العربة والحصان .. بين عصا التتابع وتصادم الأهداف

أحمد بن سالم الفلاحي –

ثمة علاقة تشابكية بين العربة والحصان، ويظهر هذا التشابك أكثر عند تبادل الأدوار، مع أن هذه الأدوار لا تتبدل من ذاتها، وإنما هناك فاعل حقيقي يعمد إلى تحريك الساكن في تبادل الأدوار، وهو فعل قصدي بالدرجة الأساس، حيث لا يكون هذا التبدل من وحي الصدفة أو المفاجأة، ومن هنا تأخذ القصة محورها في الحديث عن إشكاليات هذه العلاقة في بعديها النظري والعملي.

هل هناك من يصنع حصانه الخاص، وعربته الخاصة؟

سؤال نستفتح به هذه المناقشة، ويبدو وفق سياقات الحياة، وأحوال الشعوب، أن هذا أمر مفروغ منه، فليس هناك من يرتدي جلباب غيره، حيث اختلاف المقاسات، والأذواق، وأحوال المجتمعات، ومن هذا يكون المبرر مقبولا عند الشعوب عندما تعمل وفق معتقداتها، وقناعاتها، وتنطلق من ثقافاتها وبيئاتها في كل ما من شأنه أن يحافظ على هوياتها، وكينوناتها، لأنها إن تنطلق بذلك فهي تنطلق بخطى واثقة، وبرؤى واعية، وبفكر متقد، وبعزم أكيد، والأمر في ذلك ليس يسيرا، ويبقى خيارًا صعبًا وثمنه باهظ، ولكن الشعوب التي تؤمن بقدراتها لا تستصعب رسم خرائطها الذهنية والمادية بيديها الأمينتين، وليس هناك أمن بالقرب من الذاتية، وكلما استطاعت الشعوب أن تؤمن أحصنتها وعرباتها لقيادة مصائرها، كلما آمنت على نفسها، وأمنت على حياتها، صحيح أنها ستواجه أمام ذلك الكثير من الصعاب، والكثير من العراقيل، والكثير من الصد والرد، ولكن يبقى إيمانها بذاتها هو المعوّل عليه للخروج من كل إشكالية هذه العلاقة التشابكية بين العربة والحصان.
توجد ظروف الحياة الكثير من التحديات، والمؤثرات، والنكوصات، وهذه من الصور المعايشة لجميع البشر، بلا استثناء، ولكن من صفات البشر هي القدرة اللامتناهية على تجاوز هذه الظروف، ولذلك فهي تمتطي الأحصنة في حالات الرفاه، وتحاول أن تسرع لكسب الرهانات المتاحة، ولا تتوقف إطلاقا عن الوصول إلى الغايات الكبيرة، أما في الجانب الآخر، فهناك شعوب أخرى لم تعد تمتطي الأحصنة، فالحصان معناه الرفاه، والرفاه معناها الوفرة، والوفرة مفقودة بعوائد مجانية منذ بدء بحث الإنسان عن حياة فضلى وسط هذه العالم المتناهي، وهذه مسألة معروفة ومعايشة، وإلا لما قيل: «ومن لا يحب صعود الجبال، يعش أبد الدهر بين الحفر» كما قال أبو القاسم الشابي، إلى قوله: «أبارك في الناس أهل الطموح، ومن يستلذ ركوب الخطر».
ربما، وفي زمن ما، لا تستطيع الشعوب إعادة إنتاج الأحصنة في مشروعات التوافقات المختلفة، فالأحصنة بقوتها، وهيلمانها، ونشاطها تذهب إلى حيث العواصف الهائجة، وليس بمقدور الأفراد الضعفاء لأن يعيدوا إنتاج الأحصنة لأنها مكلفة، وتحتاج إلى كثير من الإمكانيات، والاستعدادات، ولفرط هيلمانها فهي العنوان العريض للاستعراضات، والخيلاء، ولذلك هي جزء لا يتجزأ من صور الوفرة، والتي عادة، لا تكون إلا عند علية القوم، وصور الوفرة هذه كثيرا ما أضرت بمشروعات الندرة التي للتو تخرج من عنق الزجاجة، وبخطى وئيدة، ولكن مع ذلك تمر عليها حوافر الأحصنة لتخطف آخر نفس لها (…قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) -الآية (18) من سورة النمل – والآية هنا لمقاربة الفهم فقط، وليس لخصوص السبب، فالله سبحانه تعالى أكرم النبي سليمان عن الطغيان، ولذلك جاء لفظ (وهم لا يشعرون) تنزيها لهذا النبي عليه السلام، كما جاء في بعض التفاسير، وإعادة إنتاج الأحصنة مرتبط بصورة مباشرة بإعادة إنتاج العربة، فالعربة بعجلاتها الأربعة، ليس يسيرا تحركها وانسيابيتها بعامل ذاتي محض، فهي في أحوالها الكثر لن تستغني عن الحصان، والحصان هنا يمكن إسقاطه على كثير من مشروعات الحياة اليومية، في صورة قرار، أو رأي، أو سلطة ما، أو مجموعة إنسانية متعاضدة ضد أخرى، أو منظمات تتقارب مصالحها أكثر ضد دول بعينها، أو دول تجتمع على الشر، للإضرار بدول أخرى، تبقى في حكم القوى، ضعيفة، ومستباحة، ولا حول لها ولا قوة، وكما هو مقبول في إعادة إنتاج العربات لأنها الناقل من مرحلة إلى أخرى، فهي بمثابة القنطرة الرابطة بين ضفتي النهر، فإنه في الوقت نفسه يستلزم هذا الإنتاج النظر بعمق إلى الواقع، وتوظيف أدواته في هذا الإنتاج، حتى لا يكون هناك حالة فصل بين الواقع، وبين صناعة أي عربة توجد لأداء وظيفة ما، وإن كان الزمن المرتهن عليه قد يفرغ مساحة أخرى لمن يريد أن يخرج من عنق الزجاجة، فالزمن يستيقظ على صهيل الأحصنة، ويحس بوطأة عجلة العربات، ولكن لأن الزمن لحظات هاربة، فكل ردة فعل للزمن، إن لم تجد لها صدى هذا الصهيل، أو وطأة هذه العجلات، فإنه ينكفئ، فالعامل الذاتي مهم ومحوري ليتواكب معه الزمن، ويتعاطف، ولذلك فهناك شعوب، وأفراد عندها فطنة النباهة، فلا تفوت فرصة، ولا تؤخر خطوة، وحيوية التفاعل حيث تسخر كل الأدوات والإمكانيات في سبيل تحقيق المكاسب، لإيمانها الشديد بأهمية استغلال هذه اللحظات الزمنية الراحلة، التي تضيء سناها من تحت مناكب الخيل، وبذلك استطاعت توظيف الأحصنة – بالحركة والهمة والمثابرة – فكسبت رهانات الزمن الكثيرة، ورأت في العربة شمولية المساحات الواسعة للحمولة، فكانت بمثابة الجسر الموصل إلى ساحات الإنجاز، والمكاسب، وحافظت في الوقت نفسه على تراتبية الأدوار وثبوتها، حيث ظلت الأحصنة هي من يقود عربات الشعوب إلى مصاف التميز والتقدم، بما يمليها عليها الزمن من تطور، ومن تبدل، ومن تغير، فعلى الرغم من لحظات الزمن الهاربة، إلا أن هذه اللحظات تقدم هدايا للبشرية، من خلال ما يبدعه البشر من أفكار خلاقة، وإبداعات متميزة كان للزمن فيها تأثيره المشهود، فالمعرفة -كما هو معيش- حالة تراكمية، ولا شيء ينبت من فراغ.
يشكل المنحنى المعياري في مسألة العربة والحصان دورا مهما جدا في سبيل توجيه البوصلة نحو المسارات الصحيحة، لأن في تبادل الأدوار بين العربة والحصان، مخاطرة كبيرة على القيم الضابطة لمصالح الناس، وهذه القيم تعتبر أهم المعايير على الإطلاق، ولا يجوز بأي حال من الأحوال تجاوزها، فعائد الضرر من ذلك كبير، ومؤثر على حياة الناس، وهذا ما لا يجب إغفاله إطلاقا خاصة في مشروعات التنمية المختلفة، وفي الأنظمة السليمة الواعية التي إن تذهب فإنها تذهب إلى احترام الذات الإنسانية، واحترام القانون العادل في تطبيقه، واحترام كافة المعايير الإنسانية والأخلاقية في التعامل مع شعوبها، ومن هنا تحدث المفارقة دائما في حالات احتلال الأوطان، حيث تعمل القوى المتسلطة على امتهان كرامة الإنسان، والنيل من حقوقه المشروعة، ويسقط مفهوم الأحصنة على الإساءة أكثر منه على الاحترام والتقدير.
تذهب عصا التتابع إلى تبادل الأدوار، ومع أن فكرة عصا التتابع تذهب إلى ذات المسير، أو الاتجاه، وذلك لتقليل جهد الرياضي الأول، حيث يتقاسم الرياضي الثاني في السباق جهد الأول، يكمل عليه، وكأنه يضاعفه بصورة غير مباشرة، وكل ذلك لكسب السباق، والتفوق والتميز، وكل ذلك يحدث في أطره القانونية والإنسانية، ولا يضار فيه أحد، ويبقى كسب السباق بناء على الجهد الصادق المبذول، بينما تذهب فكرة تبادل أدوار العربة والحصان على العكس تماما، بل تصبح أكبر معوق للتقدم، وكسب الخصوم الذين يعملون بكل ما أوتوا من قوة، حرصا منهم على تعظيم مكاسبهم المادية، أو السياسية، أو الاجتماعية.
ختاما، شكلت صورة (العربة والحصان) قصة إنسان لا يزال يبحث عن هوية، وهذه الهوية ليست تائهة بالصور التي تذهب بالخيال إلى البعد الأسطوري، بل هي هوية متاحة، بيد الإنسان أن يكيفها بالصورة التي يرى فيها تحقق كياناته المادية والمعنوية على حد سواء، ولكن تبقى إشكالية هذه الصورة أن واقعة بين فكي الكماشة، فمن باب هي اجتهاد فردي، وهي اجتهاد جمعي، والجمعي هنا يذهب إلى أفراد المجتمع، وإلى الكيانات السياسية سواء بسواء، وهي في شأن آخر خاضعة لاعتبارات إقليمية ودولية، تسيرها منظمات، واتفاقات، جانبية أو مشاعة، والخطورة هنا في هذا المناخ أن صورة (العربة والحصان) تكون خاضعة لكثير من الاعتبارات السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، حيث تدخل في تنظيم ذلك الكثير من القوى المتسلطة والمتنفذة، والقوى المدفوعة، والقوى المستفيدة، ولذلك في ظل هذا الواقع تكون الأدوار متبادلة بين العربة وحصانها، والكلمة تبقى لمن يمسك بلجام الحصان، حيث السيادة والقيادة.