نقاط بارزة على حروف المرحلة القادمة

د. عبدالحميد الموافي –

ليس من المبالغة في شيء القول بأن كثيرين، داخل الوطن وباتساع الساحة الإقليمية وامتداداتها الدولية، كانوا ينتظرون خطاب جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم بمناسبة العيد الوطني الخمسين المجيد، ليس فقط لأنه الخطاب الأول لجلالته في هذه المناسبة الوطنية المجيدة، إذ إن خطابي جلالته في 11 يناير و22 فبراير الماضيين ارتبطا بتولي جلالته مقاليد الحكم خلفا للسلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – ولكن أيضا لأن خطاب العيد الوطني يأتي في ظل ظروف وتطورات محلية وإقليمية ودولية عديدة.

ويترافق مع دخول مسيرة النهضة العمانية الحديثة مرحلتها الثانية بقيادة جلالته – أعزه الله – بقوة وعزيمة وبآفاق مشرعة وآمال كبيرة لتحقيق المزيد من التقدم والرخاء للوطن وللمواطن العماني في المرحلة القادمة، والتي تشهد تطبيق خطة التنمية الخمسية العاشرة ( 2021 – 2035 ) وبدء تطبيق الرؤية العمانية الاستراتيجية ( عمان 2040 ) وذلك اعتبارا من بداية يناير القادم.
ولعله من الأهمية بمكان الإشارة إلى نقطة جوهرية تتمثل في أن الخطاب السامي قد انصب كله في الإطار الوطني العماني، دون التطرق المباشر إلى قضايا خارجية، وهو ما يشير بوضوح إلى أن القيادة الحكيمة تضع الشأن الوطني والقضايا العمانية المحلية في مقدمة أولوياتها وأنها تحظى باهتمامها الكامل والمتواصل، مع العناية في الوقت ذاته بالطبع، بالقدر الضروري بالقضايا الأخرى، إقليمية ودولية، وعلى النحو الذي تقتضيه المصلحة الوطنية العمانية. يضاف إلى ذلك أنه يمكن القول بأن خطاب جلالته هو خطاب شارع وشارح في الوقت ذاته، بمعنى أنه يحدد مرتكزات المرحلة القادمة من ناحية، ويلقي المزيد من الضوء عليها من ناحية ثانية، وذلك في إطار الوفاء العميق للسلطان الراحل – طيب الله ثراه – والسير على نهجه وتعميق الأسس والمرتكزات التي استندت عليها مسيرة النهضة العمانية الحديثة في مرحلتها الأولى والالتزام بذلك صونا للمكتسبات وتلبية لطموحات وتطلعات أبناء الوطن في المرحلة القادمة.
وفي هذا الإطار فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
أولا: إن مما له دلالة عميقة أن جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – أكد بوضوح أن عمان تمكنت من « تجاوز التحديات التي مرت بها خلال العقود الماضية بحكمة وقيادة سلطانها الراحل… وتضحيات أبنائها ». وأنها تمكنت من « بناء نهضة عصرية جعلت الإنسان محور اهتمامها «. وأن « إرثنا التاريخي العريق ودورنا الحضاري والإنساني قد شكل الأساس المتين لإرساء عملية التنمية التي شملت كافة ربوع السلطنة… ورسخت قواعد دولة المؤسسات والقانون » كما أكد جلالته – أعزه الله- أن العمل على استكمال ذلك وتمكينه سيكون « من ملامح المرحلة القادمة».
ومن خلال هذه الإشارة المتعددة الجوانب أرسى جلالته قاعدة الاستمرارية ومواصلة العمل والتنمية واستكمال بناء الدولة العصرية على الأسس التي قامت عليها منذ انطلاقها بقيادة السلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – ووفق متطلبات واحتياجات المرحلة الجديدة للتنمية الوطنية أيضا، واستفادة مما تم تحقيقه في مختلف المجالات تنمويا واقتصاديا وخدميا وسياسيا كذلك. وبذلك وفر جلالته ضمانة هامة وضرورية لانطلاق العمل الوطني واستمراريته، بقوة وطمأنينة وثقة في مساراته الوطنية وفق الأهداف والأولويات التي حددتها استراتيجية ( عمان 2040 ) وأن المرحلة الجديدة للتنمية الوطنية بقيادته تبني على أفضل ما تحقق وتواصل الإنجاز وحمل الأمانة من أجل تقدم وازدهار الوطن والمواطن العماني. ثانيا: إنه في الوقت الذي أكد فيه جلالته مواصلة استلهام «جوهر المبادئ والقيم ذاتها « التي قامت عليها مسيرة النهضة المباركة، وذلك للوصول إلى المكانة التي « نصبو إليها جميعا «، وتكريس كافة الموارد والإمكانيات الوطنية لتحقيق ذلك، فإن جلالته قال بوضوح « وسنحافظ على مصالحنا الوطنية باعتبارها أهم ثوابت المرحلة القادمة التي حددت مساراتها وأهدافها رؤية عمان 2040 سعيا إلى إحداث تحولات نوعية في كافة مجالات الحياة مجسدة الإرادة الوطنية الجامعة».
وتكتسب هذه العبارة أهميتها المحورية من أنها تجعل من المصلحة الوطنية « أهم ثوابت المرحلة القادمة «، ومع الوضع في الاعتبار أن المصالح الوطنية هي، من حيث المبدأ، ما يحدد مواقف وخيارات وسياسات واستجابات الدول المختلفة للأحداث والتطورات في الظروف المختلفة، باعتبار أن جوهر مهام القيادة هو تحديد المصالح الوطنية والعمل على تحقيقها وصيانتها، بشكل مباشر وغير مباشر، في كل الظروف وفي مواجهة كل التطورات، فإنه من المعروف أن تحديد هذه المصالح ومعناها ومقتضيات وسبل الحفاظ عليها يرتبط إلى حد كبير برؤية وتقييم القيادة للمصالح وللأخطار والتحديات التي قد تواجهها الدولة في ظرف أو آخر، وفي ظل الاستقرار الذي تنعم به السلطنة والسياسات والعلاقات الطيبة التي تربطها مع مختلف الدول الشقيقة والصديقة، وقدرتها على التصدي لكل المخاطر والتعامل مع مختلف التطورات بما يحفظ مصالح عمان الوطن والمواطن على مدى السنوات الخمسين الماضية، فإن المهام والمسؤوليات التي اضطلع بها جلالة السلطان هيثم المعظم في المواقع المختلفة ومشاركته في عملية صنع القرار وقربه من السلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – مكنته في الواقع من الاطلاع الواسع والعميق على كل ما يتصل بالمصالح الوطنية العمانية وكيفية إدارتها على مدى العقود الماضية، ويأتي إعلان جلالته في خطابه، وما أشار إليه جلالته خلال ترؤسه لاجتماع مجلس الوزراء في 3 نوفمبر الجاري، ليؤكد على أن المصالح الوطنية العمانية ستكون المعيار والمقياس النهائي لمختلف القرارات والمواقف التي تراها القيادة الحكيمة على مختلف المستويات، داخليا وخارجيا أيضا.
ومعروف أن مفهوم المصلحة الوطنية هو مفهوم واسع وشامل ومتعدد الجوانب، وأوسع وأعمق بكثير من مفهوم السيادة الذي يتم التعامل به في مجال العلاقات مع الدول الأخرى والعلاقات الدولية بوجه عام، ومن هنا فإن مفهوم المصلحة الوطنية هو مفهوم غير قابل وغير مسموح للآخر، أيا كان هذا الآخر، بالتجاوز عليه أو المساس به تحت أي ظرف من الظروف، لأن الاعتبارات الوطنية ورؤية القيادة هي التي تحدد معنى وأبعاد ومجالات وأساليب تحقيق المصلحة الوطنية والحفاظ عليها، في كل الظروف وعند تعاملها وتقييمها لكل تطور أو حدث أو موقف، داخليا كان أو إقليميا أو دوليا، سياسيا أو غير سياسي.
ثالثا: انه في ضوء الأهمية الحيوية لتطبيق وتحقيق أهداف الرؤية الاستراتيجية (عمان 2040) حدد جلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – عددا من الخطوات والإجراءات الضرورية من أجل إنجاح تحقيق هذه الرؤية، مع التأكيد على مسؤولية الجميع، جميع أبناء الوطن،» كل في موقعه وفي حدود إمكاناته ومسؤولياته «، في العمل على إنجاحها. فإلى جانب العمل على تطوير الجهاز الإداري للدولة وتطوير ورفع كفاءة الأداء الإداري، والتنسيق بين مختلف أجهزة الدولة، أكد جلالته على الاستمرار في «مراجعة الجوانب التشريعية والرقابية وتطوير أدوات المساءلة والمحاسبة لتكون ركيزة أساسية من ركائز عمان المستقبل مؤكدين على أهميتها الحاسمة في صون حقوق الوطن والمواطنين ودورها في ترسيخ العدالة والنزاهة وستحظى هذه المنظومة برعايتنا الخاصة.» ومما لا شك فيه أن من شأن تلك الإجراءات ترسيخ وتعزيز سيادة القانون وتوفير أقصى قدر ممكن من الشفافية والحوكمة وضمان الحقوق، كافة الحقوق وفقا للقانون، للدولة وللمواطن وللمؤسسات، وهو ما يطلق العنان لكل القدرات للعمل والعطاء من ناحية، ويشجع على جذب المزيد من الاستثمارات من ناحية ثانية، ويحقق مزيدا من التفاعل الإيجابي بين جميع الفئات لصالح الوطن والمواطن أيضا وبما يحافظ على موارد الدولة ويضمن استخدامها الاستخدام الأفضل تحت كل الظروف، وتدخل خطة التوازن المالي متوسطة المدى في هذا الإطار، ومن شأن ذلك كله أن يغلق الطريق أمام أية نزعات أو محفزات للفساد أيا كانت صورته أو وسائله. من جانب آخر فان هيكلة الجهاز الإداري للدولة وزيادة فاعلية المؤسسات المختلفة لا يمكن أن تصل إلى غاياتها إلا إذا تم هيكلة أجهزة الإدارة المحلية، خاصة مجالس البلدية في المحافظات والولايات المختلفة، وإتاحة المزيد من العمل والأداء بدرجة أكبر من اللامركزية تسمح باستغلال واستثمار الإمكانات المتاحة على مستوى الولايات، وإشراك المواطنين والقطاع الخاص بشكل أكبر وأعمق في العمل على مستوى البلديات، وهو ما سيوفر في النهاية مزيدا من الاستثمارات وفرص العمل والمزيد من الخدمات للمواطنين، وشعور المواطن بقيمة المشاركة العملية في العمل التنموي. وقد أشار جلالته في خطابه إلى « إرساء بنية إدارية لا مركزية للأداء الخدمي والتنموي في المحافظات وسنتابع مستوى التقدم في هذا النظام الإداري بهدف دعمه وتطويره لتمكين المجتمع من القيام بدوره المأمول في البناء والتنمية». ومن المأمول أن يسهم ذلك في تعزيز دور المجالس البلدية وتحقيق درجة أكبر من المشاركة في أعمالها وستكون الانتخابات القادمة لها خطوة أخرى هامة في هذا المجال.
رابعا: إنه في الوقت الذي أعرب فيه جلالته – أعزه الله – عن اليقين بأن خطة التوازن المالي والإجراءات المرتبطة بها والتي تم اعتمادها « ستكون بلاشك كافية للوصول باقتصادنا الوطني إلى بر الأمان وسوف يشهد الاقتصاد خلال الأعوام الخمسة القادمة معدلات نمو تلمس تطلعاتكم جميعا أبناء الوطن العزيز «، فإن مما له أهمية ودلالة عميقة أن جلالته أكد على الاهتمام بتوفير الحماية والرعاية اللازمة للمواطنين، « فقد وجهنا بالإسراع في إرساء نظام الحماية الاجتماعية لضمان قيام الدولة بواجباتها الأساسية وتوفير الحياة الكريمة لهم وتجنيبهم التأثيرات التي قد تنجم عن بعض التدابير والسياسات المالية». بل وتوجيه جزء من عوائد هذه السياسات المالية إلى نظام الحماية الاجتماعية ليصبح « مظلة وطنية شاملة لمختلف جهود وأعمال الحماية والرعاية الاجتماعية«
ومن خلال هذه الرعاية تتكامل جهود الدولة على صعيد تفعيل التنمية المستدامة والإصلاح الاقتصادي والإداري وحماية الفئات الأضعف في المجتمع من أية آثار جانبية لذلك، وهو ما يضمن مزيدا من المشاركة في جهود التنمية والوصول بعائداتها إلى كل أسرة وكل مواطن على امتداد أرض عمان الطيبة. وقد توجه جلالته بالشكر والثناء إلى كل من يعملون من أجل حماية مكتسبات الوطن، وإلى جميع منتسبي القوات المسلحة الباسلة والأجهزة الأمنية وأعرب عن تقديره لجهودهم « في الحفاظ على سيادة الوطن وسلامة أراضيه والذود عن ترابه الطاهر في كل شبر منه «، ومؤكدا على رعاية ودعم جلالته لهم على الدوام . وبعزم كبير وتخطيط ووضوح رؤية، تنطلق المسيرة بخطى ثابتة بقيادة جلالته، وبتماسك وطني راسخ ومتين نحو تحقيق عزة الوطن وتطلعات المواطن العماني إلى مستقبل أكثر إشراقا وازدهارا.