الأغنية الوطنية العمانية.. يوم تَدَفّأت بشمس النهضة

تقرير – بشاير السليمية –

منذ ما يزيد عن خمسين عاما صنعت الأغنية العمانية خصوصيتها، وكابدت كي تصل إلى المسامع رغم صعوبة إيصال الصوت وقتها.. إلى أن جاء الحاكم الملهم محب الفن والموسيقى والحريص على الأغنية ومتذوق الألحان وقارئ الأشعار، فازدهرت الأغنية أداءً وصوتا ولحنا.. وفي سطورنا القادمة نقلب معكم بعضا من ذكريات هذه الأغاني وروّادها وحكاياتها. ووجهنا المسامع صوب الأغنية الوطنية بالذات حتى نسترجع معكم أجمل الذكريات في أيامنا المجيدة هذه.
منذ الستينيات والمغني العماني يبحر بصوته حول الخليج وآسيا وأفريقيا، ولأنه كان مسافرا وبحارا غالب الوقت، لم يفوّت فرصة أن يُسمع الناس صوته متى ما وجدها سانحة في الدول التي يحط رحاله فيها، فكثير منهم انتشر واشتهر عبر منافذ استوديوهات التسجيل في البحرين؛ كما أشار إلى ذلك الموسيقي والباحث مدير مركز عمان للموسيقى التقليدية الدكتور مسلم الكثيري في ندوة أقامها بيت الزبير حملت عنوان «ما لم يقله المغنى» وفي الحلقة المخصصة للفنان محمد المقيمي أشار الكثيري إلى أن المغنين العمانيين – رواد الغناء العودي العماني بالذات – نشأوا في دول الخليج في الستينيات والسبعينيات وحتى ما قبل القرن العشرين بسبب العوامل الاقتصادية، ولم يعد العمانيون يسافرون إلى شرق أفريقيا بل اتجهوا إلى دول الخليج الأخرى، وبعد مجيء السلطان قابوس -رحمه الله- وتوليه الحكم عادوا جميعا إلى البلاد، مشيرا إلى أن الفنان محمد المقيمي كان مواكبا لهذا التحول السياسي في أغانيه الوطنية. ونستذكر هنا حين غنّى فرحا بالفجر الجديد:

 

استبشر الشعب بأخبار(ن) مفيــــــــدة
هلت البشرى وأصبحنا في ســـــــرور
وافرحي يا عمان بحكومة المـــــــجيدة
وارفعي الأعلام لفي بالزهـــــــــــــور
يسلم لنــــا قابوس وحكومته الجديـــــدة
هنوا يا عــــــالم وغنوا يا حضـــــــور
بشّ قلبـــي يوم شفته بالوكيــــــــــــــدة
سنة الســـــبعين أفلاك(ن) تـــــــــــدور
وفي تراث الموسيقى العمانية وما أضافه الفنان محمد المقيمي يشير الكثيري إلى أنه أضاف الأغنية القصصية أو أغنية اليوميات. ومن خلال الكثير من الأغاني يلفت الكثيري أن المقيمي هو من ابتكر هذا اللون في الغناء العماني على الأقل، وأنه أجادها فعلا، ونستذكر هنا أغنية (لاند روفر خضر) التي سجل عبرها رحلة كاملة بما فيها من أحداث ومواقف:
أنا قصدت كل بــــــــر
في لاندروفر خضـــر
من دبي طالع عصـــر
قبل العشا في البريمي
السايق تسلم يمينــــــه
شيّك(ن) جيل المكينة
قبل لا أدش المدينـــة
الدرب واقف نديمــه
أما ابن صور سالم بن راشد الصوري صاحب أستوديو (سالم فون)، فقد قضى حياته بين عمان والهند والكويت والبحرين، وبعد تولي السلطان الراحل زمام الحكم في البلاد عاد سالم الصوري حسبما أشار الفنان فتحي محسن في ندوة «ما لم يقله المغنى» التي أشرنا إليها سالفا. لبى الصوري النداء وعاد إلى عمان وكان قد طُلب منه أن يؤسس فرقة لديوان البلاط السلطاني، فبدأ بجمع رفاقه مثل عوض حليس ومحمد حبريش وآخرين عملوا معا لإنتاج الأغاني الشعبية التي سجلوا بعضها في القاهرة وبيروت. وفي ندوة «الأغنية العمانية في حقبة الستينيات» أشار طالب البلوشي إلى أن سالم الصوري من أوائل من غنّى لعمان (يا عمان فاخري بين الأمم). ومن المفارقات التي أشار إليها البلوشي كذلك أن الصوري تعلّم على يد الفنان حمد بن حليس الذي سجل أغانيه في أستوديو (سالم فون) فيما بعد. وحسب البلوشي فإن ابن حليس يعد أول مطرب يسجل في استوديوهات الكويت عند افتتاحها. كما أن منهم من سجل باكورة أعماله في هذه الدول مثل حمدان الوطني الذي سجل (صباح العيد محبوبي صادفته) في البحرين في استوديو (جرجافون).
وعلى الرغم مما حققه الفنان العماني وأغنيته آنذاك إلا أن عوائل بعضهم وقبائلهم – حسب محسن – لم تكن ترغب في أن يسلك أبناؤها مجال الغناء، لذا فقد اشتهروا بأسماء ولاياتهم وليس بقبائلهم، وفي هذا السياق ذكر طالب البلوشي أن والد الفنان محمد المطلعي كسر العود الذي صنعه ابنه من (الصفيح)، بيد أن الابن لم يقف عند ذلك الحد، فصنع غيره بأوتار أربعة وكان يخفيه عن أبيه.

أغاني النهضة.. هواتف البشرى

في العقدين الثاني والثالث من عمر النهضة المباركة برع الفنانون العمانيون في الأغنية الوطنية، أداءً وألحانا وكلمات. وعبرت أصواتهم من خلال الشاشات كل بيوت عمان. ومنهم من كان يمتلك الصوت العذب ولكنه لم يسجل أغاني إلا بعد النهضة كالفنان عبد الله الصفراوي (١٩٣١ / ١٩٨٢).
هاتف البشرى دعــانا
فاستجبنا مســـــرعين
وطوينا الأرض سعيا
في رحـــاب الخالدين
وابتهاجا بالسبعين كان مما غناه الفنان مدين مسلم:
انجلى المـــاضي وراح
وانطوى عـــــــنا وزال
في عام سبعين المبارك
حقق الشعب المـــــــنال
ومن ذا ينسى ما غناه الراحل سالم علي سعيد «سفير الأغنية العمانية» في عام ١٩٨٥:
يا عمان يا اسم(ن) عشقناه
والزمان من عزك سبقنــــــاه
سار مركبنا وسيدي السلطان ربانه
سار مركبنا والفخر والعز في شانه
وبعدها باثنين وعشرين عاما حصل الفنان الراحل سالم بن علي على وسام جلالة السلطان قابوس للثقافة والعلوم والفنون من الدرجة الثانية تقديراً لإسهامه في نشر الأغنية العُمانية.
أما في عام ١٩٨٧ وقف شادي عمان وشاطئ القرم من خلفه مغنيا:
لكِ حبي يا بـــــلادي
ووفائي واعتقـــــادي
وسأمضي باجتهادي
أسبق الريح مجـــيبا
وفي العام نفسه غنى رفيقه حكم عايل أغنيته العذبة:
كنت بالأمس عماني
وأنا اليوم عـــــماني
وغدا أبقى عمـــاني
ومدى الدهر عماني
وكتبت الشاعرة سعيدة خاطر «وحي الإلهام» التي غناها أحمد الحارثي في عام ١٩٨٨، الحارثي الذي وإن غاب لا يمكن لأغانيه أن تغيب عن الذاكرة الجمعية العمانية:
بــــــلادي تغنى بها المــــلهمون
وألهمـــــت الطير فوق الغصون
وهـــــام الجمال بأرجــــــــــائها
فألقى على الأرض سحر الفنون
ومن الأصوات النسائية التي غنت أغاني وطنية الفنانة إيمان محمد علي (عين ميم ألف نون اسم بلدنا) في عام ١٩٨٩، ومن تلك الأغاني أيضا رائعة رشا البلوشي المغناة على كورنيش مطرح آنذاك: (الحب لِك أنتِ)، ونوال بنت سعود التي غنت أغنيتين وطنيتين فقط ولكنهما تعزان على النسيان هما» (عمان يا بلادي يا حبنا الكبير) وأغنية (أحييكم بني وطني) التي كتب كلماتهما المهندس سعيد الصقلاوي.
وفي بداية التسعينات غنّى الفنان محمد المخيني «أنت المحبة يا عمان» والتي لحنها السيد خالد بن حمد:
ماذا يضيرك لــــو عشقتك مـــرة
وضممت قدك بكرة وأصيـــــــلا
وسدنت في محراب حبك خاشعا
أدعو الإلـــه مرتــــلا تــــــرتيلا
أن يحفظ الـــود المقـــــدس بيننا
وبأن تكوني الحــــب والتقبــــيلا
وغنى المخيني غيرها من الأغنيات الوطنية الخالدة، نذكر منها أغنيته (أعترف لك) وغيرها من الأغنيات التي غناه بالاشتراك مع العلَمين الآخرين: سالم علي سعيد وأحمد الحارثي.
وعندما يذكر ثالوث الأغنية الوطنية العمانية: سالم علي، ومحمد المخيني، وأحمد الحارثي، يُذكر كذلك الفنان ماجد المرزوقي، الذي لحّن وغنى في بداياته أيضا أجمل أغانيه الوطنية (عشيقة المجد):
حدّث فديتك عن أمجادها شعرا
وانثر علينا ترانيم العـــــــلا نثرا
حدّث عن المجد مختالا مساحتها
يتوج الصيد من أبنائها فخــــــرا
كما برزت أصوات غنائية شابة قدمت للوطن أجمل الأغنيات، نذكر منهم: سالم العريمي، أيمن الناصر، وأحمد راضي، ليلى نصيب، هدى الخمبشي، وشيماء الحمادي، وآخرون.
الأغنية.. مثلث عماني من الشعر واللحن والأداء
كانت المهرجانات الطلابية موسما سنويا قدم فيها الشعراء العمانيون ما جادت به قرائحهم، فرغم مرور كل هذه السنين ما زال يذكر كل من شهد ولم يشهد بدايات النهضة أيقونة عبد الله الطائي الخالدة:
صوت للنهضة نادى هبوا جمعا وفرادى
وكذا كلمات أغنية عبد الله صخر:
عام الشبيبة في بلادي
للمروءة والحمى
عام به الآمال ترقى سلماً
عام سنًا فتبسما
يحكي لأهل الأرض
أن عُمان ترقى الأنجما ..
ثم برز جيل من أبناء النهضة من الشعراء، الذين كتبوا كلمات كثير من الأغاني، بل وكتبوا لفانين من خارج عمان. فكان منهم الشاعر الراحل علي عبدالله الصومالي، الذي كانت بدايته عام ١٩٨٠، وكتب لفنانين في عمان وخارجها، وقد كُرّم في مهرجان الأغنية العمانية بجائزتين بصفتيه: شاعر عماني، وشاعر نشر الكلمة العمانية خارجيا.
وفي حديثه لهلا أف أم ذكر الشاعر سعيد الصقلاوي أن السلطان الراحل كان حريصا على الأغنية العمانية وعلى أن يلحنها ملحن عماني وأن يأتي هذا اللحن من فن شعبي عماني. مشيرا إلى أن هنالك أغنية من كلماته كان – طيب الله ثراه – دائم الطلب عليها وهي أغنية (عمان يا بلادي):
عمان يا بلادي يا حبنا الكبير
وفرحة العباد سلطانك القدير
أما الشاعرة سعيدة خاطر في حديث لها مع الشاعر حسن المطروشي في صحيفة لبان (تكوين سابقا) في عام ٢٠١٨ فذكرت أن أبرز الأغاني التي كتبتها في بدايات مسيرتها كانت في المواضيع الوطنية، مشيرة إلى أنها «حققت نقلة نوعية في كتابة الأغنية الوطنية العمانية لتركيزها على وصف جماليات عمان والارتباط العميق بالأرض»، وتخص بالذكر الأغنية التي غناها أحمد الحارثي التي أشرنا لها سابقا والتي حملت اسم «وحي الإلهام»، و»الحب لك انتِ» بصوت رشا البلوشي، وأغنية أخرى تغنى بها الفنان عبدلله الحتروشي تقول:
على ذرى شوامخ النخيلِ
وفي سرى نسيمها العليلِ
عمانُ حبٌّ رائعُ الأصولِ
عمانُ بوح ُالزهرِ للحقولِ
وتزاحم الشعراء على ميدان الكتابة للوطن، ووجدت قصائد كثير منهم طريقها إلى الغناء، نذكر على سبيل المثال لا الحصر: حمود العيسري، ونورة البادي، وهلالة الحمداني، وإبراهيم السالمي، يوسف الكمالي، وآخرون.
ومن مؤلفي الكلمات إلى الضلع الثالث «الملحنين»، فقد برز منهم كثر، مثرين بذلك الأغنية العمانية بألحانهم الشجية ومنهم ناصر عبد الرب (ابن الساحل)، والسيد خالد بن حمد، والسيد شبيب بن المرداس، وفتحي محسن، وبخيت الشحري، وإبراهيم المنذري، وصلاح الزدجالي الذي لحن وغنّى كثيرا من الأغنيات الوطنية، وشكّل مع الشاعر حميد البلوشي ثنائيا فريدا قدم للمشهد الغنائي الوطني العماني مجموعة من الأغنيات سواء الوطنية أو الرياضية الداعمة للمنتخب الوطني في البطولات الخليجية والقارية والعالمية.

مهرجان الأغنية العمانية.. مولد الحناجر الذهبية

كان مهرجان الأغنية العمانية واحدا من أفكار السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه- إضافة إلى مهرجان العود ومشروع إنشاء شركة لدعم الفنانين العمانيين حملت اسم «سابكو للفنون» التي قال الفنان الراحل سالم علي سعيد أنها كانت وليدة حفل أقيم في لندن. لم تكن أفكاره طيب الله ثراه تقتصر على المهرجانات وحسب، بل من المثير بمكان أنه من شدة حرصه على متابعة الأغنية العمانية واهتمامه بها أن أمر بتأسيس لجنة لمراجعة نصوص الأغاني، وكانت له ذائقة خاصة في انتقاء الكلمات بمعناها الدقيق، لدرجة أنه كان يعتمد أعمال المهرجانات قبل أن تعرض على الملأ كلمة ولحنا. هذا ما كشفه السيد خالد بن حمد في أمسية «أصلها ثابت» المقامة من قبل بيت الزبير في معرض الكتاب 2020، وأضاف السيد خالد بن حمد: «في إحدى الحفلات كان -طيب الله ثراه- طلب أن تكتب أغنية باسم «عمان يا شمس الضحى» فكان أن كتبها الشاعر ذياب بن صخر العامري.
وأضاف السيد خالد بن حمد أنه وردت في أحد أبيات أغنية (يا مسقط الفكر) عبارة: «وتباركي وانعمي في عصرك الذهبي» فأمر باستبدال المقطع لأنه كان يقول: أريد أن تكون كل عصور عمان ذهبية، فاستُبدل المقطع بـ «تباركي وانعمي يا مجمع الأدب». وكشف السيد خالد بن حمد كذلك بأن جلالته -طيب الله ثراه- لحن بعض الأعمال شخصيا وإن لم تنسب له.
وكان أن انطلق مهرجان الأغنية العمانية الأول في ديسمبر عام ١٩٩٤ ورصدت له جوائز: (البلبل الذهبي) لأفضل مغن و(البلبل الفضي) و(البلبل البرونزي). وكان يكرّم المهرجان في ليلته الافتتاحية عددا من قدامى المبدعين العمانيين حتى الراحلين منهم سواء كانوا شعراء كتبوا للأغنية العمانية أو فنانين. أقيم المهرجان الأول والثاني على التوالي ثم توقف عاما وأصبح يقام كل عامين، وجاء المهرجان الثالث في عام ٩٧. أما مهرجان الأغنية الحادي عشر في ٢٠١٥ فقد كان آخر هذه المهرجانات التي أخرجت مجموعة من الفنانين العمانيين المبدعين الذين عُرف وسُمع عن بعضهم لأول مرة من خلاله.