عاصرت بدايات النهضة.. والسلطان قابوس رمز للسلام

رئيس المجلس الوطني للعلاقات الأمريكية – العربية في حوار لـ «عمان»:-
الولايات المتحدة تنظر إلى علاقتها بالسلطنة بمنظور مغاير عن باقي دول المنطقة –

حاوره: عبدالوهاب بن يحيى الهنائي –
ترجمة: فيصل الزدجالي –

«كنت دائما مع عمان منذ زيارتي الأولى لها عام 1971، لم ينقطع تواصلي أبدا… ما زلت أتعرف عليكم رغم معرفتي الكبيرة بكم.. قلبي دائما معكم.. قناعتي وإيماني راسخان وثابتان بما فعله العمانيون في الماضي وما يفعلونه في الحاضر والمستقبل»، هكذا اختتم الدكتور جون انطوني رئيس المجلس الوطني للعلاقات الأمريكية العربية حديثه لـ(عمان/ عبر الاتصال المرئي)، وهو يتحدث بعاطفة جياشة وحب عميق لبلد تأثر به كثيرا وأغرم بقيمه وعاداته وشعبه وسلطانه.
في هذا الحوار، يكشف لنا الدكتور جون بعض التفاصيل والمشاهد التي عايشها مع بداية عصر النهضة وزيارته الأولى لعمان في العام 1971، كما يروي لنا بعض المقتطفات عن لقاءات جمعته بجلالة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه – متطرقا إلى الأدوار التي قام بها من خلال ترؤسه للمجلس الوطني للعلاقات الأمريكية العربية منذ العام 1983 في التعريف بعمان لدى المؤسسات الأمريكية والزيارات الميدانية التي قام بها أعضاء ومنتسبو المجلس للسلطنة.

السلطان قابوس شخصية فذة عملت بجهد وصمت لتحقيق السلم العالمي – 

الزيارة الأولى

يبدأ الدكتور جون، حديثه بالقول «كانت زيارتي الأولى لعمان في العام 1971، وبالتحديد إلى مسقط، حيث كانت البلاد ما زالت في طور البناء… الشوارع المرصوفة كانت تمتد لـ 6 أميال فقط، الظروف كانت صعبة جدا.. هناك مستشفى واحد فقط هو مستشفى الرحمة، بأقسام محدودة، طبيب جراح واحد… لا توجد فنادق ولا أماكن للسكن بالنسبة للزائرين.. اضطررت للبقاء أنا وزوجتي في مستشفى الرحمة بمطرح، ولدي هناك ذكريات كبيرة لا تمحى من الذاكرة، كان هناك الكثير من المرضى، بعضهم في حالات حرجة، رغم ذلك غمرونا بلطفهم… مكثنا معهم لفترة من الزمن وأنا محظوظ جدا بهذه الفرصة»، ويستطرد الدكتور حول أحد المواقف الطريفة حيث يقول، «قامت إدارة المستشفى بتوفير غرفة لنا داخل المستشفى… لقد كنا محظوظين جدا.. رغم أن صوت المكيف كان أشبه بصوت محرك طائرة إلا أنه كان أفضل من حرارة الجو العالية في الخارج».
ويتابع الدكتور جون «في العام 1972، كانت زيارتي الثانية للسلطنة، ولكن هذه المرة ليس إلى مسقط، بل إلى ظفار، حيث تم تكليفي بمهمة لقاء بعض عناصر الجبهة الذين أعلنوا رجوعهم إلى حضن الدولة، حيث كانوا قرابة السبعين محاربا، وكان لدى بعضهم اهتمام كبير بمعرفة الولايات المتحدة الأمريكية عن قرب، لذلك تم إيعازي بهذه المهمة لكي أتحدث اليهم وأجيب عن تساؤلاتهم، وكنت أتحدث اللغة العربية نوعا ما، بحكم إنني كنت قبل ذلك في اليمن الجنوبي، في مهمة رسمية أخرى».

تقدير وتكريم

وحول نظرة الشعب الأمريكي للسلطنة والمنطقة العربية، يقول الدكتور جون: «في العام 1973 اهتزت العلاقات العربية الأمريكية بسبب المقاطعة، ورفض العرب توريد النفط والغاز إلى الولايات المتحدة وبريطانيا، وذلك في خضم الحرب العربية الإسرائيلية، حيث لم تكن هناك فكرة حقيقية لدى الشعب الأمريكي عن دول شبه الجزيرة العربية وبالأخص دول الخليج… حتى انه لم تكن هناك جامعة أمريكية واحدة، لديها صورة واضحة عن تاريخ وسياسة تلك الدول… لقد كان هناك شح وافتقار كبير للمعلومات حول تلك المنطقة، لهذا سعت إحدى الجامعات المرموقة في الولايات المتحدة الأمريكية وهي جامعة جونز هوبكنز إلى محاولة ردم هذه الهوة من خلال البحث حول تاريخ المنطقة، حيث قامت باستدعائي، وطلب مني توفير مادة دراسية للحديث عن الدول العربية وبالتحديد دول الخليج العربي ـ بحكم معرفتي بالمنطقة وبالتحديد اليمن وعمان ـ وتم اعتماده كمنهج دراسي ثابت بعد ذلك ولمدة عشرين عاما».
ويتابع الدكتور حديثه «في العام 1975 زار جلالة السلطان قابوس – رحمه الله – الولايات المتحدة الأمريكية، وتلقيت دعوة كريمة من جلالته للقائه في البيت الأبيض، وهو ما تم، حيث تشرفت بحضور مأدبة عشاء برفقة ثلاثة ضيوف آخرين، التقينا خلالها السلطان الراحل، حينها كان مهتما بالمبادرة التي قامت بها جامعة جونز هوبكنز… وفي اليوم التالي أمر جلالته بتقديم هدية للجامعة تقديرا لجهودها في التعريف بالسلطنة ودول الخليج العربي الأخرى.. وهو ما حفزني للعمل بجهد وعزيمة أكبر في هذا المشروع ذي الأهمية البالغة».

السياسة الهادئة

وحول مكانة السلطنة الدولية وسياستها الرامية لتحقيق السلام العالمي، يقول الدكتور جون: «ليس مستغربا أن يمنح جلالة السلطان قابوس-طيب الله ثراه-جائزة السلام الدولية، فهذه الشخصية الفذة كانت تعمل بجهد وصمت في تحقيق السلم العالمي.. فسياسة السلطنة تعتمد دائما على العمل في الظل.. لا تطلب الشكر أو الفضل من أحد، رغم تقديمها للكثير… وتشرفت بأن أكون أحد المنظمين لفعالية تسليم الجائزة والتي تسلمها نيابة عن جلالته الوزير السابق يوسف بن علوي بن عبدالله من قبل الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر».
ويتابع: «نعم لم يكن تسلم السلطان قابوس لهذه الجائزة من قبيل الصدفة، فعمان كانت أول دولة شرق أوسطية مسلمة تحركت لوقف الغزو السوفييتي لأفغانستان، في العام 1979، وبذلت الكثير من الجهود في إطار وقف الحرب وإنهاء الاحتلال الشيوعي، إضافة إلى عمل السلطان الدؤوب لإنهاء ملفات الحدود بين السلطنة وجيرانها، كما لا نغفل المبادرات الكبيرة التي قام بها جلالته للتوسط لإطلاق سجناء في إيران وباكستان واليمن».
ويضيف: «سياسة السلطنة تعتمد على الهدوء وعدم العجلة وتحكيم العقل في اتخاذ القرارات السياسية وأيضا في التعامل مع القضايا الدولية، فهي على إدراك تام بإن أي خطأ في عالم السياسة، قد يؤدي إلى نتائج كارثية لا يمكن إصلاحها وتكلفتها باهظة، لذلك نرى الهدوء والتروي الذي تتمتع بها حكومة السلطنة قبل الإقدام على اتخاذ أي قرار».

«بمنظور مغاير»

يقول الدكتور جون: «الولايات المتحدة الأمريكية تنظر إلى علاقتها بسلطنة عمان، بمنظور مغاير عن باقي دول المنطقة، وذلك من وجهة نظري يرجع لعدة أسباب، أهمها، العلاقات التاريخية بين البلدين، والتي تمتد إلى قرنين من الزمن، والتي ترسخت من خلال تبادل السفراء والاتفاقيات الأمنية والعسكرية والاقتصادية، إضافة إلى ذلك، الموقع الاستراتيجي للسلطنة، وإطلالتها على المحيط الهندي، وإشرافها على مضيق هرمز وهو ما يشكل أهمية كبيرة جدا بالنسبة للولايات المتحدة والعالم أيضا، حيث يمر ثلث الإنتاج العالمي من النفط، إضافة إلى إمدادات الغاز الطبيعي من هذا الممر المائي.. فعمان بمثابة الحامي لهذا المنفذ والحامي لجزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية… ثم لا نغفل أن لعمان أهمية كبيرة أيضا بما يخص علاقتها التاريخية بدول ساحل إفريقيا الشرقي».

قيم راسخة

وحول أسباب إعجابه بالسلطنة، يقول الدكتور جون: «هناك مبادئ وقيم راسخة لدى المجتمع العماني، وقد أبهرني ذلك كثيرا… أول هذه القيم والتي أراها من الأهمية بمكان هي العدالة ثم العدالة ثم العدالة -وقد كررها ست مرات -، وهناك أيضا الرحمة والتكافل المجتمعي وهذا ما عايشته خلال زياراتي العديدة للسلطنة… هناك عادات حسنة كثيرة شاهدتها (عيادة المريض، التصدق على المحتاجين والفقراء والترابط العائلي…)، نعم هذه ليس من ضمن الأوليات لدى المجتمع الغربي والذي انتمي إليه، لهذا تعلمت الكثير من هذه القيم الحميدة… وهناك أيضا الترابط المجتمعي، وهو ما لحظته كثيرا… الذاتية والأنانية الفردية لا وجود لها داخل المجتمع العماني، هناك ترابط كبير على مستوى العائلة والجماعة والمجتمع… الاهتمام بالآخر والإحساس به هي من أولويات الفرد داخل المجتمع العماني…» ويتابع الدكتور حديثه، متسائلا: «نعم.. أيهما أهم في ميزان التاريخ، الفرد أم القيم والمبادئ»، ويجيب، «الفرد فان لا محال، أما المبادئ والقيم فهي باقية للأبد، وهذا ما تؤكده الديانات التوحيدية وفي مقدمتها الإسلام».

تأثرت كثيرا بعمان

ويكمل الدكتور جون، حديثه : «أحاول دائما أن أنقل وأشارك هذه الأفكار والقيم الرائعة لمن حولي والتي تأثرت بها من خلال زيارتي لعمان… أيها العمانيون تغمرني العاطفة حين أتحدث عن علاقتي وحبي لهذا البلد… تعلمت منكم أن أكون ابنا أفضل وأبا أفضل وأخا أفضل وعما أفضل، تعلمت منكم أن العائلة هي الأساس وأن الفرد جزء لا يتجزأ منها… أيها العمانيون لقد غمرتموني بالحب وشاركتموني أغلى ما عندكم».

كرم الاستضافة والترحيب

وحول عمل المجلس الوطني للعلاقات الأمريكية العربية، والأدوار التي قام بها للتعريف بدول المنطقة خلال العقود الماضية، يقول الدكتور جون، « أنا فخور جدا كون المجلس ابتدأ أعماله الأولى بمناقشة العلاقات التاريخية التي تجمع بين الولايات المتحدة الأمريكية وسلطنة عمان، حيث كان أول مؤتمر عقده المجلس في سبتمبر 1983، بجامعة جورج تاون بالعاصمة واشنطن، وخصص بشكل كامل للحديث عن هذه العلاقة كونها من أقدم العلاقات العربية الأمريكية ـ والتي تمتد لقرابة القرنين من الزمن وبالتحديد منذ العام 1840، حين بعث السيد سعيد بن سلطان سفيره إلى الولايات المتحدة الأمريكية أحمد الكعبي ـ وامتد المؤتمر ليوم كامل نوقشت فيه أوراق بحثية ودراسات خاصة بهذا العلاقة التاريخية، وبمشاركة ثلة من الشخصيات الأكاديمية والدبلوماسية… ومنذ ذلك الوقت ونحن نقوم بزيارات دورية للسلطنة من خلال مشاركة طلبة وأكاديميين أمريكيين، تعرفنا خلالها على طبيعة المجتمع العماني، وقد حضينا في كل مرة بكرم الاستضافة والترحيب».
ويتابع، «الأمر الآخر الذي أفخر به دائما، هو تعاون المجلس الوطني الأمريكي، مع مجلس الشورى العماني في العام 1993، حيث تم التنسيق معنا لزيارة وفد من السلطنة إلى واشنطن، وذلك لحديث عن أهداف وأدوار مجلس الشورى العماني أمام وسائل الإعلام الأمريكية المختلفة، ونحن سعداء جدا بهذه الزيارة، والتي امتدت لشهر كامل».
والجدير بالذكر، أن المجلس الوطني للعلاقات العربية الأمريكية، هو منظمة أمريكية تعليمية غير حكومية، تأسست عام 1983، وتهدف إلى تحسين معرفة وفهم الشعب الأمريكي للعالم العربي، وذلك من خلال زيارات ميدانية يقوم بها طلبة من جميع الولايات المتحدة الأمريكية المختلفة للدول العربية، إضافة إلى عقد اجتماعات دورية مع منظمات عربية، لتبادل المعلومات والتعاون المشترك.