نوافذ: لماذا .. لانكون مصدرا للأخبار؟

أحمد بن سالم الفلاحي
shialoom@gmail.com
أتصور أن المسألة ليست يسيرة بالقدر الذي؛ يتجاوزه البعض؛ عندما يكونون مصدرا للأخبار، لأن الفرد عندما يكون في هذا الموقع، أو الموقف، يكون كمن يقود فرقة عسكرية مدججة بالسلاح، حيث يشعر نفسه بمأمن من كثير من المخاطر، على عكس ما سوف تكون عليه حقيقة الواقع، والواقع مؤلم على درجة كبيرة.
ولذلك تمثل وكالة “قالوا” العالمية مصدرا كبيرا لأخبار ملفقة، وأخبار كاذبة، وأخبار مبالغ في روايتها، وأخبار على درجة كبيرة من سوء الظن بالآخر؛ ومن الغيبة والنميمة والبهتان، وقس على كل هذا جل الصفات السيئة التي تذهب إلى الإساءة أكثر منها إلى خدمة المعرفة، أو إعطاء الصورة النقية للمتلقي، وهل كل الأخبار تنطوي تحت هذه العباءة السوداء القاتمة؟ أقول: نعم؛ إذا لم تكن من مصدرها الأول “الأصل” فالمصادر المتعددة من شأنها أن تلون مختلف المعلومات الواردة في النص الأصلي، وتكيفها؛ إما بما يخدم مصالحها الآنية، وإما لعدم التأكد من حقيقتها، وبالتالي؛ وحتى لا تفقد تألقها في لحظة إشاعة الخبر؛ تذهب إلى إضافة بعض الرتوش عليها، وهناك من يختلقها بالكامل، وتنشر برواية بعيدة كل البعد عن حقيقتها الموضوعية، وعن صدق مصدرها الأصل.
وهل هناك من يتعمد أن يكون مصدرا للأخبار؟ أقول: نعم؛ وهناك من يسره ذلك، لأنها تعطيه نوعا من الوجاهة، ويرى فيها تحققا للخروج من الظل، فبيان الأخبار تنقل الكثيرين من حالة العسر إلى حالة اليسر، ولو بحالة معنوية، فالإشارة إلى (فلان؛ مصدر خبر ما) معناه تصدره على قائمة من يشار إليهم بـ “البنان” والوصول إلى هذا المستوى من الشهرة ليس يسيرا، فقد يكلف الذين يسيرون على نهج قويم الكثير من الجهد، والكثير من المعاناة، والكثير من المجاهدة بالنفس، والمال؛ أحيانا.
كثيرا؛ ما اشتعلت حروب، ومصادمات، وزوابع اجتماعية، لأن هناك من نقل خبرا غير صحيح، أو مبالغ فيه، أو متجاوز في حقيقته، وهو بذلك كسب رهان الشهرة، والتميز، الذي يسعى إليه، ولكنه في المقابل أحدث جروحا نازفة، يتلقى مأزقها عدد غير قليل من الناس، وأرخ موقفا أسودا يكتوي بناره كل من مرت عليه جائحة هذا الخبر، وسيظل ذكرى سيئة في الذاكرة الجمعية، فمن طبيعة الناس أن يتذكروا السيء من القول والفعل، أكثر من محو الزلات، والقفز من أعلى العثرات.
لماذا .. لا نكون مصدرا للأخبار؟ أرى من منظور خاص أن أي خبر لا نكون مصدره الأول، يظل من الصعوبة نقله للآخرين، حتى ولو كان حقيقة، لأن حقيقة محطته الثانية “نحن” تتشوه هذه الحقيقة بمجرد نزوله في المحطة الثانية “هم” حيث يتسع التأويل، وتحدث المفارقات، وتبدأ الحقيقة تضمحل شيئا فشيئا إلى أن تصبح إساءة لأشخاص لا أول لهم ولا آخر، وقد يأتي بنتائج كارثية، نظرا لتعمد الناس وحرصهم على الزيادة والنقصان في ذات الخبر المنقول، وكثيرا ما عايشنا جل الأخبار؛ إن لم تكن كلها؛ وهي المتجاوزة لمصادر أصحابها بأنها لم تعكس الحقيقة مطلقا، بل عرف الناس في وقت متأخر أن الحقائق غير ذلك تماما، وأن الـ (90%) مما يتداول غير حقيقي، وظلت الـ (10%) هي فقط الحقيقة، وهذا ما يؤسف له حقا، وتأتي وسائل التواصل الاجتماعي اليوم لتعزز من مكانة هؤلاء الذين يهمهم كثيرا أن تتصدر أسماؤهم عناوين عريضة كمصادر للأخبار، بصورة مباشرة، وغير مباشرة.
وهل يستطيع أحدنا أن يتسامى على هذا السلوك؛ الذي يقترب من الفطرة؟ لن أعطي حقيقة مطلقة للإجابة على هذا السؤال، ولكن يمكن العودة إلى قول الشاعر:
“إذا ضاق صدر المرء من سر نفسه؛ فالذي يستودع السر أشرف” ومن الجميل أن ينزل الخبر منزلة السر؛ إذا ابتعد مصدره كثيرا، حيث تظل الحقيقة غائبة عن حضرة الناس.