فلسفة متقاعد

خميس بن راشد العدوي –

مرت عدة سنوات كغيمة.. لم أرَهُ فيها، وكان من العادة أن نلتقي في مقهى قريب من سكني، تعودت قصده بصحبة كتاب، لم يكن من المقاهي التي يؤمها البعض ليخلو بالهدوء وشرب القهوة، ثم يدفع فاتورة بخمسة ريالات، فليس باستطاعتي حينها أن أدفع مثل هذا المبلغ، كنت أحصد كل بيسة حتى أتمكن من بناء بيت لأولادي. أرتاد هذا المقهى لقربه، ولتعارفنا نحن الشباب بأن نلتقي فيه، وكلنا تقريبًا سعيد بما يقدمه، فهو مع «سعره الشعبي» يضمن الحد المطلوب من السلامة الصحية، كما أنني مولع بقراءة الأفكار، وهذا ما كنت أجده فيه من خلال المواقف العابرة في تعامل مرتاديه بمختلف مشاربهم مع بعضهم البعض.صاحبي.. ممن تعرفت عليه هناك، وهو إنسان عملي، بيد أن ذلك لم يصرفه عن الجوانب الإنسانية اللطيفة، ومنها التعرّف على مَن حوله، كثيرُ الحديث؛ كأنه لم يُخلق إلّا له، يتحدث عن كل شيء، سألته مرةً مازحًا: أظنك تعمل في موقع وظيفتك فيه الكلام؟ فضحك، وضحكه أيضًا «جَدٌّ»، فهو لا يكاد يضحك إلا لداعٍ، فإذا ضحك خلتَه لا يعرف الجَد، ثم قال: لو زرتني في مقر عملي وسألت عني، لقيل لك: هل تقصد «الساكوت»؟ فرمقته مندهشا، فرد: لا تعجب، لقد صممت حياتي لكي أعطي كل شيء حقه.
سألته مرةً: من أين أتيت بهذه الفلسفة؟ فقال وهو ينظر إلى كتابي: يا صديقي.. هذا ما تعلمته في الحياة، ولن تجده مسطورا في كتبك المزخرفة بعبارات التنظير، ثم رفع رأسه مبتسمًا: أنا أقرأ أيضا. فاندفعت قائلا: حقًا تقرأ؟ ولماذا؟، فقال: خصصت يوميًا وقتًا للقراءة، وأقرأ للذة. لم أسأله ماذا يقصد بقراءته للذة، فهناك كثيرون يقرأون وفق فلسفتهم.
اتصلت به هذه الأيام لألتقي به في ذات المقهى، فرح كثيرًا ورحب باللقاء، ثم قال: أقدّر ذكرى المكان في قلبك. إلا أن المقهى أغلق مع تفشي جائحة «كوفيد-19»، ويبدو أنه انتقل من هناك، أقترح أن نلتقي في مقهى «المقهى». رحبت بالمقترح، وقلت: جيد.. فهو ليس ببعيد.
بحسب الموعد.. دخلت «المقهى»، الوجوه.. سرقت كورونا ملامحها كحفلة تنكرية من أفلام الكوميديا السوداء، فجميعها مختفٍ خوفًا وراء الكمامات، أخرجت هاتفي لأتصل به وأعرف مكانه، وقبل أن يرد أزاح الكمامة عن وجهه على وَجَل، فانتبهت له، ولمّا تأكد مني أشار لي بيده، وذهبت إليه، بادرته بالسلام فرد عليَّ بوجه طلق ينم عمّا يختزن قلبه من السعادة، فقلت له: ماذا عليك يا رجل.. أنت متقاعد ولا تحمل همًا.
لمّا جلست و«تناشدنا عن العلوم والأخبار»، قال: ماذا تطلب؟ فأجبته: أي شيء ليس فيه سكر أبيض. فابتسم قائلا: ما زلتَ على ضلالك القديم. فرددت: قل.. إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم. ثم قلت: رجاءً.. عليّ القيمة. فبادرني: مستحيل.. أنا متقاعد، وعندي.. المتقاعد هو من يدفع. لم أشأ أن أطيل معه الجدال، فهو لا يتنازل عن فلسفته في الحياة إلا مرغمًا.
موضوعات عدة أرغب في الحديث معه عنها، إلا أن موضوع التقاعد كان حاضرًا ففرض نفسه، لأن صاحبنا عن قريب قد أحيل إليه.
– اخبرني.. وقد تقاعدتَ عن الوظيفة.. ماذا تنوي أن تعمل؟.
– لا أنوي العمل في وظيفة أخرى، ولم أخطط لأي مشروع يدر عليّ مالًا.
فنظرت إليه باستغراب، وقلت في نفسي: هل يعقل لهذا الكائن الذي «يعبد العمل»، أن يقضي باقي عمره بدون شغل، وهو لا يزال في الخمسينات. قرأ تساؤلي من نظرتي، فقال: لقد خططت لهذه اللحظة منذ بدء حياتي العملية، فاسمع مني. فقلت: هات.
– لمّا توظفت بعدما أنهيت دراستي.. قلت لنفسي: لا يمكن أن أدع صروف الدهر تسوسني وتقلباته تخنقني، بل عليّ أن أضع خارطة لحياتي، أقلل بها مخاطر المستقبل، فقسّمتها ثلاث مراحل: الأولى للبناء.. فيها أتزوج وأبني بيتاً وأنجب أطفالًا وأربيهم حتى يكبروا، وقدّرتها بخمس عشرة سنة، فإن زادت فلن تتعدى العشرين. والثانية للادخار.. فيها أعيد تأهيل بيتي وأكوّن حديقة صغيرة في حوشه، وأوفر باقي المبالغ لما بعد التقاعد، وقدّرت زمنها كالمرحلة الأولى، والثالثة للتقاعد.. أعيشها بسلام، بعيدًا عن ضجيج العمل، وهي كذلك أتوقعها عشرين سنة، ثم أكون بين يدي رحمة أولادي، أو بين يدي رحمة الله.
– وماذا ستعمل خلال المرحلة القادمة؟ هل يمكن أن تقضيها بين غرف بيتك الرومانسية تطعم قطتك وتربت على ظهرها، أو تسقي حديقتك البهيجة وتشذب حشائشها النافرة؟.
– سأكون غالبًا في البيت، فالمكث فيه بحد ذاته روضة أنيق، ولكن -بالطبع- ليس كل الوقت، فهناك أصدقاء جميلون مثلك عليّ أن أسمر معهم، ولدي ثلاثة مشاريع أراوح نفسي بها في هدوء، قلت له: ما هي؟.
– بدايةً.. أخبرك عن الفلسفة التي ترتكز عليها هذه المشروعات، بل قل: باقي حياتي.
فانتبهت لنفسي.. وقلت: كيف فاتني أن أسأله هذا السؤال. فاستدركت قائلا: تفضل.
فواصل كلامه: لقد صممت أن أعيش هذه المرحلة بعيدًا عن منغصات النفس وكدر الأيام، ولذلك.. لن أسمح بقدر الإمكان أن أفقد المتعة فيما أقوم به. وأما مشروعاتي فهي: تعلّم لغة جديدة، والقراءة، والسفر بصحبة زوجتي إلى أماكن لم أزرها.
فقلت: أدرك شغف الناس بالأسفار، ولكن.. لماذا تتعلم لغة جديدة؟ وهل لديك مشروع معرفي تقرأ لأجله؟.
فرد: لا أتعلم اللغة لأي غرض، إلا لأستمتع بها بقية حياتي. ولا أنوي أن أكتب حول موضوع ما، بل أريد أن أتلذذ بالقراءة فحسب، ولربما فاض كأس القراءة بمقال أو كتاب، ولا هدف منه إلا العُذُوب وحده يروي غليل نفسي.
ثم أردف: لماذا تكتب الناس؟ تكتب لتنتج معرفة، فتسهم في بناء الحياة لتكون أكثر سعادة، فلا ينبغي أن نغتال حياتنا بالمشقة وننسى الأصل.
– ألا ترى أن مذهبك هذا في اللذة، لو سار عليه كل الناس لتعطلت المصالح؟.
– من المحال أن يعتنق الناس كلهم مذهبًا واحدًا، واللذة.. يا صديقي لا تتحصل بطريقة واحدة، فقد يجد متقاعد لذته في وظيفة أخرى، وقد يجدها في مشروع تجاري، أو عمل بحثي، أو تقديم تجاربه ليستفيد منها الناس، وربما شارك أهله في مشروع منزلي يدر عليهم دخلًا كطهي بعض الأطعمة، أو تقديم ورش فيما يتقنون من فنون عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما قصدي.. على الإنسان ألّا يقضي بقية حياته في إرهاق ومكابدة، بل عليه.. أن ينعم بالراحة فيما يعمل أثناء تقاعده، فلا يكون همه تأثل مال، بل ولا قضاء دَين؛ والذي ينبغي بالأساس ألا يتورط فيه.
– وهل يستطيع كل العقلاء أن يجنحوا لسبيلك؟.
– طبعًا.. لا يتأتى ذلك لجميعهم، وإنما أخبرك بتجربتي. وأتصور.. أن الإنسان إن خطط لمرحلة تقاعده جيدًا، سوف يتمكن من قضاء بقية عمره في سعادة ورضا، وتبقى للأقدار أحكامها.
– هل لمذهب اللذة هذا شروط لديك؟.
– هي شروط سهلة، إلا أنها بتقديري عظيمة: ألّا أضيّع واجبًا، ولا أترك خُلُقًا، ولا أنتهك قانونًا.
فعلقت: يا صاحبي.. لو كنتَ في زمن تدوين مذاهب الفلسفة؛ لعُددتَ فيلسوف البساطة، وحقًا.. الحياة تحتاج لذلك.
وبعد أشجان من الأحاديث تخللها شرب «الشاهي» الأخضر، وقبل أن ننهي الجلسة الندية، شكرته على حديثه الشيّق، وعلى إفادتي بفلسفة للتقاعد -بل للحياة- قلما يدركها الناس، وإن أدركوها فقد تكون الفرصة قد فاتت.