عرض وظيفة (2)

حمده الشامسية

hamdahus@yahoo.com –

تفاجأت بأن الوظيفة التي عرضت علي في الدرجة الأعلى كانت في المحاسبة، المادة التي لم أكره شيئا في حياتي كما كرهتها، شعرت أن تلك المرأة أرادت معاقبتي بالوظيفة، فأنا لا أفقه شيئا على الإطلاق فيها، وأكره الأرقام، ولدي ذاكرة سيئة جدا عندما يتعلق الأمر بحفظ رقم، فأنا حتى هذا اليوم لا أحفظ حتى رقمي المدني.
قبلت العرض من باب التحدي، الذي هو أسوأ عيوبي على الإطلاق، فقد تجرعت المر بسبب هذا العيب في شخصيتي، تفاجأت بأنه كان علي البدء فورا، بدون تدريب، ولا سابق تحضير، باستثناء سويعات أخذني فيها الموظف المستقيل عبر النظام المحاسبي للجنة، فقط بعد أن بدأت العمل تكشف لي التحدي الذي وضعت نفسي فيه.
كان علي إدارة حسابين لا واحد، فالجانب الأمريكي يعد حساباته وفقا لمعايير المحاسبة الأمريكية، بالدولار الأمريكي، والجانب العماني وفقا لمعايير المحاسبة الدولية، بالريال العماني، فيما تدار الرواتب وفقا للنظام الأمريكي بالنسبة لموظفي الولايات المتحدة، ووفقا لقانون الخدمة المدنية بالنسبة للموظفين العمانيين.
وكنت طبعا مطالبة بالعملية كلها من الألف للياء، لنقص الكادر الذي كما ذكرت يتكون من خمسة من العمانيين، الأيام الأولى كنت عاجزة فعلا عن فهم أي من العمليات التي كنت مطالبة بتنفيذها، وكنت خائفة من الاعتراف بهذا لأي مخلوق، عيب آخر من عيوبي الشخصية، كنت أبكي يوميا تقريبا، وأكثر ما كان يؤلمني (كبريائي) التي قد أعرضها للأذى.
والبقية جزء من التاريخ، لا أعرف فعلا حتى هذه اللحظة، كيف تمكنت من أداء عملي بالكفاءة التي أديته بها، وتقديرا لذلك كانت ترقياتي سريعة، ولم تمر سنة لم أحصل فيها على مكافأة، وعلاوة استثنائية، خرجت من اللجنة وأنا مساعد مدير المالية.
لا يوجد تفسير لما حدث سوى أنه كان توفيقا من رب العالمين، بعد خمس سنوات من عملي في اللجنة، قررت السلطنة إغلاق اللجنة العمانية الأمريكية المشتركة، وانتهت بذلك تجربتي معها.
مؤمنة أنا بأن لا شيء يحدث عبثا، تغيير المسار ذاك، كان يهيئني للدور الذي كان علي أن ألعبه في التأمينات الاجتماعية أولا، وفي مساري الحالي ثانيا، كلها كانت خطوات مقدرة، وألطافا ربانية خفية، وضعتني حيث أنا اليوم، بطريقة إعجازية في كل مراحلها وخطواتها.

الدرس: لمجرد أنك لا تعرف كيف تؤدي الوظيفة، ليس سببا لرفضها، لم تولد وأنت تعرف أي شيء سوى البكاء والرضاعة، ماعدا ذلك تعلمته تدريجيا، بكثير جدا من الممارسة، والركل، ووضع كل ما تقع عليه عينك في فمك لتتعلم الطعم والملمس، سقطت كثيرا في سبيل تعلم المشي، تألمت كثيرا، تأذيت كثيرا، مرضت كثيرا قبل أن يتقوى جهازك المناعي، واستمر هذا المسلسل حتى هذه اللحظة، فلما تعتقد أن النجاح الوظيفي مختلف؟!….. للحديث بقية