قوة الناتو الراهنة، وأن نطور إمكانياته الدفاعية ضد المخاطر الجديدة، وأن نجعل روسيا تدفع التكلفة العملية لعدوانيتها». وفى تلك النصوص سنجد – رابعا – ما يخبرنا بسياسات جديدة تناقض سياسات ترامب. سيعود بايدن إلى اتفاقية المناخ، وسيفتح الأبواب أمام عودة اتفاقية إيران، ولن ينقل السفارة الأمريكية من القدس لكنه سيعيد حل الدولتين إلى قلب المفاوضات. قصدت الدكتورة جودى ديمبسي من «كارنيجي أوروبا» 21 متخصصا يعملون في مؤسسات علمية متخصصة في الشؤون الأوروبية، ليجيب كل منهم منفردا على السؤال التالي: هل أوروبا مستعدة للتعامل مع رئاسة بايدن؟ بماذا تخبرنا قراءة تلك الإجابات؟
يعاني الموقف الأوروبي – أولا – من الكثير من القيود والعراقيل. فهو يعاني من نزعة الحنين للسنوات القديمة، حيث تسيطر على فريق من قياداته خبرة سنوات الاعتماد الاستراتيجي والدفاعي على أمريكا ويحلم بعودتها. ومن شأن هذا أن يقيد المخيلة السياسية، ويضعف الحساسية بمتغيرات الواقع، ويحد من المبادرة السياسية. وهو يعاني من انقسام عميق بين الدول الأوروبية، حيث تتباين التيارات الفاعلة داخل القواعد والنخب بين دول شرق ووسط وغرب أوروبا، وبين دول الشمال والجنوب، ومعها تتباين أوزان النزعات التسلطية والشعبوية والقومية ومدى تغلغلها وسط الجماهير والنخب السياسية. وهو في النهاية يعاني من عدم استقرار سياسي يحمل معه تغيرات حادة في هوية النخب الحاكمة، من ضمنها نخب دول أوروبا المركزية، الأمر الذي يصعب من إمكانية بناء سيناريوهات تعاون مستقبلية مع بلدان قد تشهد تلك الانقلابات الحادة. ويمتلك الموقف الأوروبي – ثانيا – درجة كافية من التوافق حول قضايا مثل إيران والصين وإصلاح منظمة التجارة العالمية والمؤسسات الدولية، لكنه يفتقر للتوافق المطلوب حول قضايا الأمن الأوروبي وحماية شرق ووسط أوروبا ونمط السياسات المطلوب للتعامل مع روسيا وجنوب المتوسط المضطرب. وهو ما يعني أمرين. وجود مساحة توافق حول قضايا جوهرية مع السياسة الخارجية الأمريكية، تمتلك فيها أوروبا مواقف وتقنيات متطورة ومتمايزة لمواجهة المشاكل. ووجود مساحة أخرى للاختلاف مع السياسة الأمريكية، تتمحور جميعا حول قضايا الأمن الأوروبي ومواجهة التوسعية الروسية شرقا والتفكك السياسي جنوبا. وتحمل تلك الازدواجية مؤشرا خطيرا، وهو ضعف أسس تكوين سياسة خارجية اتحادية عامة مشتركة. ونصل إلى الملاحظة الثالثة والأخيرة وتتعلق بضرورة السعي للاستقلال الاستراتيجي الأوروبي عن التحالف الأطلسي، في نفس الوقت الذي تسعى فيه أوروبا لتحقيق أقصى درجات الوحدة مع التحالف. يشكل هذا الاستقلال مهمة تاريخية ممتدة وليس قرارا سياسيا، ولن يتحقق إلا عبر بناء مظلة دفاع أوروبية مستقلة. وسوف يكون من السذاجة النظر إليه كعملية نقل لسلطة السياسة الخارجية من الحكومات القومية إلى حكومة اتحادية، لتقوم بإدارتها وجعلها سياسة ملزمة للجميع. والصحيح نقل تلك السلطة إلى تحالف اتحادي من الدول القومية يتكون من حول ألمانيا وفرنسا، وقادر على إدارة الثقل الأساسي للقوة الأوروبية وليس كل مكوناتها.