نور الدنيا

2 من 100 كتاب للقراءة وإعادة القراءة –

ميتشيكو كاكوتاني –
ترجمة: أحمد شافعي –

في هذه السيرة الآسرة عن الحب والفقد والحزن، تصف إليزابث ألكسندر العواقب العاطفية المدمِّرة لوفاة زوجها الحبيب فكري غبرياسوس، وكيف قامت هي وولداها سولومون وسيمون بمواساة بعضهم بعضًا، وإرشاد أحدهم الآخر عبر نفق الحزن المعتم رجوعًا مرَّة أخرى إلى النور.
تتذكَّر ذات ليلة عندما حان وقت النوم أن ابنها سيمون البالغ آنذاك من العمر ثلاثة عشر عامًا سألها إن كانت تريد أن تصحبه في زيارة فكري في الجنة:
«أقول له، نعم، وأستلقي بجواره في سريره».
«يقول، عليكِ أولا أن تغمضي، وتركبي المصعد الزجاجي الشفاف. وال، نصعد إلى أعلى».
أسأله «ماذا ترى؟»
يقول: «أرى الرب جالسًا عن الباب». أسأله «وكيف هو شكل الرب؟» «يقول، شكله كشكل الرب. الآن ندخل إلى حيث يوجد بابا».
«يقول سيمون، عنده غرفتان، في إحداهما سرير واحد وفيها كتبه، والأخرى هي التي يرسم فيها. غرفة الرسم واسعة. يمكنه أن ينظر من أي شباك يشاء ويرسم».
حينما يحين وقت الرحيل، يركبان المصعد راجعين مرة أخرى إلى أسفل. ويقول سيمون لأمِّه «بوسعك أن تصحبيني في أي وقت تشائين».
إليزابث ألكسندر، شاعرة حاصلة على جوائز، وأستاذة سابقة في جامعة ييل، وتعمل حاليا رئيسة لمؤسسة أندرو دبليو ميلون. تحكي في كتابها هذا عن الحزن الخالص الذي اختبرته إثر فقدان زوجها قبل خمسة عشر عامًا. كتابها في حقيقته رسالة حب إليه، وهو يترك لدينا صورة لا تمحى لغبرياسوس زوجا وأبا وفنانا. فالكاتبة تحيي ببراعة لوحاته الملونة على صفحات كتابها. وتصف كيف التقيا. وتتذكر كيف وقعا في الحب، وكيف طبخا معا، وكيف كتب أحدهما الهايكو للآخر في دفتر مشترك، وكيف كانا يستمعان معا إلى أحمد جمال وبيتي كارتر وآبي لينكن وراندي وستن ودون بولين «عباقرة المهجر الأفريقي الذين كنا نحبهما».
وكما أنها في شعرها (في دواوين American Sublime ، The Venus Hottentot ، Antebellum Dream Book) تستكشف العلاقات بين الحاضر والماضي وتعقيدات الهوية، فهذه السيرة تحيي ذكرى الانعطافات القدرية الغريبة التي يمكن أن تجمع بين اثنين. إذ يتبيَّن أنه كان بين ميلادي إليزابث ألكسندر وغبرياسوس شهران، في جهتين متقابلتين من الكوكب، فهي في هارلم بالولايات المتحدة وهو في إريتريا التي مزقتها الحرب ففرَّ منها وهو في السادسة عشرة، شاقًّا طريقه إلى أمريكا عن طريق السودان فإيطاليا فألمانيا.
غداة وفاته، تشعر إليزابث ألكسندر أن بيتهما مشحون بالحزن. تشعر أنها «قادرة أن تنتظر رجوعه إلى الأبد» وأنها «سوف تترك النور مضاء في غرفة المعيشة، فهو النور الذي يواجه الشارع». وتحلم أنه يعود راكبا وسيلة انتقال غير معهودة، هي لوح تزلج. وتفكر «ها أنا أكبر، وهو لا يكبر». تدرك أنها لا تعرف كيف تشغل جهاز الفيديو الرقمي لأن كليهما لم يجد غاية من تعلم كيفية تشغيله. تستمر في دفع فاتورة هاتفه المحمول لمدة سنة ونصف سنة بعد وفاته، لأنها أرادت ألا تفقد الرسائل النصية. تظل تتجنب متاجر الكتب لأنها تتخيل أنها تراه في قسم التاريخ أو قسم الفن أو قسم البستنة.
التقت إليزابث ألكسندر وفكري غبرياسوس في نيو هيفن وربيا ولديهما هناك وفي هامدن القريبة. وبوصفها شاعرة ومقيمة قديمة في نيو هيفن فهي تصوِّر في كتابتها ببراعة «الآفاق الشعرية المختلطة لأشجار نيوإنجلند ونفاياتها الصناعية»، فضلا عن وصفها الطعام ببراعة مناظرة ومزيج إيقاعات الحياة الجامعية وحياة الشارع.
ينتهي كتاب إليزابث ألكسندر برحيلها هي وولديها عن نيو هيفن إلى نيويورك. يخططون للمرور بمقابر شارع جروف لوداع فكري، لكن يؤخرهم موعد مع الطبيب فلا يتمكنون من المرور بالمقابر قبل ميعاد إغلاقها. يقول سيمون، لا بأس «القبر يذكرني بوفاة أبي، وأنا أريد فقط أن أتذكر حياته».