اتفاق آسيا التجاري نموذج للإرادة السياسية

عوض بن سعيد باقوير –

شهد العالم مؤخرا توقيع أكبر اتفاق للتجارة الحرة بين 15 دولة من جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي بعد ثماني سنوات من المفاوضات الجادة حيث عجّلت جائحة كورونا وتأثر اقتصاديات تلك الدول بآثارها السلبية، ومن الملفت أن الاجتماع الذي تم عبر المنصة الإلكترونية عقد في فيتنام النمر الاقتصادي الآسيوي الصاعد من أهم دول جنوب شرق آسيا الموقعة على الاتفاق التجاري الصين عملاق آسيا وثاني اقتصاد في العالم، واليابان ثالث أكبر اقتصاد في العالم علاوة على كوريا الجنوبية وسنغافورة وإندونيسيا وغيرها من نمور آسيا الصاعدة اقتصاديا.

ومن جانب دول المحيط الهادي تأتي أستراليا ونيوزيلندا على رأس قائمة التجمع الأكبر قبل الحديث عن مزايا اتفاق التجارة الحرة الاقليمي للشراكة، وهو دليل حي على الإرادة السياسية بين تلك الدول إدراكا منها لمصالحها المشتركة في منطقة جغرافية واسعة مطلة على البحار المفتوحة حيث بحر الصين الجنوبي والمحيط الهادي وقدرة بشرية تتخطى ملياري نسمة.
ومن هنا فإن اتفاق التجارة لدول جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي يوجه عددا من الرسائل خاصة للولايات المتحدة والتي أصبحت خارج هذا الاتفاق بسبب سياسة ترامب المنتهية ولايته والذي أوجد المزيد من التوتر مع الصين من خلال إطلاقه الحروب التجارية خاصة مع الصين ولا شك أن هذا الاتفاق التجاري الضخم يرسخ مكانة الصين الإقليمية والدولية والجيوسياسية في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية رغم أن الإدارة الجديدة بقيادة بايدن قد يسير وفق نهج مختلف يعيد التعاون للعلاقات التجارية بين واشنطن وبكين كما أن دخول اليابان يعزز من مكانة الاتفاق التجاري على صعيد الشراكة التجارية ويخفف من الخلاف الصيني الياباني بسبب الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي كما أن وجود أستراليا ونيوزيلندا سوف يعزز من شمولية ذلك الاتفاق التجاري الأهم عالميا، ونحن نتحدث عن الإرادة السياسية ونبذ الخلافات نتجه إلى المنطقة العربية التي تعصف بها الخلافات وتنقصها الإرادة السياسية نحو إيجاد السوق العربية المشتركة واتفاق التجارة الحرة رغم وجود العوامل الجغرافية والتاريخية المشتركة ووجود اللغة الواحدة ومع ذلك يسجل العرب خلال العقد الأخير تراجعًا ملفتًا وتعميق الخلافات السياسية بل ووجود مشروعات استراتيجية بعيدا عن آمال الشعوب.
وعلى ضوء ذلك فإن تلك الإرادة السياسية في نموذج اتفاق التجارة الحرة في جنوب شرق آسيا والمحيط الهندي أو حتى على صعيد الكتلة الاقتصادية الأوروبية يعطي مؤشرا على الفكر المتقدم لتلك المجموعات الإقليمية والحرص على مصالح شعوبها.
إن اتفاق الشراكة التجارية يعد إنجازًا اقتصاديًا غير مسبوق نظرًا لتأثيره على التبادل التجاري والإعفاء من الجمارك لعدد كبير من السلع وتحريك وتنشيط الموانئ في الدول الموقعة على الاتفاق ويوجد سوقا كبيرة يتخطى أكثر من ملياري نسمة ولا شك أن الصين سوف تكون هي رأس الحربة في الاتفاق التجاري في ظل مواجهتها التجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية علاوة أن الصين هي أكبر الشركاء في الاتفاق التجاري على صعيد إنتاج السلع والموارد المالية والبشرية، ومع ذلك فإن بقية الشركاء في الاتفاق سوف يستفيدون من الإمكانات الصينية على صعيد التبادل التجاري المباشر وسوف يُوجد هذا الاتفاق التجاري المهم فرصًا واعدة للتبادل في مجال السلع وتوفير المزيد من فرص العمل وإيجاد كتلة تجارية تمثل ثلث الاقتصاد العالمي.

أين العرب؟

اتفاق التجارة الحرة لدول جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي ينبغي أن يحفز الدول العربية لإيجاد شراكة تجارية واسعة النطاق وإيجاد تفكير جديد بعيد عن الذاتية وإنهاء الصراعات والحروب وإيجاد مناخ سياسي جديد بعد عقود من الفشل في العمل العربي المشترك، ولعل الاتفاق الآسيوي مع دول المحيط الهادي يعطي مؤشرات ليس فقط على صعيد الإرادة السياسية ولكن على صعيد نمط التفكير الإيجابي وعلى توجه يراعي مصالح الشعوب وليس الأنظمة السياسية كما أن ثماني سنوات من المفاوضات الشاقة بين الدول لم يوجد أي إشكالات بل كان هناك الصبر والإرادة حتى تتحقق أكبر اتفاق تجارة حر يشهده العالم في هذا القرن.
إن الاتفاق التجاري هو درس كبير للعرب وغير العرب ولعل إفريقيا في تصوري هي المجموعة الأكثر قربًا وطموحًا لاتفاق تجاري حر من خلال طموحات دول الاتحاد الإفريقي الذي يسعى لترسيخ الوحدة الاقتصادية الإفريقية، حيث تعاني القارة السمراء من مشكلات كبيرة على صعيد التنمية المستدامة ووجود الفقر في إجزاء القارة الجنوبية ودول الصحراء والساحل، ومن هنا فإن الاتفاق التجاري في جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي ينبغي أن يحفز الآخرين خاصة العرب والأفارقة وحتى المجموعة اللاتينية.
إن الاقتصاد العربي يعاني الكثير في ظل جائحة كورونا وأيضا في ظل الانخفاض لأسعار النفط ومن هنا فإن الحافز نحو تكتل تجاري جماعي بين الدول العربية يبدو خطوة موضوعية ومهمة وهذا يفرض أولا التخلص من الخلافات وإنهاء الحرب في اليمن وحل الأزمة الخليجية وإيجاد مقاربة سياسية جديدة تعتمد على النهوض بالاقتصاد والتجارة الحرة بين الدول العربية والتخلص من أرث الماضي والتطلع إلى المستقبل وطموحات الأجيال الجديدة.
إن العرب يهدرون عشرات المليارات الدولارات في الصراعات والخلافات والمشروعات الاستراتيجية التي تعد سلبية على الأمن القومي كما أن إيجاد مقاربة سياسية بين ضفتي الخليج يعد من الخطوات الحيوية في ظل انتظار الإدارة الأمريكية الجديدة والتي سوف تكون أكثر انفتاحا لإنهاء الأزمات في المنطقة خاصة بين طهران وواشنطن، كما أن العرب أمام مفترق طرق في ظل أوضاعهم السلبية الحالية وإهدارهم للمال في حين تنطلق الأمم في شرق آسيا والمحيط الهادي وفي أوروبا في تجمعات اقتصادية واتفاقات تجارة حرة تنعكس إيجابا على رفاهية الشعوب وتبادل المنافع والمصالح.
إن الحديث عن اتفاق التجارة الحرة بين اقتصاديات تلك الدول يأتي كنموذج حي لما ينبغي أن يكون وأن الدول العربية أمامها تجارب اقتصادية ينبغي أن تستفزها حتى تنطلق نحو نموذج عربي طال انتظاره، فالفكر السياسي الحالي لعدد من الدول العربية لن يأتي بشيء إيجابي بل سوف يغرقها بمزيد من المشكلات وزيادة المأزق السياسي وبدلا من ذلك فإن المنهجية السياسية ينبغي أن يعاد النظر فيها في ظل وجود النماذج الإيجابية في شرق العالم وغربه.

التكتلات الاقتصادية

نحن الآن أمام ظاهرة التكتلات الاقتصادية، فالصين وهي ثاني اقتصاد العالم لم تكتف باقتصادها المحلي الكبير صاحب أفضل أداء نمو العالم لعقود بل دخلت في شراكة تجارية أولا مع دول الإقليم وهي دول جنوب شرق آسيا أو ما يطلق عليهم نمور آسيا والآن توسع الصين طموحها التجاري مع دول في المحيط الهادي، ومن هنا تأتي الصين كنموذج يبحث عن التعاون الاقتصادي والتجاري الجماعي وهذا الأمر ينبغي أن يدركه العرب قبل فوات الأوان، فالمشروعات العربية الاستراتيجية بعيدا عن العمل العربي المشترك لن يأتي بنتيجة مثمرة بل سوف يعمق الخلافات ويُوجد حالة من عدم اليقين، ومن هنا فإن الاتفاق التجاري الكبير في بين دول جنوب شرق آسيا والمحيط الهادي هو نموذج حقيقي على نمط التفكير العملي الإيجابي ودليل على حيوية التحرك والإرادة السياسية التي تضع المصالح الجماعية على المصالح الفردية والذاتية، وهذا التجمع التجاري الكبير سوف يكون حافزًا لمجموعات أخرى، قد نشهده في إفريقيا أو أمريكا الجنوبية.