أساس نجاح التنمية الشمولية

هلال بن حسن اللواتي –

لا شك أن الأوطان تقوم وتنهض بالتنمية الشاملة، وتتساعد فيها الأيادي الوطنية بالخصوص، وكل يعمل كفريق عمل واحد، الكل محتاج إلى الكل، وللكل أهمية متساوية النسبة والمسافة، حيث إن الجميع يعمل في ذات السفينة وذات البيت، فالمسؤولية موجهة إلى كل فرد من أفراد البيت الواحد، وإلى كل فرد من أفراد السفينة، ويحرص الجميع على سلامة هذا البيت وتلك السفينة، ففي عين العمل على النهوض بما يرفع من شأن البيت، ويدفع السفينة إلى بر الأمان فهناك العيون مفتوحة والعقول واعية والنفوس منتبهة إلى عدم الوقوع فيما قد يخل بأمن البيت وبسلامة السفينة، وإذا ما قام فرد أو أفراد بأعمال سلبية فإن هذا لا يكون مدعاة إلى الإخلال بواجب المسؤولية تجاه البيت والسفينة، بل إن ذلك يقضي إلى زيادة الجهد البناء، بل ولوعي المرحلة لتفادي الأخطاء وإصلاح الخلل.
إنه بقطع النظر عن معنى مفهوم التنمية، وبغض النظر عن أنواعها إلا أن جميعها تحتاج إلى ضامن لاستدامتها من جهة، وإلى مصحح لها من جهة أخرى، وإلى ما يمدها بروح قيمية مقبولة لدى العقل والعقلاء من جهة ثالثة، وهذا الأمر لا يمكن أن يتحقق إلا بالعمل وبشكل مستمر ومن دون انقطاع على «تنمية الذات»، ترى ما الذي نقصده من تنمية الذات؟.
نجد في هذا الباب الكثير من الأطروحات، غير أن الكثير منها لا يتناول الذات من حيث هي هي، ولهذا يظل الحال من البحث في هذه الذات وتنميتها، إضافة إلى أن المفاهيم التي تطرح تكون بعيدة عما تحتاجه الذات حسب طبيعتها التي صنعت عليه.
إن كل ما يندرج تحت عنوان التنمية الشاملة من عناوين أساسية من قبيل: التنمية البشرية، والتنمية المستدامة، وما يقع تحتها من أنواع من قبيل التنمية الاقتصادية، والفكرية، والاجتماعية، والبدنية، والبشرية، والثقافية، والتجارية، والزراعية والصناعية والسياحية… إلخ فإنها تحتاج إلى إدخال عنصر «تنمية الذات»، ونقصد منه كل أنواع إدارة الذات، وكل مراتبها، من حيث كيفية إدارة الذات، وإتقانها، كي لا يكون هذا الإنسان الذي بذلت عليه الأموال، وأعطيت له مسؤوليات وطنية سواء كانت تطوعية أو توظيفية عامل هدم لما بناه أو لما بناه غيره.
إن أعظم خطر على الدول والأوطان هو نفس الإنسان إذا لم تبنَ شخصيته على الأسس السليمة، وعلى ما تتقوم به ذاته من صفات حميدة؛ لأن هذا سوف ينعكس في كل مجال من مجالات الحياة سواء كان عمله عبارة عن جهد بدني أو كان عبارة عن جهد فكري، أو كان عبارة عن مهارة تصدر منها بأسلوب جميل ورائع في شكله ومظهره.
وتبدأ هذه التنمية في جميع صورها من أولى مراحل طفولة الإنسان، لتزرع فيه القيم الجميلة، والأخلاق الحميدة، مع ما تحتاجه من أسس القيام والثبات والديمومة، ولا تتوقف عند أي مرحلة من مراحل الحياة، فإن الإنسان مهما كبر سنه وموقعه محتاج إلى مزيد من المعرفة الأمر الذي يدعوه إلى مزيد من التزود بالقيم والأخلاق.
ونشهد في العالم اليوم الكثير من الصور التي لا تتناسب ولا تنسجم مع القيم الإنسانية، وترد الكثير من الأسئلة إلى الذهن حول العلة التي تقف وراء انهيارات سقف القيم والأخلاق، والجواب ببساطة هو: البناء الذي مر عليه كان بناء يستهدف الجوانب العلمية والتخصص والأكاديمية، وهو أمر في نفسه جيد، إلا أنه في الصورة الكلية نذير خطر لأنه يتعلم العلم، ويتعلم مهارته، إلا أنه في هذين الأمرين محتاج إلى التزود بالقيم، وفي كل مرحلة يمر بها، سواء كان في مرحلته التمهيدية أو كان في مرحلة الجامعية، أو كان في مرحلة العمل والوظيفة داخل المؤسسة الصغيرة أو الكبيرة.
والعلة التي تقف وراء هذا الاحتياج هو هذه «النفس البشرية»، فإن طبيعتها محتاجة إلى التوجيه والإرشاد والتنبيه والنصيحة، فالأمر لا يتعلق بالسن العمرية أو المستوى الوظيفي بل تتعلق بهذه النفس البشرية، فهي تتمتع بخصائص تمكنها من التمرد والانفلات من جادة الاعتدال والوسطية والصراط المستقيم، ولأنها تحتك بحياة اجتماعية وظيفية تفاعلية مع بشر مثلها أو مع المواد والأدوات فإنها وبشكل قطعي ستغفل عن القيم والمبادئ التي نشأت عليه في أولى مراحل عمرها وسنها، بل وقد أكد الأعلام كما أثبتت التجارب الحياتية المختلفة بأن الإنسان محتاج إلى مزيد من التعرف والممارسة على القيم والمبادئ التي يكون لها حضور واضح وفاعل في مجال عمله ودراسته.
وإنه من الجميل أن وجدنا في العقود الأخيرة اهتمامًا بهذا الجانب فعرف ما سمى بـ«أخلاقيات العمل والوظيفة، إلا أنه سرعان ما خرج عن اعتداله وصار الاهتمام على المهارات وغلبت عليه الحالة التنافسية في التسويق وتحول الحال إلى التجارية، ما أفقدها حقًا الجانب القيمي والأخلاقي، بل ووجدت في بعض المدارس التخصصية التي تهتم بجانب القيم والبرمجة القيمية نصائح وتوجيهات مغاير للقيم والمبادئ توجه إلى من يعاني بعض المشكلات في محل العمل ومن بعض رؤساء العمل، وأعزي هذا الأمر إلى المنظور القيمي الذي ينطلق منه، وإلى الأسس التي يستند عليها، وبتعبير آخر فإن هناك منطلقات لكل مدرسة تنطلق فيها من رؤيتها الكونية للعالم وللوجود، وكلما كانت الرؤية ضيقة والمنظار ضيقًا فبطبيعة الحال سيكون ما يقدمه من المنهج والدرس تابعًا لتلك الرؤية الضيقة ولذلك المنظار المحدود، وكلما كانت الرؤية شمولية وواسعة كان المنهج والدرس تابعًا لذلك.
ومن هنا كانت المسؤولية تتوجه إلى البحث عن المدرسة التي تتمتع برؤية شمولية للعالم وللوجود، كي تسحب هذه النظرة إلى المنهاج التي سوف تضعها، وإلى الدروس التي سوف توجهها إلى الدارسين والمتعلمين، وهذا الأمر بديهي جدًا لا يحتاج إلى مزيد فكر، نعم يبقى الكلام في الواقع الخارجي فأي من المدارس تحمل هكذا رؤية شمولية.
فتأمل في أن الكلام مقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما هو متوجه إلى أصل الفكرة، وهي أن المدرسة كلما كانت رؤيتها إلى العالم والوجود شموليًا وواسعًا كان ما ستقدمه أفضل وأجمل في عالم التنمية، وكلما كانت رؤيتها أضيق وأضعف كان ما لديها غير منتج بالشكل المطلوب، والقسم الثاني: يقع الكلام في البحث عن المدرسة التي تتمتع برؤية شمولية وواسعة.
ولعل البعض يطرح تساؤلات تتعلق بأصل الحاجة إلى القيم والأخلاق في كل شأن من شؤون الحياة، والجواب عليه وباختصار هو: نقول في مقدمة الكلام؛ إن هذا متعلق بالرؤية الشمولية والواسعة، فكلما كانت المدرسة المجيبة أكثر شمولية في وقوفها على الواقع الوجودي للعالم كلما كان جوابها أصوب وأقرب إلى الواقع، والجواب المباشر هو: إن في هذا الوجود مجسات تكوينية ذات صلة وارتباط بسلوك الإنسان، وهذه البرمجة الوجودية لا تتغير؛ لأنها تشكلت على شكل قانون وجودي، فإذا قام شخص بعمل غير أخلاقي وبدافع سلبي لا يمكن لأحد استكشافه لأنه أطر بإطار مظلة المسؤول ذي منصب متنفذ، فصارت القيم تتلون بلون شخصيته، فإنه وإن لم يمكن محاسبته، إلا أنه غفل هذا الشخص بأن عالم التكوين غير غافل عن تصرفه، وأنه قد سجلت عليه هذه السلبية، وأنه بدأ بتحريك القانون التكويني ضده، وسوف يلاقي جزاء فعله حتمًا وجزمًا، سنة إلهية لا مرد لها سوى الإنابة الحقيقية في حقوق الناس بالخصوص، قال تعالى: (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) {فاطر/43}.
فلا يظنن أن فعله مغفول عنه وإن استظل بظلال تبرر له فعله أمام الناس وأما المسؤولين، فإن الأحكام الأخلاقية لا تقبل التخصيص ولا الاستثناء؛ لأنها بنيت على قاعدة واحدة، فأينما تحقق موجب تحريكها في أي زمان وفي مكان ومن أي شخص فإنها سوف تتحرك بلا أدنى شك.
قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) {الروم/41}، فهذا الظهور ما يعرف بالوسط الاجتماعي بالظاهرة الاجتماعية، إذ أصبحت القيم الفاسدة هي السائدة بين الناس، وأصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، إلا أنه لا يتغير عنوانه في عالم التكوين، فإنه يظل كما هو، فبناء الناس على الفساد ومخالفة القيم وإن اتفق عليه أصحابه وتم قبلوه قبوله فيما بينهم إلا أن هذا لا يغير من الواقع شيء، فالمعادلة الرياضية إذا ما اتفق علي تغييرها البعض لا يغير من واقعها، فإنها تظل كما يفرضه الواقع، 1+1=2، فكذلك ما في القانون التكويني بقوة المعادلة الرياضية، فإن أي سلوك سلبي يؤثر في القانون التكويني بشكل سلبي، ويحركه ضدي، وأما إذا كان إيجابيًا فإنه يحركه بإيجابية ولصالحي.
ومن هنا تحتم على البشرية البحث عن تلك المدرسة التي تكشف لي المبادئ التي تلامس القانون التكويني بإيجابية، وتنبهني على السلوك السلبي لتجنبي مخاطر تحرك القانون التكويني.
نسأل الله تبارك وتعالى في مناسبة العيد الوطني الــ(50)، أن يمن علينا برحمته، وأن يرزقنا هذه الرؤية الشاملة للتنمية الشاملة لبناء الذات أولًا وبالذات، لسلامة التنمية في كل مجالاتها، وعملًا لنجاحها في خطتها 2040 إن شاء الله تعالى، لنصل إلى هذه المنصة التاريخية بتكامل وشمولية بما فيه حفظ المنجزات الوطنية الجميلة، وأسال الله تبارك وتعالى أن يسدد مولانا السلطان هيثم -حفظه الله ورعاه- في كل خطوة يخطوها، وأن يوفقه لكل خير، وأن يدفع عنه كل سوء، وأسال الله تعالى أيضًا أن يرحم السلطان قابوس وأن يتغمده برحمته، إنه مجيب الدعاء، كما أدعو الله تعالى أن يأخذ بأيدي أبناء الوطن الغالي عمان إلى ما به الرفعة والنجاح لما يحبه ويرضا، وأن يدفع بعجلة تنمية هذا البلد بالخير إلى الخير، وأن يزيل عنه كل مانع من ذلك الخير.